تدقيق حسابات الأحزاب يعزز حكامة المال السياسي قبل "انتخابات 23 شتنبر" - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم تدقيق حسابات الأحزاب يعزز حكامة المال السياسي قبل "انتخابات 23 شتنبر" - بوابة المدينة برس

تتجه المملكة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة خلال شهر شتنبر المقبل، إلى تعزيز آليات الحكامة المالية داخل الأحزاب السياسية، في سياق يتسم بتزايد الرهانات المرتبطة بتخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة قبيل الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026.

وفي هذا الإطار، دخل حيز التنفيذ القرار المشترك لوزير الداخلية ووزير الاقتصاد والمالية، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 16 يوليوز 2026، والمتعلق بـ”دليل تحديد معايير التدقيق القانوني والتعاقدي للحسابات السنوية للأحزاب السياسية”، الذي يعتبره باحثون خطوة متقدمة في تطوير منظومة الرقابة على المال الحزبي.

ويرى الباحث في العلوم السياسية محمد شهبي أن هذا الدليل لا يمثل مجرد وثيقة تقنية موجهة للخبراء المحاسبين، بل يؤسس لمرحلة جديدة في تدبير التمويل الحزبي، عبر الانتقال من التدقيق المحاسبي التقليدي إلى مقاربة أكثر شمولية تقوم على التدقيق القانوني والتعاقدي، بما يعزز الشفافية ويكرس الحكامة المالية داخل التنظيمات السياسية.

فلسفة جديدة لتدقيق الحسابات الحزبية

وأوضح الباحث أن الفلسفة التي يقوم عليها الدليل الجديد تعكس وعيا متزايدا بأن المخاطر المرتبطة بالمال الحزبي لا تقتصر على الأخطاء المحاسبية أو سلامة القيود المالية، وإنما تمتد إلى مدى قانونية مصادر التمويل، ومشروعية العقود، واحترام الضوابط القانونية المنظمة لاستعمال الموارد المالية، وخاصة الدعم العمومي الذي تستفيد منه الأحزاب.

وأضاف أن الدليل يوسع نطاق مهمة الخبير المحاسب، فلا تقتصر على فحص الحسابات والتأكد من مطابقتها للمعايير المحاسبية، وإنما تشمل أيضا التحقق من سلامة العقود المبرمة مع الأطراف المختلفة، ومدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية، والتأكد من أن الأموال العمومية تصرف في الأغراض التي يحددها القانون.

وفي هذا السياق، اعتبر الباحث أن الخبير المحاسب يضطلع، بموجب هذه المقاربة الجديدة، بدور رقابي أكثر اتساعا، من خلال التحقق من مشروعية العمليات المالية، ومراقبة العقود والالتزامات، والتأكد من عدم توجيه الدعم العمومي إلى استعمالات أو أنشطة خارج الإطار القانوني، بما يسهم في الحد من أي توظيف غير مشروع للمال الحزبي، خاصة في الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية.

وأشار إلى أن هذا التحول يعكس انتقالا من مجرد الرقابة المحاسبية إلى رقابة قانونية ومؤسساتية شاملة، تجعل الحكامة المالية جزءا أساسيا من تقييم أداء الأحزاب السياسية.

استقلالية الخبراء وآليات رقابية أكثر صرامة

ومن أبرز المستجدات التي توقف عندها الباحث، تشديد الدليل على استقلالية الخبير المحاسب، من خلال وضع شروط دقيقة تمنع تعيين أي خبير تربطه علاقة مهنية أو استشارية أو مالية بالحزب، أو تجمعه مصالح مباشرة أو غير مباشرة بمسؤوليه، بما يضمن حياد عملية التدقيق واستقلالية الرأي المهني.

كما ينص الدليل على ألا تتجاوز مدة انتداب الخبير ست سنوات متتالية، وهو ما اعتبره الباحث آلية تهدف إلى تجديد عملية الافتحاص، ومنع احتكار هذه المهمة داخل الحزب الواحد، بما يعزز الموضوعية ويكرس استقلالية المراقبة.

وأضاف أن الدليل أقر كذلك منظومة تقريرية جديدة، تقوم على إعداد ثلاثة تقارير مستقلة بدل تقرير واحد كما كان معمولا به سابقا، يتعلق أولها بالمصادقة على الحسابات السنوية، بينما يرصد الثاني نتائج التدقيق والمخالفات والاختلالات الجوهرية التي تم الوقوف عليها، في حين يخصص التقرير الثالث لتقييم نظام المراقبة الداخلية داخل الحزب، وقياس مدى فعالية آليات الرقابة المالية والإدارية، مع تقديم توصيات عملية لمعالجة مكامن الضعف.

ويرى الباحث أن اعتماد هذه المنهجية سيدفع الأحزاب إلى تجاوز منطق الدفاع عن صحة الأرقام والبيانات المالية، نحو تقييم شامل لمنظومة الحكامة الداخلية، بما يساهم في تحسين أساليب التدبير وتعزيز ثقافة المساءلة داخل التنظيمات السياسية.

حكامة التمويل ورهانات الاستحقاقات الانتخابية

واعتبر محمد شهبي أن أهمية هذا الدليل تتضاعف مع اقتراب الانتخابات المقبلة، بالنظر إلى دوره في الحد من مخاطر توظيف المال العمومي في أنشطة أو حملات انتخابية خارج الأطر القانونية، وضمان احترام قواعد المنافسة السياسية وتكافؤ الفرص بين مختلف الأحزاب.

وأضاف أن اعتماد معايير جديدة للتدقيق القانوني والتعاقدي سيمكن السلطات والمؤسسات الرقابية من تقييم مدى نجاعة تدبير الأحزاب للدعم العمومي، ليس فقط من خلال سلامة الحسابات، وإنما أيضا من زاوية جودة الحكامة واحترام قواعد التدبير الرشيد، بما يوفر مؤشرات أكثر دقة حول مدى استحقاق الأحزاب للدعم العمومي.

وأشار الباحث إلى أن الدليل يكتسي أهمية خاصة في ظل النقاش المتواصل حول فعالية التمويل العمومي للأحزاب، إذ يوفر أدوات موضوعية لقياس النجاعة التدبيرية، ويعزز قدرة المؤسسات الرقابية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات، على تقييم كيفية تدبير الموارد المالية المخصصة للعمل الحزبي.

وأضاف أن المواطن أصبح اليوم أكثر ارتباطا بمسألة الشفافية المالية، ولم يعد يفصل بين السلوك السياسي والسلوك المالي، الأمر الذي يجعل احترام قواعد الحكامة والتدبير الرشيد عاملا أساسيا في تعزيز الثقة في الأحزاب ومؤسسات الوساطة السياسية.

وخلص الباحث إلى أن “دليل تحديد معايير التدقيق القانوني والتعاقدي للحسابات السنوية للأحزاب السياسية” يتجاوز كونه وثيقة تقنية موجهة إلى الخبراء المحاسبين، ليؤسس لما وصفه بـ”عقد مالي جديد” بين الدولة والأحزاب والمواطنين، يقوم على الشفافية والمساءلة وحسن تدبير الموارد العمومية.

وأكد أن نجاح هذه المنظومة سيظل رهينا بحسن تنزيل مقتضياتها، واحترام مختلف الفاعلين لروحها وأهدافها، معتبرا أن نزاهة الانتخابات لا ترتبط فقط بضمان حرية التنافس السياسي، وإنما تبدأ أيضا من شفافية التمويل، وسلامة تدبير الموارد، ووجود آليات رقابية مستقلة وفعالة تعزز الثقة في الممارسة الديمقراطية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق