عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم تحالف حقوقي يطلب توسيع الصلاحيات الأممية لحماية الطفولة في تندوف - بوابة المدينة برس
سلّط تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الضوء على التحديات الحقوقية التي تواجه الأطفال في مناطق النزاع بإفريقيا، ولا سيما داخل مخيمات تندوف، خلال ندوة دولية احتضنتها مدينة جنيف على هامش الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، مطلقا “إعلان جنيف حول طفولة إفريقيا المسروقة” باعتباره وثيقة ترافعية تدعو إلى تطوير آليات الحماية الدولية وتعزيز المساءلة بشأن تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة.
وأكد المشاركون أن الإعلان يروم إحداث تحول في التعاطي الدولي مع ظاهرة تجنيد الأطفال، من خلال الانتقال من الاكتفاء بالإدانة إلى إرساء آليات قانونية أكثر فعالية، تهدف إلى ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وتوسيع صلاحيات الهيئات الأممية المختصة لرصد أوضاع الأطفال في المناطق المغلقة ومتابعة الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
وفي هذا الصدد، أثارت الندوة الوضعية الحقوقية الكارثية في مخيمات تندوف، حيث اعتبر المتدخلون أن الأطفال يواجهون مخاطر متزايدة نتيجة استمرار الأزمة، مشيرين إلى تعرضهم لأشكال من التجنيد الإيديولوجي والعسكري في ظل أوضاع اجتماعية وإنسانية صعبة، مع الدعوة إلى تمكين آليات الرصد الدولية من الولوج إلى المخيمات والوقوف على أوضاع القاصرين بها.
كما ناقش المشاركون الثغرات القانونية التي ما تزال تحد من فعالية المنظومة الدولية والإفريقية في التصدي لظاهرة الأطفال الجنود، محذرين من بروز أنماط جديدة من التجنيد، من بينها التجنيد عبر الوسائط الرقمية، فضلا عن استمرار وجود فراغات قانونية في بعض مناطق النزاع، مما ينعكس سلبا على حماية الأطفال وضمان حقوقهم الأساسية.
وأفردت الندوة حيزا خاصا لمعاناة الفتيات المجندات، حيث نبهت المداخلات إلى تعرضهن لأشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع الدعوة إلى اعتماد مقاربة أممية تراعي خصوصية أوضاعهن، وإدماج احتياجاتهن ضمن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وعكف المشاركون في نهاية أشغال الندوة على صياغة “إعلان جنيف حول طفولة إفريقيا المسروقة”، الذي دعا إلى تعزيز الولاية التقنية للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، وإقرار آلية للإحالة القضائية للانتهاكات الجسيمة، إلى جانب حث الدول على ملاءمة تشريعاتها الوطنية مع الالتزامات الدولية لتجريم عسكرة الطفولة وفرض عقوبات رادعة على المتورطين، بما يعزز حماية الأطفال ويكرس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
أطفال تندوف
قالت مينة لغزال، منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”، إن التحالف أطلق من قلب جنيف نداء قويا إلى ضمير المجتمع الدولي للتوقف أمام مأساة آلاف الأطفال والفتيات الذين تُصادر آفاقهم خلف أسوار النزاعات المسلحة وداخل المخيمات المغلقة، مؤكدة أن ظاهرة الأطفال الجنود في القارة الإفريقية تحولت إلى استراتيجية ممنهجة تعتمدها الأطراف المسلحة لضمان استمرار النزاعات، على حساب براءة الأطفال ومستقبل التنمية في إفريقيا.
ونبهت لغزال، في تصريح لهسبريس، إلى وجود ما لا يقل عن 300 ألف طفل مرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة عبر العالم، مشيرة إلى أن بعضهم يُدفع إلى أتون الحروب وهم في سن الثامنة، ليواجهوا مصيرا يجمع بين التنكيل الجسدي والتشويه النفسي. كما دعت إلى الالتفات إلى الفتيات المجندات، اللواتي يمثلن نحو 40 في المائة من إجمالي الضحايا، ويتعرضن لعنف جندري مركب يشمل الاسترقاق الجنسي والزواج القسري، مع استمرار إقصائهن من برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وأوضحت مؤطرة الندوة أن التحالف عرض أمام آليات الأمم المتحدة تفاصيل الوضعية التي وصفها بالمأساوية في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، موردة أنها تشكل فراغا قانونيا يفتقر إلى الرقابة الدولية المستقلة، الأمر الذي أوجد، بحسبها، بيئة حاضنة لعسكرة الطفولة وتجنيد القاصرين تحت وطأة الإكراه والشحن الإيديولوجي واستغلال الهشاشة الإنسانية، في خرق للقانون الدولي ولمبدأ المصلحة الفضلى للطفل.
وتابعت منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية” قائلة: “خلال تفاعلنا في الندوة الدولية التي نظمناها بجنيف حول طفولة إفريقيا المسروقة وإشكالية تجنيد الأطفال، حمّلنا الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة والطرف السامي المتعاقد في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن أمن وسلامة كافة المقيمين فوق ترابها الوطني، وشددنا على أن سياسة الضبابية ومنع آليات الرصد الدولية من ولوج المخيمات لا تمثل شأنا سياديا داخليا، بل تكرس ثقافة الإفلات من العقاب وتمنح المنتهكين فرصة مواصلة جرائمهم بعيدا عن أعين العدالة”.
وبخصوص سبل مواجهة هذه الانتهاكات، سجلت الفاعلة الحقوقية أن التحالف دعا بشكل حازم إلى اعتماد “إعلان جنيف حول الطفولة المسلوبة في إفريقيا” كإطار مرجعي ملزم، يضمن الانتقال من بلاغة التنديد إلى فعالية الإجراء، معتبرة أن تعزيز ولاية المحكمة الجنائية الدولية وتشديد العقوبات الأممية على المتورطين في تجنيد الأطفال، سواء كانوا فاعلين من الدول أو من غير الدول، أصبح ضرورة ملحة لاستعادة كرامة الإنسان وتجفيف منابع العنف البنيوي الذي يطال الطفولة الإفريقية.
وذكرت الخبيرة في مجال حقوق الإنسان أن حماية الأطفال في مناطق النزاع لم تعد قضية إنسانية فحسب، بقدر ما هي التزام قانوني دولي يفرض على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات عملية تضمن إنهاء الإفلات من العقاب وحماية الأجيال الصاعدة من دوامة الحروب والاستغلال.
وأنهت مينة لغزال حديثها لهسبريس بالتأكيد أن تحرير إرادة الأطفال والفتيات في مخيمات تندوف وفي مختلف بؤر النزاع الإفريقية التزام دولي لا يقبل التجزئة أو التأجيل، مضيفة أن الوقت قد حان ليعود السلاح إلى المخازن، وتستعيد الأيادي الصغيرة مكانها الطبيعي بحمل القلم والدمية بدل البندقية وقنابل الكراهية، بشكل يضمن نشأة جيل يسهم في البناء والتنمية بدل الهدم والصراع.
فجوة تنفيذ
سجلت رائيل نيابوكي، وسيط معتمد باحثة في القانون الدولي بجامعة بريمن بألمانيا، أن المجتمع الدولي يواجه ما وصفته بـ “فجوة تنفيذ كارثية” تهدد مستقبل الأجيال الصاعدة في القارة الإفريقية، رغم توفر منظومة قانونية دولية متقدمة لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة.
وأضافت نيابوكي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الإطار القانوني الدولي، الذي يمتد من اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري لسنة 2000 إلى نظام روما الأساسي، يعد منظومة متكاملة من الناحية النظرية، غير أن الواقع الميداني يكشف استمرار تجنيد أكثر من مائة ألف طفل داخل الجماعات المسلحة والقوات النظامية بإفريقيا، مشيرة إلى أن هذا الوضع لا يعكس قصورا في النصوص القانونية بقدر ما يعكس إخفاقا بنيويا في آليات التنفيذ والمؤسسات المكلفة بتحويل هذه المعايير إلى حماية فعلية للأطفال.
وأكدت المشاركة في أشغال الندوة الدولية بجنيف أن منظمات المجتمع المدني تضطلع بدور محوري في ردم هذه الفجوة، منوهة بمبادرة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية لتنظيم الندوة الدولية حول “طفولة إفريقيا المسروقة”، باعتبارها فضاء لتعزيز النقاش حول آليات حماية الأطفال في مناطق النزاع.
وقالت نيابويكي: “تمتلك منظمات المجتمع المدني ثلاث ركائز استراتيجية تفتقر إليها الدول والمنظمات الدولية، تتمثل في الثقة المجتمعية التي تتيح لها النفاذ الآمن إلى المجتمعات المتضررة، والقدرة على تفكيك المعايير الدولية ومواءمتها مع السياقات الثقافية واللغوية المحلية، فضلا عن قربها من الخطوط الأمامية، بما يسمح لها برصد حالات التجنيد والتدخل لمنعها قبل استفحالها”.
وشددت الحقوقية الكينية على أن تعزيز دور المجتمع المدني يظل أحد المفاتيح الأساسية لضمان التطبيق الفعلي للالتزامات الدولية الخاصة بحماية الأطفال، وتحويل المبادئ القانونية إلى إجراءات عملية تستجيب لواقع النزاعات المسلحة في القارة الإفريقية.
وعن أوضاع الفتيات المجندات، انتقدت المدافعة عن حقوق الإنسان ما أسمته “النقطة العمياء” في القانون الدولي، موضحة أن الفتيات يشكلن ما بين 30 و40 في المائة من الأطفال المجندين، إلا أنهن يتعرضن لمعاناة مركبة تجمع بين المشاركة القسرية في القتال والعنف الجنسي والاسترقاق المنزلي، في وقت لا تزال فيه برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج مصممة وفق مقاربات ذكورية تفترض أن المقاتل رجل، وهو ما يكرس إقصاء الفتيات ويحرمهن من العدالة وجبر الضرر.
وأجملت رائيل نيابوكي بالقول إن معالجة ظاهرة تجنيد الأطفال تقتضي الانتقال من الاكتفاء ببناء المعايير القانونية إلى ضمان تنفيذها ميدانيا، عبر تمكين المؤسسات المختصة ومنظمات المجتمع المدني من الاضطلاع بأدوارها في الوقاية والرصد والحماية، بما يكفل صون حقوق الأطفال وإنهاء مظاهر الإفلات من العقاب.
عشرية سوداء
يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، أن إطلاق “إعلان جنيف بشأن طفولة إفريقيا المسروقة” من قلب قصر الأمم يشكل منعطفا تاريخيا في مسار الترافع المدني الدولي، باعتباره خطوة تروم نقل قضية الأطفال المجندين من دائرة التوصيف النظري والخطابات الدبلوماسية إلى مرحلة الوفاء بالالتزامات الدولية وترجمتها إلى إجراءات عملية، مع الدفع نحو مساءلة جنائية دولية حازمة بحق المسؤولين عن هذه الانتهاكات، تجسيدا للالتزام بحماية أجيال المستقبل.
وأضاف الكاين، في إفادة لهسبريس، أن التحالف أكد، تزامنا مع انعقاد الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، أن القارة الإفريقية تعيش ما وصفها بـ “عشرية سوداء” لسلب براءة الأطفال، مستندا إلى المعطيات الأممية التي توثق استغلال آلاف القاصرين داخل الميليشيات المسلحة والجماعات غير الحكومية، موردا أن استمرار هذه الظاهرة يشكل تحديا جوهريا لقواعد القانون الدولي الإنساني ويستوجب استجابة حقوقية عابرة للحدود.
وأكد الفاعل الحقوقي أن الإشكال الحقيقي في حماية الأطفال لا يكمن في نقص الاتفاقيات أو التشريعات الدولية، وإنما في الفجوة الواسعة بين قوة النصوص القانونية واستمرار الإفلات الممنهج من العقاب داخل بؤر النزاع، داعيا إلى ردم هذه الهوة وتحويل الحماية الدولية من التزامات نظرية إلى حقوق نافذة تقترن بآليات للمساءلة القضائية الدولية.
وعن الأوضاع داخل مخيمات تندوف، أوضح الكاين أن التحالف يعتبر هذه المخيمات حالة استثنائية ومقلقة، واصفا إياها بأنها “منطقة رمادية قضائيا”، مشددا على أن عسكرة الطفولة تحت غطاء التلقين الإيديولوجي تضع الدولة المضيفة أمام مسؤولياتها القانونية المباشرة، مؤكدا أن الاعتبارات الجيو-سياسية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يحول دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتابع قائلا: “طرحنا من خلال إعلان جنيف محاور استراتيجية تروم مأسسة هذه الوثيقة كمرجع دولي، تبدأ بتعزيز الولاية التقنية للممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال والنزاع المسلح، ومنحه صلاحيات استقصائية ميدانية مستقلة تضمن الولوج المباشر إلى المناطق المغلقة، باعتبار ذلك إجراء حاسما لمنع تحول هذه المناطق إلى ثغرات قانونية تكرس الإفلات من العقاب وتشرعن سلب حقوق الأطفال”.
ونبه نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية إلى أن التحالف يواصل الترافع من أجل اعتماد بروتوكول أممي يراعي الخصوصيات الجندرية للفتيات المرتبطات بالجماعات المسلحة، اللواتي يواجهن، بحسب تعبيره، “استرقاقا مضاعفا”، إلى جانب الدعوة إلى إدماج قضية الأطفال الجنود بشكل ممنهج ضمن مسارات العدالة الانتقالية وإعادة البناء المؤسساتي في الدول الإفريقية، بما يضمن استعادة حقوق هؤلاء الأطفال وكسر دائرة الاستغلال البشري.
وخلص عبد الوهاب الكاين إلى أن “الطفولة المسروقة” في إفريقيا ليست قدرا محتوما، وإنما نتيجة لسياسة الصمت الممنهج، مشددا على التزام تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية بمواصلة الضغط المدني على المستوى الدولي إلى أن يستعيد كل طفل سُلبت هويته في مخيمات تندوف أو في أي بؤرة نزاع إفريقية كرامته الإنسانية الكاملة وحقه في مستقبل يسوده السلام والعدالة.








0 تعليق