عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم أيقونة الصبر - بوابة المدينة برس
احتضنت الأرض جذورها طويلًا، حتى لم يبق من بساتينها القديمة إلا أطلالا تروي سيرة زمن مضى. جدوع متناثرة هنا وهناك، تحولت إلى وقود للحمامات التقليدية، تتراقص فوق القرية باعمدتها الدخانية فترسم لوحاتٍ ساحرة سرعان ما تتلاشى في الأفق. أما ما بقي من أشجارها، فكان يتابع في صمتٍ مؤلم مصير أخواته، يطلق زفرات الحسرة على من سقط بالأمس، وينتظر دوره في طابور الفناء.
قاومت التين الشوكية قسوة الأيام، وظلت متشبثة بهضبة لم تعد سوى مطرح للنفايات. أنهكها المرض، لكنها لم تنحنِ. ترعرعت في مكان منسي، تحيط به بساتين وارفة، تتعالى أشجارها الباسقة عليها، وكأنها تزدرِيها وتستصغر شأنها.
وفي المقابل، هاجرت أخواتها إلى الضيعات العصرية؛ هناك وجدت عناية فائقة، يشرف عليها تقنيو الفلاحة، وتسقى بأحدث وسائل الري، وتعالج بأجود الأدوية. وما هي إلا سنوات حتى أصبحت التين الشوكية من أفخر الفواكه، تتصدر رفوف المتاجر الكبرى، وتباع في الأسواق الراقية، بعدما كانت في متناول الجميع. أما القرى، فلم يعد نصيبها منها إلا ذكريات الماضي…
وبين الأشواك، ظلت شجرة وحيدة تختبئ عن الأنظار، كأنها فارّة من حكم بالإعدام، رافضة أن تغادر موطنها.
وفي أحد الأيام، خاطبتها شجرة سدر كانت هي الأخرى تقاوم أكوام الأزبال، وقالت «لماذا بقيت هنا، بينما تنعم أخواتك في الضيعات؟”
ابتسمت التين الشوكية وأجابت «راودتني فكرة الرحيل غير مرة، لكنني كلما هممت بذلك تذكرت أيادي أهل القرية وهي تسقي جذوري، وتذكرت الفؤوس التي كانت تشق الأرض حولي لتحتفظ لي بالحياة. ما نسيت الأطفال الذين كانوا يقبلون كل صباح يحملون “قراريصهم”، ينتظرون نضج ثماري لتكون وجبتهم الشهية، ولا نسيت النساء الحوامل في أيام الوحم، ولا الرجال الذين كانوا يجدون في ثماري قوتًا يسد الرمق. كيف أتركهم اليوم ليبحثوا عني في الأسواق الكبرى بأثمان يعجز كثير منهم عن دفعها؟”
قالت شجرة السدر اعجابا ” ما أعظم هذا الوفاء “.
ثم أضافت “الآن فهمت لماذا لقبتِ بالصبار؛ فما كان صبرك عبثًا. بالأمس كانوا يزهدون فيك، واليوم يتنافسون عليك، وتزينين رفوف المتاجر كالأميرات، وتجلبين العملة الصعبة إلى البلاد”.
تبسمت التين الشوكية وقالت «حتى الأشواك التي يراها الناس قسوة، لم تكن إلا حجابًا يحفظني ممن يريد قطفي بلا عناء. فمن أراد الوصول إليَّ، فعليه أن يعاملني برفق، وإلا وخزته أشواكي. ولكل نعمة بروتوكولها، كما أن للتلذذ بثماري صبرًا ومهارة”.
ومرت الأعوام، حتى غدت التين الشوكية رمزًا للصبر والنجاح. أصبحت تدخل في صناعة المربى، وزيوت التجميل، ومستحضرات العناية بالبشرة، وبدأت تفتح لنفسها أبواب أسواق جديدة.
وقفت تنظر إلى الفواكه المصطفة بجوارها على الرفوف وقالت في هدوء” لم أصل إلى هنا صدفة، بل بالصبر. واليوم أزاحم كبار الفواكه، وغدًا سأقتحم عالم الفواكه المجففة ومشتقاتها. أما الذين يزعمون أنني تنكرت للفقراء، فهم لا يعرفون الحقيقة. لم أتنكر لهم يومًا، وإنما أردت أن أستعيد بعضًا من الاعتبار الذي حُرمت منه طويلًا. فإذا استعدته، عدت كما كنت دائمًا ثمرةً للجميع، لا تميز بين غني وفقير”.
هزت شجرة السدر أغصانها، وقالت وهي تنظر إلى الهضبة المهملة” حقًا… ما ناله الصابرون لا تناله العجول. فمن عرف قيمة الأرض، وصبر على قسوتها، أثمرت أيامه عزًا بعد طول انتظار…”








0 تعليق