من صولة طارق إلى سباحة اليائسين .. سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من صولة طارق إلى سباحة اليائسين .. سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور - بوابة المدينة برس

يعود الأكاديمي عبد الفتاح الحجمري، إلى قصيدة “سبتة” للشاعر الراحل أحمد المجاطي “المعداوي” (1936-1995) كما وردت في ديوان “الفروسية”، لا ليستعيد نصا شعريا من الذاكرة الأدبية فحسب، وإنما ليقرأ من خلاله تحولات مدينة ظلت، في الوجدان المغربي، أكثر من مجرد نقطة جغرافية، إذ حضرت باعتبارها جرحا تاريخيا ورمزا للحنين والعبور والحدود، قبل أن تستعيد حضورها بقوة مع أحداث يوليوز 2026 وما رافقها من محاولات جماعية للوصول إليها.

ومن خلال هذا التقاطع بين الشعر والواقع، يقارن الحجمري في مقال بعنوان “العبور والقبور” بين سبتة التي تخيلها المجاطي مدينة تنتظر من يستعيدها، وسبتة التي قصدها شباب رأوا فيها منفذا محتملا نحو حياة أخرى، مستحضرا صور البحر والسياج والعبور والانتظار، ومقاربة التحولات الاجتماعية والنفسية التي جعلت المدينة تنتقل من رمز للسيادة والذاكرة إلى مرآة تعكس أسئلة أكثر إلحاحا حول الكرامة والفرص والهجرة ومستقبل الشباب.

نص المقال:

“وتَمتدُّ لَثغتُكِ القُرطُبِيّةُ

بيني وبينَ القُبورِ

وبَيني وبينَ العُبورِ

إذن سوفَ تأتي

على قدمٍ من لُجَيْنِ

ستأتي متَى نَبتتْ شوكةٌ

بينَ نفسي وبيني”

من قصيدة ” سَبْتة” لأحمد المجاطي – ديوان ” الفروسية”

سَبْتة… مِنَ المجّاطي إلى يُوليوز 2026

ليست المأساة أن يفصل البحر شابًا عن مدينة يراها بعينيه، وإنما أن يقتنع آلاف الشباب بأن حياتهم تبدأ على الضّفة الأخرى. من هنا تخرج سبتة من حدود الجغرافيا وتدخل منطقة أكثر قسوة: منطقة الحُلم المعطوب، والكرامة المعلّقة، والمستقبل الذي يلمع خلف سياج. حين كتب المرحوم أحمد المجاطي في قصيدته الشهيرة عن سَبْتة، لم يرها مدينة تستقر وراء خطّ حدودي؛ رآها جرحًا يتحرك داخل الجسد المغربي. منحها صورة امرأة يعشقها ويعاتبها، وجمع فيها الكأس والفأس، والصلاة والزنزانة، والذاكرة الأندلسية والأسلاك. وعندما اندفع عشرات الآلاف نحوها في نهاية يوليوز 2026، غادرت القصيدة ديوانها ومشتْ بين الناس. عبر نحو اثنين وسبعين ألف شخص خلال أيام، وعاد قرابة سبعين ألفًا إلى المغرب، فيما أحْصت السلطات الإسبانية اثنتين وسبعين وفاة على الأقل بحلول الثاني من شهر غشت. حمل البحر جثثًا، واستقبلت الشواطئ ناجين حفاة، وابتلعت الحدود آلاف الأحلام ثم أعادتها منهكة إلى نقطة البداية. لمْ تعُد اسْتعَارات المجّاطي صُورًا شعرية بعيدة؛ وجدت أمامها أجسادًا تمنحُها معنى واقِعيًا فَادِحًا.

أرادَ المجّاطي أن يُحرّر سبتة، وأراد الشّباب أن تُحَرِّرَهم

يفتتح المجاطي قصيدته بصوت يقول: «أنا النهر، أمتهن الوصل». يمنح النهر وظيفة أخلاقية؛ يصل الحنين بالموسيقى، والغصن بالسحاب، والإنسان بما يشتاق إليه. لكن سبتة التي كشفتها أحداث يوليوز غيّرت وظيفة الماء. في أفقها يصطدم الحلم الشعري بواقع لا يعرف الرحمة. صنع المجاطي من الماء جسرًا، وصنع اليأس منه مخاطرة؛ منحه الشاعر ذاكرة، ومنحه العابرون طعم الملح والخوف. وحين يختار إنسان البحر لأنه لم يجد طريقًا على اليابسة، لا تعود المشكلة في الماء وحده؛ تظهر المشكلة في الحياة التي ضاقت حتى جعلت الغرق احتمالًا قابلًا للمُجازفة.

يقول المجاطي إنه يصل «بين الحنين وبين الرّبابة». في الهجرة الأخيرة، أخذ الهاتف مكان الربابة. حملت الربابة القديمة الحنين عبر اللحن، وحملت الشاشة الحديثة الوعد عبر الصورة. تداولت حسابات على تيك توك وإنستغرام وفيسبوك مقاطع لأشخاص يعبرون نحو سبتة، وانتشرت إشاعة تزعم أن الحدود فتحت أبوابها وأن الوصول سباحة يمنع الإعادة الفَورية. لم تثبت التحقيقات وجود حملة منظمة واحدة، لكن الصور صنعت أثر كُرة الثّلج: رأى شاب غيره يصل، فتوَهَّم أن البحر اختصر المسافة وأن المدينة تنتظره خلف الموج. تكشف هذه المفارقة صلة دقيقة بين القصيدة والحدث.

تمنح الربابة المستمع وقتًا كي يتأمل حزنه، وتدفع الخوارزمية المشاهد إلى الحركة قبل أن يحسِبَ الثمن. صارت الشاشة صهوة جديدة، وامتطى آلاف الشبان مقطعًا قصيرًا، ثم وجدوا أنفسهم داخل بحر لا يعترف بسرعة الإنترنت. لهذا تكتسب عبارة «أسرج همس الثواني» معنى معاصرًا قاسيًا. أسرجت المنصات ثوانيها، وركضت الصور أسرع من العقل، فتحوّلت الإشاعة إلى حشد، والحشد إلى اندفاع، والاندفاع إلى مأساة. يكرر المجاطي: «آتي على صهوة الغيم، آتي على صهوة الضيم».

يجمع الشاعر الحلم والقهر في حركة واحدة. لذلك، لم يتجه الناس نحو سبتة لأن البحر أغراهم وحده؛ دفعتهم حياة لا تتحرك بالسرعة التي تتحرك بها صور النجاح أمام أعينهم. حمل كل عابر سببًا يخصه: عمل غائب، وأفق ضيق، وإحساس بالإهانة، ورغبة في إعالة الأسرة، وافتتان بصورة أوروبا، وخوف من عمر يمضي من دون فرصة. وعندما اجتمعت هذه الأسباب، صنعت موجة جماعية. صار الضيم حصانًا، وصار الخوف سرجًا، وصارت الحدود مكانًا يتخيل الراكض أنه سيترك عنده حياته القديمة.

من صولة طارق إلى سباحة اليائسين

هنا يستدعي المجاطي «صولة طارق»، فتقلب اللحظة المعاصرة صورة التاريخ. عبرَ طارق الماء نحو الشّمال وهو يحمل قوة ومشروعًا ووجهة واضحة. وعبر شباب اليوم الماء نفسه من دون جيش ولا راية ولا يقين. حمل بعضهم ثيابًا خفيفة، ووضع آخرون هواتفهم داخل أكياس، وترك كثيرون أسماءهم لدى أسر تنتظر مكالمة. تحرك طارق من موقع القوة، وتحرك المهاجر من موقع الحاجة. صنع الأول التاريخ، وحاول الثاني أن يجد مكانًا عند أطرافه. جمع الماء بين الحركتين، ثمّ كشف المسافة الحضارية بين من يعبر كي يفتح أرضًا ومن يعبر كي يبحث عن موطئ قدم. لهذا لا تؤدي «صولة طارق» وظيفة الزّينة التاريخية داخل القصيدة؛ إنها مقياس يفضح انقلاب الموقع. يستدعي المجاطي فارسًا صنع التاريخ، وتعرض اللحظة الراهنة شبابًا يطاردون فرصة عند هوامشه.

أحفادُ المجاطي عند أسْلاك سبتة

أراد المجاطي أن يأتي إلى سبتة كي يستعيدها، وجاء الشبان إليها كي تعيد إليهم إمكان الحياة. قال الشاعر للمدينة: سآتيك. وقالت الأجساد المندفعة في صمتها: خذينا. تخيلت القصيدة مغربًا يتحرك نحو سبتة ليسترد جزءًا من أرضه، وكشفت الهجرة مغاربة يتحركون نحوها ليستردوا جزءًا من مستقبلهم. وحين يقول الشاعر إنه يسقط «خلف رماد الزوارق»، يختار صورة تتجاوز زمنها. لا يترك الزورق رمادًا فوق الماء، لكن الأحلام المحترقة تترك أثرها. في مأساة يوليوز، غرق عابرون، وسحقت الفوضى آخرين قرب الحاجز، وعالجت الخدمات الصحية أكثر من ألف مصاب. تحول الزورق من وسيلة إلى شاهد، وتحولت قطعة المطاط أو الخشب إلى المسافة الهشة بين اسمين: ناجٍ وغريق. لا يحتاج المجاطي إلى وصف الجثة؛ تكفيه كلمة «الرماد» كي يجعل القارئ يرى نهاية النار حتى حين تشتعل وسط الماء. يحترق الحلم من دون لهب، ويتحول الماء إلى مكان يحمل بقايا ما وعد صاحبه بالنجاة.

البحر لا يفتح الحدود

تمنح الإشارة إلى تطوان القصيدة صلة أخرى أكثر إيلامًا. يسأل المجاطي سبتة: «هل همست نسمة أن تطوان جارية؟». حملت النسمة في القصيدة أخبار المدن، وحملت أيام يوليوز أخبار المفقودين. تجمعت أسر في الفنيدق قرب الحدود، ورفعت صور أبنائها، وسألت كل عائد: هل رأيت ابني؟ هل رأيت أختي؟ هل عبر معك أخي؟ استقبل مستودع الجثامين في تطوان أجسادًا، وواصلت عائلات أخرى انتظار خبر يقطع الشك. ربط المجاطي تطوان بسبتة عبر نسمة، وربط الحدث المدينتين عبر الخوف والصور والانتظار والأسماء التي لم تجد أصحابها.

ومن أكثر صور القصيدة إشراقًا صورة الطفلة التي تكتب اسمها للفجر في جسد الصحراء، وتكتب اسمها للماء في جذع ليْمونة. أعطت الأحداثُ هذه الطّفلة وجهًا واقعيًا حزينًا. بقيَ قُرابة ألف قاصر في سبتة بعد الموجة، ومنعت القوانين الإسبانية ترحيلهم بالطريقة نفسها التي أعادت بها السّلطات البالغين. كتب بعضهم بيانات الاتصال لدى جمعيات محلية، وانتظر بعضهم الطعام. لا تملك الطفلة الخرساء عند المجاطي صوتًا، فتكتب اسمها. ولا يملك القاصر العالق قرار الدول، فيكتب رقم هاتفه وينتظر من يحفظ اسمه من الضياع.

ألف خطوة نحو السياج ولا خطوة نحو المستقبل

وتحمل كلمة «زنزانة» في القصيدة معناها الكامل. بدت سبتة لبعض العابرين بوابة، ثم وجدها كثيرون فضاء مغلقًا يفتقر إلى الطعام والمأوى ويدفعهم سريعًا إلى العودة. روى شبان أنهم قضوا ساعات في السباحة، ثم رجعوا جائعين وحفاة بعدما اكتشفوا أن الوصول لا يعني الاستقرار. تجمع المدينة صورتين متعارضتين: نافذة من الخارج، وزنزانة من الداخل.

لا يختزلُ هذا المشهد القضية في تهَوُّر الشّباب، ولا يمنحُ المخاطرة بطولة زَائفة. إنّه يطرحُ سؤالًا أثقل من السّياج: ما الذي يدفع عشرات الآلاف إلى الرّكض في اللّحظة نفسها نحو احْتمال لا يضمن النّجاة؟ لا تفسر الإشاعة وحدها هذا الحَشد. تحتاج الشرارة إلى أرض جافة، ويجمع الواقع حطبها من البطالة والإحباط والتفاوت والشعور بانسداد الأفق. وحين يرى آلاف الشّباب في البحر طريقًا أقرب من مؤسسات وطنهم، لا يكفي تشديد الحراسة؛ تحتاج الدولة إلى إعادة بناء الثقة، وتوسيع فرص العمل، وفتح مسارات حقيقية للصعود الاجتماعي، ومواجهة الصور الوهمية التي تبيعها المنصات عن الهجرة. هكذا تقرأ أحداث يوليوز قصيدة المجاطي من زاوية لم يعرفها زمَنُه. رأى الشاعر سبتة أسيرة تنتظر فارسًا يأتيها على صهوة الغيم والضيم. ورأى شباب 2026 أنفسهم أسرى ينتظرون من المدينة أن تفتح لهم طريقًا.

من صهوة الغيم إلى حافة الغرق

تظل قصيدة المرحوم أحمد المجاطي مُدهشة لأنها منحت المدينة عيْنين وذاكرة وجرحًا. وتظل الأحداث مُفزعة لأنها منحت استعاراتها أجسادًا حقيقية. صار «مذبح النهر» شاطئًا، وصار «مصرع الكبرياء» شابًا يعود حافيًا، وصار «الشوق والثكل» أُمًّا تحمل صورة ابنها، وصار «العبور والقبور» خبرًا يوميًا. كتب المجاطي سبتة جرحًا في الأرض، وكشفت الهجرة جرحًا في الإنسان. يبدأ الحَلُّ حين يجدُ الشباب في وطنهم إمكانًا للحَياة لا يمرّ عبرَ الغَرق، وحين يشعُرون أنّ الكرامة لا تنتظرهم خلف سِياج، وأن المستقبل لا يحتاجُ إلى جَواز مُرور من البحر؛ عندها فقط يعود النهر إلى وظيفته: يَصِلُ الإنسان بوَطنه، ويصلُ الحُلم بالفُرصة، ويصلُ الكرامة بالحَياة. أمَّا قبل ذلك، فستظلُّ سبتة أكثر من مدينة يَدورُ حَولها نِزاعٌ؛ ستظلُّ مرآة تسألُ المغرب سؤالًا لا يستطيعُ تأجيلهُ: كيفَ يهْرَعُ أبناؤُه إلى جُرحِه، وهُمْ يَرْجُون النَّجاةَ مِن جِرَاحِهِمْ؟!

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق