عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سيكولوجيا "الحرّاڭة" - بوابة المدينة برس
حين يضيق الأفق ويتّسع البحر في سيكولوجيا “الحرّاڭة”
ما الذي يدفع شاباً في مقتبل العمر إلى أن يرى في البحر، على اتساع أخطاره، طريقاً أضيق ضرراً من البقاء؟ وكيف يتحول الحد الفاصل بين مدينتين متجاورتين إلى حدّ نفسي بين حياة تُعاش وحياة تُتخيَّل؟ ولماذا يندفع المئات ثم الآلاف في لحظة واحدة، كأن قرار العبور لم يعد قراراً فردياً، بل صار موجة وجدانية تتسع كلما شاهدها الآخرون؟ وهل يبحث «الحراك» عن عمل فقط، أم يبحث أيضاً عن اعتراف وكرامة وهوية ومكان يشعر فيه بأن وجوده مرئي؟
كيف نفهم شاباً يعرف أن الطريق محفوف بالخطر، ثم يقدّر أن الخطر المحتمل في الحركة أهون من اليقين الثقيل في الانتظار؟ أيكون الأمر جهلاً بالعواقب، أم أن العواقب تفقد وزنها حين ينهار الإحساس بالمستقبل؟ وأي معنى للأمن حين يشعر المرء بأن الزمن نفسه لا يؤمّنه، وأن السنوات تمر من غير أن تفتح له باباً معقولاً إلى الاستقلال والعمل وتكوين الذات؟
ثم ماذا تقول الصور الأخيرة القادمة من المجال الممتد بين تطوان والفنيدق وسبتة عن شباب اليوم؟ أتقول إنهم مولعون بالمغامرة، أم إنها تكشف أن المجتمع لم يعد يقنعهم بأن الصبر يقود بالضرورة إلى نتيجة؟ وهل تكفي الحواجز والدوريات والبلاغات لوقف اندفاع نفسي صارت تغذيه الشاشات الصغيرة، وشهادات الناجحين، والإشاعات الرقمية، والمقارنات اليومية مع حياة الآخرين؟ أم يتطلب الأمر أن نسأل قبل كل شيء: ما الذي انكسر داخل هؤلاء حتى صار البحر وعداً؟
الحدث بوصفه مرآة نفسية
لا ينبغي أن تُقرأ محاولات العبور الجماعي الأخيرة باعتبارها واقعة حدودية عابرة فحسب. فقد كشفت، في شدتها واتساعها وطابعها المفاجئ، عن تراكم نفسي طويل سبق اللحظة التي تحركت فيها الأجساد نحو البحر والسياج. لا تولد الموجات البشرية الضخمة من فراغ، ولا يصنعها منشور واحد مهما بلغت قوته. تلتقط الإشاعة الرقمية استعداداً كامناً وتوقظ أملاً يائساً، وتمنح الرغبة القديمة موعداً يبدو قابلاً للتنفيذ. لذلك لا يبدأ التحليل النفسي من سؤال: من حرّض؟ بل من سؤال أعمق: لماذا وجد التحريض كل هذه القابلية؟
أظهرت التغطيات الدولية للوقائع التي شهدتها سبتة في أواخر يوليو ز وبداية غشت أن مقاطع متداولة على شبكات التواصل، وفهماً مضللاً لقرار قضائي إسباني ( 2026)، وتصوراً بأن نافذة استثنائية قد فُتحت أمام العابرين، ساهمت في تحويل الرغبة إلى اندفاع جماعي، غير أن هذه العناصر المباشرة لا تفسر وحدها حجم الاستجابة. فالمعلومة الكاذبة لا تحشد عشرات الآلاف إلا حين تلتقي حاجة حقيقية إلى تصديقها؛ وحين يبدو الخبر، مهما كان ضعيفاً، أكثر انسجاماً مع الرغبة من الوقائع التي تنفيه. هنا يدخل العقل في ما يسميه علم النفس «الاستدلال المدفوع بالرغبة»: لا يختار الإنسان دائماً ما هو أصدق بل قد يختار ما يسمح له بمواصلة الأمل.
لا يعني هذا أن «الحراكة» يعانون اضطراباً نفسياً، ولا أن رغبتهم في الهجرة مرض. فالهجرة اختيار إنساني مشروع حين تتوافر شروطه القانونية والأمنية، وقد تكون استراتيجية عقلانية لتحسين الدراسة والعمل والحياة. لكن التحليل يصبح ضرورياً حين يتحول الأمل إلى مخاطرة جماعية قصوى، وحين تضيق بدائل الفعل حتى لا يبقى في المخيال سوى خيارين: عبور مفاجئ أو انتظار بلا نهاية. عندئذ لا نكون أمام قرار اقتصادي خالص، بل أمام بنية نفسية تتشابك فيها صورة الذات، والثقة بالمؤسسات، وإدراك القدرة الشخصية وضغط الأقران، وقلق المستقبل.
تقتضي القراءة المنصفة أيضاً ألا نحول كلمة «الحراكة» إلى هوية ثابتة. فالكلمة الشعبية تصف فعلاً أو وضعاً، لكنها قد تبتلع الشخص كله إذا استُعملت باستخفاف. وراءها طالب انقطع، وعامل لم يعد أجره يكفي، وخريج طال انتظاره، وقاصر يبحث عن صورة سريعة للبطولة، وأب أو أم يثقل عليهما الإحساس بالعجز. تختلف الدوافع والقصص، لكن يجمع بينها شعور بأن الزمن المحلي لا يتحرك بالسرعة المطلوبة بينما تعرض الشاشة زمناً آخر سريعاً، لامعاً، ومتاحاً ظاهرياً.
من الخوف من البحر إلى الخوف من البقاء
يُفترض أن يردع الخطر الإنسان عن الاقتراب منه. غير أن علم النفس يبيّن أن تقدير المخاطر لا يجري في فراغ، بل بالمقارنة مع مخاطر أخرى ومع درجة الإحساس بالسيطرة. حين يبدو البقاء آمناً جسدياً لكنه خانق نفسياً واقتصادياً، قد يعاد ترتيب سلم المخاطر: يصبح البحر خطراً محدداً ومؤقتاً، بينما يبدو الانتظار خطراً مبهماً وممتداً. ومن هنا ينشأ التحول الأخطر: لا يختفي الخوف من البحر، لكنه يفقد مكانه الأول لصالح خوف أكبر من ضياع العمر.
يتغذى هذا التحول من خبرة يومية تتكرر بصور متعددة: امتحان لا يقود إلى فرصة شهادة لا تفتح باباً، تدريب ينتهي بلا إدماج، عمل هش لا يسمح بالاستقلال، ووعود عامة لا يلمس الشاب أثرها في حياته القريبة. لا يحتاج الفرد إلى أن يكون معدماً كي يشعر بالانسداد؛ يكفي أن تتسع المسافة بين ما يتوقعه لنفسه وما يراه ممكناً. لذلك تفسر المقاربة النفسية الهجرة غير النظامية من خلال «الفجوة المدركة» لا من خلال الدخل وحده. فقد يمتلك الشاب هاتفاً وتعليماً وعلاقات، لكنه يشعر أن قدرته على تحويل هذه الموارد إلى حياة مستقلة ضعيفة.
تكشف أرقام المندوبية السامية للتخطيط عمق هذا السياق. فقد بلغ معدل البطالة لدى الفئة بين 15 و24 سنة 37.2 في المائة خلال سنة 2025، وظلت البطالة مرتفعة كذلك بين حاملي الشهادات. كما أظهر تقرير حديث حول الشباب غير الموجودين في العمل أو التعليم أو التدريب أن نحو شاب من كل ثلاثة بين 15 و29 سنة يوجد خارج هذه المسارات، وأن 2.9 مليون شاب كانوا، وفق قاعدة التقرير، على هامش منظومتي التعليم وسوق العمل. لا تتحول هذه الأرقام آلياً إلى رغبة في العبور، لكنها ترسم البيئة التي يتكون فيها الإحساس بأن الطريق الطبيعي إلى الرشد والاستقلال قد تعطّل.
يبدأ القلق حين لا يستطيع الشاب أن يجيب عن الأسئلة الزمنية البسيطة: أين سأكون بعد عام؟ هل يمكنني أن أبني مشروعاً؟ هل يتناسب جهدي مع النتيجة؟ لا يتعلق قلق المستقبل بالخوف من حدث بعينه، بل بعجز المخيلة عن رسم مسار قابل للتصديق. وقد يواصل الفرد دراسته أو عمله، لكنه يفعل ذلك من غير يقين بأن التراكم سيصنع فرقاً. عندئذ يتحول المستقبل من مساحة وعد إلى مساحة تهديد، ويبدأ الحاضر نفسه في فقدان المعنى.
لا يقال هنا إن كل شاب عاطل يرغب في الهجرة، ولا إن كل راغب في الهجرة يائس. إنما يقال إن الخطر يصبح أكثر قبولاً عندما يشعر الإنسان أن البدائل المعروضة عليه لا تنتمي إلى المستقبل الذي يراه لائقاً به. ولهذا لا تكفي رسائل التخويف من البحر؛ فهي تذكّر بخطر يعرفه كثيرون أصلاً. يحتاج الرد النفسي إلى إعادة بناء معنى البقاء بوصفه فعلاً له أفق، لا عقوبة زمنية مفتوحة .
قلق المستقبل: حين يعجز الزمن عن تقديم وعد
يشكل المستقبل في مرحلة الشباب عنصراً مركزياً في بناء الهوية. لا يكتفي الشاب بأن يكون موجوداً؛ بل يحتاج إلى أن يرى نفسه في صورة لاحقة: عاملاً أو مهنياً أو باحثاً أو فناناً أو رب أسرة أو مواطناً مستقلاً. تسمح هذه الصورة المؤجلة بتحمل مشقة الحاضر، لأن التعب يكتسب معنى حين يرتبط بهدف ممكن. أما حين تبهت الصورة، فإن الزمن يتحول إلى تكرار، ويصبح اليوم شبيهاً بالأمس من دون أن يحمل بذرة الغد .
أظهرت دراسات نفسية طولية أن نمو التوجه نحو المستقبل يرتبط بانخفاض أسرع في مشاعر انعدام الأمل لدى المراهقين. كما بيّنت أبحاث أخرى أن ضعف النظرة الإيجابية إلى المستقبل، مقترناً بالاندفاع وحب الإثارة، يرتبط بارتفاع السلوكيات الخطرة وبانخفاض تقدير الخطر. لا تسمح هذه النتائج بإسقاط تشخيص فردي على المشاركين في محاولات العبور، لكنها تمنحنا عدسة تفسيرية: كلما قصر الأفق الزمني ازدادت جاذبية المكافأة الفورية، حتى إذا كانت محفوفة باحتمالات مؤلمة .
يعني قصر الأفق الزمني أن القرار لا يعود موزعاً بين اليوم والغد، بل ينحاز إلى اللحظة.يقول العقل تحت الضغط: قد لا تتكرر الفرصة؛ الجميع يتحرك؛ التأخر يعني الندم؛ الوصول المحتمل أفضل من الانتظار المؤكد. وتعمل هذه العبارات كاختصارات معرفية تقلل مساحة التفكير الهادئ. لا يحسب الفرد الاحتمالات بالطريقة نفسها التي يحسبها وهو في بيت آمن، بل يحسبها داخل حشد متوتر، وتحت تدفق صور ورسائل، ومع شعور بأن الزمن ينفد .
يُضاف إلى ذلك أن المستقبل لم يعد يُبنى في الخيال الشبابي من التجربة المحلية فقط. تصنع المنصات الرقمية معرضاً دائماً للحيوات الممكنة: شاب في مدينة أوروبية، سيارة مستعملة تبدو رمزاً للنجاح، عمل موسمي يظهر بلا مشقته، شقة صغيرة تُعرض بوصفها استقلالاً كاملاً. لا تكذب كل الصور، لكن بنيتها انتقائية؛ تعرض لحظة الوصول أكثر مما تعرض سنوات الانتظار، وتظهر الاستهلاك أكثر مما تظهر الوحدة والتمييز والهشاشة القانونية. وهكذا تتكون مقارنة غير متكافئة بين يوم محلي كامل، بكل صعوباته، ولقطة أجنبية منتقاة بعناية .
من هنا يصبح قلق المستقبل أزمة تمثيل بقدر ما هو أزمة فرص. يحتاج الشاب إلى مسار يمكن أن يراه ويفهم مراحله، لا إلى خطاب عام عن أن المستقبل أفضل. فالأمل النفسي لا يقوم على التفاؤل المجرد، بل على اقتران هدف ذي قيمة بمسالك محسوسة وبإحساس بالقدرة على السير فيها. وعندما يغيب أحد هذه العناصر، يتحول الأمل إلى أمنية، ثم تتحول الأمنية إلى بحث محموم عن منفذ استثنائي.
العجز المكتسب وتآكل الإحساس بالقدرة
يقدم مفهوم «العجز المكتسب» إطاراً مفيداً، بشرط استعماله بحذر. لا يعني المفهوم أن الشباب عاجزون في حقيقتهم، بل يصف ما يمكن أن يحدث عندما تتكرر خبرات يشعر فيها الشخص بأن جهده لا يغير النتيجة. يدرس، ثم لا يجد منفذاً؛ يتقدم، ثم لا يتلقى جواباً؛ يحاول مشروعاً صغيراً، ثم تصطدم المبادرة بإجراءات أو تمويل أو سوق مغلقة؛ يطلب الاعتراف، ثم يسمع أن عليه فقط أن يصبر. مع التكرار قد يتعلم الجهاز النفسي أن الفعل ضعيف الجدوى .
راجعت أبحاث حديثة في علم الأعصاب النظرية القديمة للعجز المكتسب، وبيّنت أن السلبية أمام الظروف المؤذية قد تكون استجابة أولية، وأن ما يحتاج إلى التعلم فعلاً هو الإحساس بالسيطرة. تهمنا هذه المراجعة لأنها تنقل السؤال من لوم الشاب على استسلامه إلى سؤال المجتمع عن الفرص التي تعلّمه أن فعله يحدث فرقاً. يتكون الإحساس بالقدرة من نجاحات صغيرة متتابعة: إنجاز دراسي يعترف به، تدريب يفضي إلى عمل، مؤسسة تستجيب، مشروع يتقدم، ومشاركة مدنية تترك أثراً .
يقابل ذلك مفهوم «الفاعلية الذاتية» عند ألبرت باندورا، أي اعتقاد الفرد بأنه قادر على تنظيم أفعاله وتنفيذ ما يلزم للوصول إلى نتيجة. لا تعني الفاعلية الذاتية الثقة الخطابية بالنفس، بل خبرة عملية بأن المهارات والجهد يغيران الواقع. حين تضعف هذه الخبرة، يبحث الفرد عن حل لا يتطلب تغيير البيئة خطوة خطوة، بل مغادرتها دفعة واحدة. لذلك قد يبدو العبور غير النظامي، على تناقضه، استعادة للسيطرة: أخيراً أتخذ قراراً كبيراً بنفسي وأتحرك بدلاً من أن أبقى موضوعاً لقرارات الآخرين .
تفسر هذه المفارقة لماذا يحمل الفعل الخطر أحياناً معنى نفسياً إيجابياً لدى صاحبه . فهو لا يراه تهوراً فقط، بل يراه مبادرة وشجاعة وقطعاً مع العجز. ويزداد هذا المعنى قوة حين تمنح الجماعة العابرة لقب البطولة لمن جرّب، حتى إن عاد. هنا ينبغي ألا يواجه الخطاب العام الفعل بإهانة أصحابه؛ لأن الإهانة تعزز حاجتهم إلى إثبات الذات. الأجدى أن يفصل المجتمع بين تقدير شجاعة الشاب ورفض تعريض حياته للخطر، ثم يفتح أمام طاقته مجالات آمنة ومجدية .
إن ترميم الإحساس بالقدرة لا يتحقق بحصص تحفيزية عابرة. يتحقق حين تلتزم المؤسسات بمواعيد واضحة، وتبسط المسارات، وتوفر فرصاً يمكن التحقق منها، وتنشر قصص نجاح محلية صادقة لا دعائية، وتتيح للشباب دوراً في تصميم البرامج التي تخصهم . فالرسالة النفسية الأقوى ليست: ثق بنفسك؛ بل: سنبني معك بيئة تجعل ثقتك قابلة للتحول إلى أثر .
الحرمان النسبي: لماذا تؤلم المقارنة أكثر من الفقر؟
لا يشعر الإنسان بالحرمان انطلاقاً من مقدار ما يملك فقط، بل انطلاقاً من المسافة بين ما يملكه وما يعتقد أنه يستحقه أو يستطيع بلوغه. يسمى هذا في علم النفس الاجتماعي «الحرمان النسبي». قد يتحسن دخل أسرة بقدر محدود، لكن شعور الشاب بالتأخر يزداد إذا اتسعت أمامه صور الاستهلاك والنجاح السريع. وقد لا يقارن نفسه بأغنى الناس، بل بزميل درس معه ثم هاجر، أو بقريب عاد في الصيف أو بصانع محتوى يشبهه في العمر واللغة .
تجعل الجغرافيا هذه المقارنة حادة في شمال المغرب. فسبتة ليست قارة بعيدة في المخيال؛ تبدو قريبة بصرياً ومكانياً، ويستطيع بعض الشباب أن يشاهدوا أضواءها أو يسمعوا أخبارها اليومية. تنتج هذه القربى مفارقة نفسية: المسافة المكانية قصيرة، لكن المسافة القانونية والاقتصادية والاجتماعية شديدة الاتساع. وكلما بدا الفاصل أصغر في المكان، بدا المنع أكبر في الوعي. يتحول السياج من أداة حدودية إلى رمز لاختلاف الحظوظ .
تؤكد بيانات الباروميتر العربي أن 35 في المائة من المغاربة الذين شملهم مسح 2023- عبروا عن رغبة في الهجرة، وأن العوامل الاقتصادية تصدرت الأسباب. والأهم أن أكثر من نصف الراغبين في الهجرة سنة 2004، قالوا إنهم قد يفكرون في المغادرة من دون وثائق رسمية . لا تعني النسبة أن هؤلاء سيتحولون إلى مهاجرين غير نظاميين، لكنها تكشف اتساع القبول النفسي للفكرة. عندما تنتقل المخالفة من دائرة المستحيل الأخلاقي إلى دائرة الخيار المحتمل، تصبح الإشاعة والفرصة الجماعية أكثر قدرة على تحويل النية إلى سلوك.
تعمل المقارنة الرقمية كذلك على تشويه العلاقة بالزمن. يرى الشاب نتيجة رحلة غيره ولا يرى المراحل التي سبقتها ولا الكلفة التي تلتها. يقرأ النجاح كأنه انتقال فوري من ضفة إلى أخرى. ويزداد الإحساس بالظلم حين يعتقد أن الجهد المحلي لا يُكافأ، بينما يكفي العبور لفتح كل الأبواب. لا يهم هنا أن الاعتقاد دقيق أو غير دقيق؛ المهم أنه ينظم المشاعر والقرارات .
لذلك ينبغي أن تجمع السياسة الوقائية بين تقليص الفوارق الواقعية وتصحيح المقارنات المضللة لا يكفي نشر صور المعاناة في طرق الهجرة، لأن الصور الصادمة قد تفقد أثرها بالتكرار، وقد يفسرها بعض الشباب بوصفها ثمناً ضرورياً للنجاح. يلزم تقديم معلومات كاملة عن مسارات الهجرة والعمل والدراسة، وإظهار تجارب متنوعة تشمل النجاح والتعثر، مع بناء بدائل محلية تمنح المقارنة اتجاهاً جديداً: أن يرى الشاب شخصاً يشبهه نجح بالقرب منه، لا أن تظل كل صور النجاح آتية من وراء الحدود .
من القرار الفردي إلى الاندفاع الجماعي
يختلف الإنسان وهو منفرد عن الإنسان داخل جماعة متحركة. لا تلغي الجماعة العقل لكنها تعيد توزيع الانتباه والمسؤولية والانفعال. حين يرى الشاب أعداداً كبيرة تتجه نحو نقطة واحدة، يستنتج أن الآخرين يملكون معلومة قد لا يملكها، وأن كثرة المشاركين دليل على إمكان النجاح. يسمى هذا «البرهان الاجتماعي»: نستخدم سلوك الآخرين دليلاً حين تكون الظروف غامضة. ومع ارتفاع العدد، ينخفض الشعور بأن القرار استثنائي أو شاذ .
تظهر التجارب النفسية أن وجود الأقران يزيد لدى المراهقين حساسية المكافأة الفورية وقد يرفع الميل إلى المخاطرة حتى من دون ضغط صريح. وفي دراسة تصوير عصبي معروفة زاد نشاط دوائر المكافأة لدى المراهقين عندما عرفوا أن أصدقاءهم يشاهدون قراراتهم، وارتبط ذلك بزيادة المخاطرة. كما بيّنت دراسات أخرى أن النصيحة الصادرة عن الأقران تستطيع دفع السلوك في اتجاه أكثر خطراً أو أكثر أماناًبحسب المعيار الذي تنقله الجماعة. هذه الملاحظة مهمة: الجماعة ليست قوة سلبية بالضرورة؛ يمكن تحويل تأثيرها نفسه إلى حماية .
في محاولات العبور الجماعي، تتعزز المخاطرة عبر حلقات متتالية. يبدأ عدد محدود بالتحرك، ثم تنتشر المقاطع، فيتضاعف الحضور، فيبدو النجاح أكثر احتمالاً، فتزداد المشاركات والمنشورات، ثم يتحول التردد إلى خوف من تفويت الفرصة. لا يحتاج كل فرد إلى اقتناع كامل؛ يكفي أن يعتقد أن الآخرين مقتنعون. ويصبح السؤال الداخلي: ماذا لو نجحوا وبقيت أنا؟ أقوى من السؤال: ماذا لو كان الخبر كاذباً؟
يحدث أيضاً نوع من توزيع المسؤولية. فالقرار الذي كان سيبدو ثقيلاً لو اتخذه الشخص وحده يصبح أخف حين يتقاسمه آلاف. يقول لنفسه: لست الوحيد، ولا يمكن أن يكون الجميع مخطئاً. وقد تمنح الكتلة إحساساً زائفاً بالأمان: كثرة الأجساد تبدو حماية، مع أنها قد تزيد الفوضى وصعوبة الإنقاذ. لذلك يجب أن تركز رسائل الوقاية على استعادة القرار الفردي من الحشد: ماذا تعرف أنت؟ ما مصدر المعلومة؟ هل يوافق قرارك أهدافك الطويلة؟ من سيتحمل النتيجة معك؟
يمكن توظيف الأقران في الاتجاه المضاد عبر شبكات سفراء شباب، ومؤثرين محليين موثوقين وعائدين يتحدثون بصدق من غير تخويف مسرحي، وفرق استجابة رقمية سريعة تفكك الإشاعات بلغة الشباب. فالمعلومة الرسمية البطيئة لا تنافس مقطعاً عاطفياً قصيراً إلا إذا دخلت المجال نفسه بسرعة ووضوح، وقدمت بديلاً معرفياً لا مجرد نفي .
الشاشة بوصفها ممراً نفسياً قبل الحدود
قبل أن يصل الجسد إلى البحر، تعبر المخيلة مرات كثيرة عبر الشاشة. تشكل المنصات الرقمية اليوم بنية أساسية في صناعة التوقعات، لأنها لا تنقل الخبر فقط، بل تنظم الانتباه والانفعال. تفضل الخوارزميات المحتوى الذي يثير الدهشة والخوف والأمل، وتكرر ما يشاهده المستخدم، فتمنحه انطباعاً بأن الظاهرة أكثر انتشاراً وثباتاً مما قد تكون عليه. إذا شاهد الشاب عشرات المقاطع لعبور ناجح، قد يقدّر احتمال النجاح انطلاقاً من سهولة استحضار هذه الصور لا من المعطيات الكاملة .
تظهر خطورة الإشاعة حين تكون مصممة لتلبية رغبة قائمة. فقد أشارت التغطيات الصحفية للأحداث الأخيرة إلى انتشار فهم خاطئ لحكم قضائي إسباني، بحيث اعتقد بعض المتلقين أن الوصول بحراً يعني استحالة الإعادة. جرى اختزال نص قانوني معقد في وعد بسيط: ادخل وستبقى. يربح الوعد البسيط أمام التفسير القانوني الطويل، خصوصاً في ظرف يتطلب قراراً سريعاً. وهنا لا يكفي وصف المتلقين بالسذاجة؛ فالتضليل يستغل آليات إنسانية عامة، منها الانحياز للمعلومة الموافقة للرغبة، وتأثير التكرار، والثقة بشهادة شخص يبدو قريباً من التجربة .
تمنح البثوث المباشرة كذلك إحساساً بالمشاركة. لا يشاهد المستخدم حدثاً بعيداً، بل يشعر أن الباب مفتوح الآن وأن الآخرين ينتظرونه. تضغط عبارة «الآن أو أبداً» على القدرة على التأجيل، ويزداد الضغط حين تصل الرسائل من الأصدقاء والأقارب. في هذه اللحظة تتحول المنصة من وسيلة اتصال إلى فضاء تعبئة نفسية، وتصبح السرعة جزءاً من مضمون الرسالة .
يحتاج المجتمع إلى تربية إعلامية لا تكتفي بتعليم التحقق التقني من الخبر، بل تشرح كيف تتلاعب الرسائل بالمشاعر. ينبغي أن يتعلم الشاب أن يسأل: لماذا وصلتني هذه الصورة الآن؟ ما الذي لا تعرضه؟ هل المصدر حاضر في المكان؟ هل يملك معرفة قانونية؟ هل تتكرر اللقطة نفسها بصيغ مختلفة؟ وما الذي يدفعني إلى تصديقها بهذه السرعة؟ تخلق هذه الأسئلة مسافة نفسية بين الانفعال والفعل.
تتحمل المؤسسات بدورها مسؤولية توفير معلومات فورية وواضحة. فحين يتأخر البيان، يملأ الفراغَ صوتٌ آخر. وحين تُكتب الرسالة بلغة إدارية باردة، تخسر أمام قصة شخصية مؤثرة. يلزم إنشاء قنوات رقمية دائمة للشباب، تقدم حقائق الهجرة القانونية، وترد على الشائعات، وتعرض فرص التكوين والعمل، وتتيح استشارة سرية. لا يُهزم التضليل بالمراقبة وحدها، بل ببناء ثقة معرفية سابقة على الأزمة.
البحث عن الاعتراف: الهجرة كإجابة عن سؤال القيمة
لا يبحث الشاب عن دخل فقط؛ يبحث عن دليل على أن وجوده ذو قيمة. يرتبط الانتقال إلى الرشد بالحاجة إلى الاستقلال، والقدرة على المساهمة، والحصول على مكانة داخل الأسرة والجماعة. فإذا طال الاعتماد الاقتصادي، وشعر الشخص بأنه عبء أو أنه لا يحقق ما ينتظره الآخرون منه، يتعرض تقديره لذاته للضغط. وقد تتحول الهجرة في مخيلته إلى طريق لاستعادة الاحترام، حتى قبل تحقق النجاح الفعلي.
تعمل قصص المهاجرين داخل بعض البيئات كمعايير للإنجاز. يصبح السفر دليلاً على الجرأة، والعودة بهدايا أو بملابس معينة علامة على التقدم، ويُقاس الشاب بما استطاع أن يغادره لا بما استطاع أن يبنيه. لا يصنع هذا المعيار كل الأسر والمجتمعات، لكنه حاضر بما يكفي ليؤثر. وقد يسمع الشاب مقارنات مباشرة أو غير مباشرة: فلان سافر، فلان يرسل المال، فلان غيّر حياة أسرته. في المقابل لا تُرى محاولات الفشل والوحدة والعمل القاسي بالوضوح نفسه.
يضاف إلى ذلك بُعد الرجولة في حالة كثير من الشبان. قد تفرض الثقافة عليهم أن يظهروا القوة، وأن يتحملوا الخطر، وأن يثبتوا قدرتهم على إعالة الأسرة. يصبح الاعتراف بالخوف أو طلب الدعم النفسي علامة ضعف في نظرهم، بينما يمنحهم العبور صورة الفاعل الشجاع. لذلك لا تنجح الرسائل التي تسخر من المخاطرة أو تصف أصحابها بالجبن والطيش؛ فهي تمس مركز الهوية الذي يحاولون الدفاع عنه.
ينبغي إعادة تعريف الشجاعة في الخطاب العام. ليست الشجاعة أن ينكر الإنسان الخطر، بل أن يتحمل مسؤولية مستقبله عبر قرار مبني على معرفة؛ وليست البطولة أن يضع حياته في اختبار لا يسيطر عليه، بل أن يطور مهارة، ويقاوم الإحباط، ويطلب المساندة، ويبني مشروعاً مع الآخرين. لا تكفي هذه الصياغة الأخلاقية ما لم ترافقها فرص حقيقية، لكنها ضرورية لتغيير رموز المكانة.
كما ينبغي فتح فضاءات للاعتراف المدني والثقافي. يستطيع الشباب أن يجدوا القيمة في العمل التطوعي، والرياضة، والفنون، والابتكار، والمبادرات المحلية، شريطة ألا تُعامل هذه الأنشطة كتسلية هامشية. عندما يرى الشاب أن صوته مسموع وأن مبادرته تحصل على دعم وظهور، يتراجع احتكار الهجرة لمعنى الإنجاز. فالمعركة النفسية الكبرى ليست بين البقاء والمغادرة، بل بين مسارات متعددة تمنح الحياة قيمة ومسار وحكاية.
الأسرة بين الاحتواء والضغط والصمت
تظهر الأسرة في موضوع الهجرة بصور متناقضة. قد تمنع وتراقب وتخاف، وقد تشجع صراحة أو ضمنياً، وقد لا تعرف شيئاً حتى وقوع المحاولة. وفي حالات أخرى يعيش الوالدان صراعاً قاسياً: يريدان حماية الابن، لكنهما يدركان ضيق الفرص؛ يرفضان الطريق الخطر لكنهما لا يملكان جواباً مقنعاً عن البديل. لذلك لا يصح تحميل الأسرة وحدها مسؤولية القرار.
يمكن للضغط الأسري أن يتخذ شكلاً غير مقصود. حين تتكرر أسئلة العمل والزواج والمساهمة المالية، قد يسمعها الشاب بوصفها حكماً على قيمته. وحين تقارن الأسرة بين الأبناء أو الأقارب، يتعمق الحرمان النسبي. كما قد يؤدي الصمت عن المشاعر إلى عزل الشاب داخل أفكاره؛ فيتحدث مع رفاقه والمنصات أكثر مما يتحدث مع والديه. لا تعني المحبة دائماً وجود تواصل نفسي فعّال.
تحتاج الأسر إلى أدوات للحوار لا إلى تعليمات أمنية فقط. ينبغي أن يعرف الوالدان علامات الانشغال المفرط بالعبور، والتغير المفاجئ في الخطط، وبيع الممتلكات الصغيرة أو الانقطاع عن الروتين، من دون أن يتحول ذلك إلى مراقبة بوليسية داخل البيت. الأهم أن يسألوا بهدوء: ما الذي يجعلك تفكر في الرحيل بهذه الطريقة؟ ما الذي تخشاه إن بقيت؟ ما الخطة التي تراها؟ كيف نستطيع أن نبني بدائل معاً؟ يسمح السؤال للشاب بأن ينتقل من الشعار إلى التفاصيل، وقد تكشف التفاصيل ضعف الخطة.
تحتاج الأسرة أيضاً إلى ألا تواجه العائد بالتشهير والعار. فالعودة بعد محاولة فاشلة قد تحمل شعوراً بالهزيمة، وخوفاً من السخرية، وقلقاً من المساءلة، وربما آثاراً نفسية من الفوضى والخطر. إذا وجد العائد باباً مغلقاً أو توبيخاً متواصلاً، قد يعيد المحاولة لإصلاح صورته أمام نفسه والآخرين. أما الاحتواء فلا يعني تبرير الفعل، بل حماية الشخص من أن تصبح المحاولة هويته الوحيدة.
يمكن للمؤسسات التعليمية والجمعيات أن تنظم لقاءات دعم وتوجيه للأسر في المناطق الأكثر تعرضاً لموجات العبور، وأن توفر خطوط استشارة نفسية واجتماعية. لا ينبغي أن تنتظر الخدمات أزمة جماعية كي تتحرك. فكل حوار ناجح داخل بيت قد يمنع قراراً اندفاعياً، وكل أسرة تعرف كيف تصغي تقلل اعتماد ابنها على جماعة رقمية لا تعرف عنه إلا رغبته في المغادرة.
القاصرون: هشاشة القرار تحت ضغط الحلم
يكتسب حضور القاصرين في محاولات العبور حساسية خاصة. لا يجوز التعامل معهم كنسخ صغيرة من البالغين، لأن مرحلة المراهقة تجمع بين نمو سريع في طلب الاستقلال والحساسية للمكافأة والانتماء، وبين استمرار تطور قدرات التخطيط الطويل وضبط الاندفاع. لا يعني ذلك أن المراهق غير عقلاني؛ بل يعني أن قراره يتأثر بالسياق الاجتماعي والانفعالي أكثر، وأن مسؤولية الحماية تقع على البالغين والمؤسسات بدرجة أكبر.
يرى القاصر في الهجرة أحياناً اختصاراً لمسار طويل: الوصول إلى مركز رعاية، تعلم لغة الحصول على وثائق لاحقاً، ثم مساعدة الأسرة. تنتشر هذه السردية بين الأقران، وقد تحتوي أجزاء صحيحة وتجارب واقعية، لكنها تُقدَّم غالباً بلا احتمالات الفشل والاستغلال والانقطاع الدراسي والاضطراب. كما قد يعتقد القاصر أن صغر سنه يمنحه حماية قانونية مطلقة، فيندفع بناء على معرفة ناقصة.
تتضاعف المخاطرة حين يمر المراهق بتجربة فشل مدرسي أو نزاع أسري أو شعور بعدم الانتماء تصبح الهجرة في هذه الحالة حلاً شاملاً لمشكلات متعددة: تغيير المكان، تغيير الهوية، الهروب من الوصم، وبدء حياة جديدة. لكن الحل الشامل الوهمي يخفي حقيقة أن الفرد يحمل حاجاته وصراعاته معه، وأن البيئة الجديدة قد تضيف ضغوطاً لا يعرفها.
تتطلب الوقاية عملاً مدرسياً مبكراً. ينبغي ألا يقتصر التوجيه على نهاية الدراسة، بل يبدأ من الإعدادي عبر بناء المهارات، واستكشاف المهن، والتدريب على اتخاذ القرار، والتربية الإعلامية، والتعريف بمسارات التكوين والتنقل القانوني. كما تحتاج المدارس إلى مختصين نفسيين واجتماعيين بعدد كاف، وإلى نظام إنذار مبكر للتسرب والانقطاع، من غير تحويل التلميذ إلى ملف أمني.
يحمي القاصرَ أيضاً وجود بالغ موثوق خارج الأسرة: أستاذ، مدرب، مرشد، إطار جمعوي أو مهني تظهر دراسات المرونة النفسية أن العلاقة المستقرة مع بالغ داعم تستطيع أن تغير مسار الشباب المعرضين للمخاطر. ليست الحماية خطاباً واحداً، بل علاقة تمنح المراهق وقتاً ومساحة ومثالاً عملياً. وحين يجد من يأخذ حلمه بجدية، يصبح أكثر استعداداً لمراجعة الطريق الذي اختاره لتحقيقه.
بعد العودة: الخجل والصدمة وإغراء المحاولة الثانية
تنتهي التغطية الإعلامية غالباً عند توقف الاندفاع أو عودة المشاركين، لكن القصة النفسية تستمر يعود بعضهم وقد فقد مالاً أو عملاً أو ثقة أسرته، وبعضهم يعود بعد ساعات من الخوف والارتباك، وقد يحمل إحساساً بالنجاة ممزوجاً بالهزيمة. لا تتطابق الاستجابات؛ فقد يشعر شخص بالارتياح، ويشعر آخر بالخجل، ويتحول ثالث إلى الغضب، بينما يقرر رابع أن يعيد المحاولة في أول فرصة.
يمثل الخجل خطراً حين يرتبط بالهوية لا بالفعل. يقول الشخص: لست من أخطأ، بل أنا فاشل يدفع هذا الحكم القاسي إلى الانسحاب أو الكذب أو محاولة استعادة الصورة عبر مخاطرة جديدة. لذلك يجب أن يركز الدعم على فصل قيمة الإنسان عن نتيجة المحاولة وعلى تحويل التجربة إلى معرفة: ماذا حدث؟ كيف اتخذ القرار؟ ما المعلومات التي كانت ناقصة؟ ما البدائل الآن؟
قد تظهر لدى بعض العائدين آثار ضغط نفسي حاد، مثل صعوبة النوم أو التوتر أو استعادة مشاهد مربكة أو تجنب الحديث. لا ينبغي تعميم هذه الأعراض ولا تحويل كل عائد إلى مريض، لكن يجب توفير تقييم مهني لمن يحتاجه. كما ينبغي التعامل بحذر مع القاصرين ومع من فقدوا قريباً أو شهدوا أحداثاً مؤلمة. تتمثل القاعدة في عرض الدعم من غير وصم، واحترام السرية، وربط المساندة النفسية بخدمات اجتماعية وتكوينية عملية.
تزداد احتمالات المحاولة الثانية إذا عاد الشخص إلى البيئة نفسها من دون تغيير: بطالة دين، توتر أسري، وسخرية محيطة. يصبح العبور عندئذ مشروعاً مؤجلاً لا قراراً تمت مراجعته. ولهذا تحتاج الاستجابة إلى «مسار عودة» يتضمن استقبالاً وتقييماً سريعاً، ومواكبة قانونية واجتماعية، وتوجيهاً إلى فرص حقيقية، ومتابعة قصيرة المدى. لا يكفي أن نعيد الجسد إلى مكانه؛ ينبغي أن نعيد الشخص إلى شبكة معنى وفرص.
يتطلب ذلك أيضاً أخلاقاً إعلامية. لا يجوز عرض وجوه القاصرين أو مطاردة العائدين بأسئلة مهينة، ولا تحويل الألم إلى فرجة. تفيد الشهادة العامة حين تكون طوعية ومدروسة وتحمي صاحبها، لكنها تضر حين تنتزع منه في لحظة هشاشة. ينبغي أن توازن الصحافة بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في الكرامة، وأن تفسر الظاهرة بدل أن تستهلك صورها.
لماذا لا تكفي المقاربة الأمنية وحدها؟
تملك الدولة واجب حماية الحدود وحماية الأرواح ومنع الفوضى والاستغلال. لا يمكن إنكار هذا البعد أو استبداله بخطاب نفسي مجرد. لكن الأمن يعالج لحظة السلوك، بينما تتكون الرغبة قبلها بسنوات. قد تمنع القوات محاولة محددة، لكنها لا تمحو الفكرة من المخيال، وقد تدفعها فقط إلى مسارات أكثر خفاءً. لذلك تفشل المقاربة الأحادية لأنها تواجه النتيجة ولا تغير شروط إنتاجها.
كما أن الرسالة الأمنية الصلبة قد تولد أثراً عكسياً إذا شعر الشباب أنها لا ترى معاناتهم.لا يعني ذلك إيقاف تطبيق القانون، بل تغيير الإطار الاتصالي: يقال بوضوح إن المنع يهدف إلى حماية الحياة، ويُعترف في الوقت نفسه بأن دوافع الرحيل تتصل بأزمات حقيقية. يخفف الاعتراف من الاستقطاب بين شباب يرون المؤسسة خصماً ومؤسسة تراهم خطراً.
ينبغي أن تندمج الاستجابة في خطة وطنية ومحلية للصحة النفسية الشبابية. لا تعني الصحة النفسية هنا العلاج من الاضطرابات فقط، بل تعزيز القدرة على التخطيط، وتحمل الإحباط، واتخاذ القرار، وبناء الأمل، والوصول إلى المساندة. تحتاج مدن الشمال، بحكم موقعها الحدودي، إلى فرق متنقلة ومراكز شبابية تدمج الاستشارة بالتوجيه المهني والحقوقي والرقمي.
تحتاج الاستجابة كذلك إلى بيانات نوعية. لا تكفي أعداد الموقوفين والعابرين؛ ينبغي إجراء مقابلات سرية وأخلاقية مع عينات متنوعة لفهم المسارات: متى بدأت الفكرة؟ من أثر فيها؟ ما دور الأسرة والمنصة والعمل؟ كيف فهم المشاركون المخاطر؟ ما الذي كان يمكن أن يغير قرارهم؟ تسمح هذه المعرفة بتصميم تدخلات دقيقة بدلاً من حملات عامة.
وأخيراً، يجب ألا تتحول الوقاية إلى تضييق على حق الشباب في الحلم والتنقل. الهدف ليس إقناعهم بأن الهجرة سيئة، بل توسيع قدرتهم على الاختيار: هجرة قانونية مدروسة دراسة، عمل موسمي منظم تنقل داخلي، مشروع محلي، أو بقاء كريم. تقاس الحرية بعدد الخيارات الواقعية، لا بحرية القفز إلى الخيار الأخطر فقط .
المدينة الحدودية والهوية المعلّقة
تنتج المدينة الحدودية وعياً مختلفاً بالمكان. لا يعيش ساكنها الحدود باعتبارها خطاً في الخريطة فحسب، بل يراها في حركة الناس والأسعار واللغات وفرص العمل وأنماط الاستهلاك. يمر الحد داخل الحياة اليومية، فيقسم الممكن إلى جهتين: جهة قريبة يمكن رؤيتها، وجهة بعيدة يصعب دخولها. ولهذا يكتسب البحر والسياج في شمال المغرب معنى نفسياً يتجاوز وظيفتهما الجغرافية؛ فهما يذكران الشاب كل يوم بأن عالماً آخر موجود على مرمى البصر لكنه مشروط بوثيقة وقدرة واعتراف .
قد ينشأ عن هذا الوضع ما يمكن تسميته بالهوية المعلّقة. يشعر الفرد بأنه ينتمي إلى مدينته وأسرته وثقافته، لكنه يتخيل اكتمال ذاته في مكان آخر. لا يرفض الوطن بالضرورة ، ولا يحب الضفة الأخرى معرفةً وتجربةً؛ إنما يضع فيها أجزاء الذات التي لم يجد لها مجالاً هنا: الاستقلال، والمهنة، والاعتراف، والقدرة على الحركة. يصبح الخارج مستودعاً نفسياً للرغبات المؤجلة، ويصبح الداخل مرتبطاً بالقيود حتى لو احتوى روابط عاطفية عميقة.
تتضاعف هذه الثنائية في المواسم التي يعود فيها المهاجرون. تتحرك السيارات والهدايا والعملات والحكايات داخل الحي، فيتجسد النجاح الخارجي أمام العين. وقد يعرف الجميع أن الصورة ناقصة، وأن المهاجر نفسه واجه تعباً ووحدةً وأعمالاً شاقة، لكن الرموز المرئية تظل أقوى من التفاصيل الغائبة. لا يمكن منع هذه المقارنة، غير أنه يمكن موازنتها بإظهار قيمة الإنجاز المحلي وبمنح الشباب إمكانات حقيقية للمشاركة في اقتصاد مدنهم وثقافتها.
تحتاج المدن الحدودية لذلك إلى سياسات تراعي خصوصيتها النفسية. لا يكفي تطبيق البرامج الوطنية بصيغة واحدة؛ ينبغي فهم اقتصاد الانتظار، والعمل الموسمي، وشبكات القرابة العابرة للحدود، وتاريخ التبادل، وتأثير الإغلاق أو التقييد في إحساس السكان. كل تغيير في نظام الحدود يترك أثراً على التوقعات والأسر والمهن الصغيرة، وقد يتحول الأثر الاقتصادي بسرعة إلى ضغط نفسي.
يمكن تحويل القرب من أوروبا من مصدر إحباط إلى مورد تعليمي وتنموي. تستطيع الجامعات والمعاهد والجماعات الترابية بناء برامج تبادل وتكوين ولغات ومشروعات مشتركة قانونية، بحيث لا يظل الاتصال بالضفة الأخرى حكراً على التهريب أو المغامرة وتستطيع المراكز الثقافية أن تفتح نقاشاً نقدياً حول معنى المكان والانتماء والهجرة، لأن الشاب يحتاج إلى لغة يفهم بها تناقضه: أن يحب مدينته ويريد مغادرتها في الوقت نفسه.
لا تعالج هذه المقاربة كل أسباب العبور، لكنها تمنع اختزال المدينة الحدودية في بوابة مغلقة. عندما يجد الشاب أن موقعه الجغرافي يمنحه فرصاً للتعلم والتعاون والعمل، لا مجرد مشاهدة الفارق، يتغير معنى الحدود في ذهنه. تصبح نقطة اتصال منظم بدل أن تكون امتحاناً يومياً للحرمان، ويصبح الانتماء مرناً لا معلقاً بين ضفتين.
العقد النفسي بين الشباب والمجتمع
يبني المواطن، من غير أن يوقع وثيقة، عقداً نفسياً مع مجتمعه ومؤسساته. يعتقد أن الدراسة والاجتهاد واحترام القواعد ستقابلها فرص عادلة وكرامة واستجابة معقولة. لا يضمن العقد النجاح لكل فرد، لكنه يضمن أن المسار مفهوم وأن القواعد لا تتغير وفق العلاقات والحظ. حين تتكرر الخبرات التي تناقض هذا الاعتقاد، يشعر الشاب بأن العقد قد اختل، وأن التزامه لم يعد ذا معنى.
يفسر هذا المفهوم شدة الغضب التي قد تبدو أكبر من السبب المباشر. لا يغضب الخريج من رفض واحد، بل من إحساس بأن سنواته لم تُرَ؛ ولا يغضب صاحب المشروع من إجراء واحد، بل من اعتقاده أن النظام لا يعامله شريكاً. ومع الوقت يتحول فقدان الثقة إلى انسحاب نفسي: لا أشارك، لا أصدق، لا أنتظر. وقد تكون الهجرة أقصى أشكال الانسحاب، لأنها لا تعني فقط تغيير المكان، بل سحب الاستثمار العاطفي من المستقبل المشترك.
تُرمم الثقة عبر العدالة الإجرائية بقدر ما تُرمم عبر النتائج. فقد يقبل الإنسان قراراً لا يخدمه إذا فهم أسبابه، وعرف أن القاعدة طُبقت بالتساوي، وحصل على فرصة للاعتراض لذلك تملك طريقة تعامل الإدارات ومؤسسات التعليم والتشغيل أثراً نفسياً بالغاً. الاحترام والوضوح والموعد المحدد ليست تفاصيل بروتوكولية؛ إنها رسائل تقول للشاب إن وقته وكرامته معتبران.
تحتاج المؤسسات إلى الاعتراف بالأخطاء والفجوات بدل الاكتفاء بعرض الإنجازات. لا تقوض المصارحة الثقة؛ غالباً ما يقوضها الإنكار. عندما يسمع الشاب أن البطالة والتسرب وعدم تكافؤ الفرص مشكلات معترف بها، وأن هناك أهدافاً قابلة للقياس ومواعيد للمراجعة يصبح الحوار ممكناً. أما الخطاب الذي يصور كل شيء بخير فيدفعه إلى اعتبار تجربته الشخصية غير مرئية أو غير مشروعة.
يشمل العقد النفسي أيضاً الحق في المشاركة. لا يريد الشباب أن تُصنع السياسات عنهم من دونهم، ثم يُطلب منهم الامتثال لها. يمكن إشراكهم في تشخيص المشكلات، واختبار الرسائل الرقمية، وتقييم برامج التكوين، واقتراح استخدام الفضاءات العامة. لا ينبغي أن تكون المشاركة احتفالاً صورياً؛ يجب أن يعرف المشاركون ما الذي أُخذ من مقترحاتهم ولماذا رُفض غيره.
حين يشعر الشاب بأن المجتمع يستثمر فيه ويحاسب نفسه أمامه، يستعيد البقاء جزءاً من معناه وقد يظل راغباً في السفر، لكن السفر يصبح مشروعاً ضمن علاقة صحية بالوطن لا هروباً من عقد مكسور. هكذا تتحول الثقة من قيمة أخلاقية مجردة إلى عامل وقاية فعلي من القرارات الاندفاعية.
كيف نخاطب الشباب من دون وصم أو تضليل؟
تحدد اللغة نوع الاستجابة التي نحصل عليها. عندما يوصف المشاركون في محاولات العبور بالجهل أو الطيش أو انعدام الوطنية، يغلق الخطاب باب الفهم ويدفعهم إلى الدفاع عن أنفسهم وعن قرارهم. لا يعني احترامهم تبرير المخاطرة أو إخفاء المسؤولية، بل يعني مخاطبتهم بوصفهم أشخاصاً قادرين على التفكير ويعيشون ضغوطاً حقيقية. يبدأ الإقناع من الاعتراف بما يرونه قبل تقديم ما نريد منهم أن يروه.
ينبغي أن تتجنب الرسائل التخويف المبالغ فيه. فالشاب الذي يعرف شخصاً نجح في العبور سيكذب حملة تقول إن الفشل حتمي، وسيشك بعد ذلك في كل معلوماتها. تحتاج المصداقية إلى عرض الاحتمالات بصدق: قد يصل بعض الناس، لكن الوصول لا يعني الاستقرار ولا العمل ولا الوثائق، وتوجد مخاطر قانونية وصحية واجتماعية لا تظهر في المقاطع. يجب التفريق بين إمكان وقوع الشيء وبين كونه قراراً رشيداً.
كما ينبغي تجنب اللغة التي تسلب الشباب إرادتهم بالكامل. لا يصح تصويرهم ضحايا خوارزميات أو شبكات فقط، لأن ذلك يهين قدرتهم على الاختيار. الأفضل شرح كيف يؤثر السياق في القرار مع إبقاء المسؤولية الشخصية: قد تدفعك الجماعة، لكن يمكنك التوقف؛ قد تثيرك الإشاعة، لكن يمكنك التحقق؛ قد يكون قلقك مشروعاً، لكن الطريق الذي اخترته ليس الطريق الوحيد.
تنجح الرسالة حين تتكون من أربعة عناصر: اعتراف بالمشكلة، ومعلومة دقيقة، وبديل قريب وشخص موثوق يمكن التواصل معه. فإذا قيل للشاب إن الخبر كاذب من دون أن يُعرّف بفرصة أو خدمة أو موعد، يعود إلى الفراغ نفسه. وإذا عُرض البديل بلغة غامضة أو بشروط معقدة، بدا أقل واقعية من العبور. لذلك يجب أن تكون كل حملة مرتبطة بأبواب فعلية مفتوحة.
تحتاج الصحافة إلى استبدال سؤال الإثارة بسؤال التفسير. بدلاً من مطاردة أكثر صورة صادمة،يمكنها تتبع مسار شاب من المدرسة إلى البطالة إلى قرار السفر، والتحقق من الإشاعات، ومساءلة السياسات وعرض مبادرات قابلة للتكرار. كما ينبغي أن تمنح الشباب مساحة للحديث بكرامتهم، لا أن تستخدم أصواتهم لتأكيد حكم جاهز.
وتحتاج المؤسسات الدينية والثقافية والرياضية إلى خطاب متكامل. لا يكفي الوعظ بحرمة تعريض النفس للخطر إذا لم يُصغ إلى الظلم والإحباط اللذين يشعر بهما الشاب. يمكن للخطاب الأخلاقي أن يعزز قيمة الحياة والمسؤولية والصبر الفاعل، لكنه يكون أقوى حين يقترن بالتضامن العملي والإرشاد والفرص.
إن الهدف النهائي ليس إنتاج شباب مطيعين يخافون البحر، بل إنتاج شباب يمتلكون أدوات القرار الحر: يعرفون الوقائع، ويفهمون مشاعرهم، ويقاومون ضغط اللحظة ويستطيعون الوصول إلى بدائل عندئذ لا تصبح الوقاية إغلاقاً للأفق، بل توسيعاً له.
نحو سياسة نفسية للأمل القابل للتصديق
لا تُبنى سياسة الأمل بالشعارات. فالشاب الذي اختبر الوعود غير المنجزة يطوّر حساسية عالية تجاه اللغة الاحتفالية. يحتاج إلى «أمل قابل للتصديق»، أي إلى هدف ممكن ومسار واضح ودليل على أن الجهد ينتج أثراً. ويتطلب ذلك أن تتكامل السياسات الاقتصادية والتعليمية والنفسية والإعلامية، لأن القلق لا ينشأ في العقل وحده ولا يُعالج داخله وحده.
تبدأ الخطوة الأولى بإعادة وصل التعليم بالعمل. ينبغي أن يرى المتعلم منذ سنواته الأخيرة خريطة المهن والمهارات والفرص، وأن يحصل على تدريب فعلي ومرافقة بعد التخرج. لا قيمة لمسار تكويني جديد إذا لم يعرف الشاب شروط الولوج إليه ومآلاته ونسب الإدماج فيه. الشفافية نفسها تدخل نفسي؛ فهي تقلل الغموض وتعيد القدرة على التخطيط.
وتتمثل الخطوة الثانية في ضمان شبابي محلي يوجه كل شاب خارج العمل والتعليم والتكوين إلى نقطة اتصال واحدة. أوصى تقرير المندوبية حول الشباب غير الموجودين في العمل أو التعليم أو التدريب بخدمات قريبة ومندمجة ومراعية للفوارق الترابية. يمكن تطوير هذا التوجه ليشمل تقييماً نفسياً اختيارياً وتوجيهاً مهنياً، وتدريباً قصيراً، ومساندة للمبادرات، ومتابعة شخصية لا تنتهي بتسليم عنوان إلكتروني.
وتقوم الخطوة الثالثة على بناء استجابة رقمية موثوقة. تنشأ غرفة يقظة متعددة التخصصات تتابع الإشاعات المتعلقة بالهجرة، وتصدر توضيحات سريعة بالدارجة والعربية والأمازيغية والفرنسية عند الحاجة، وتستعين بشباب معروفين محلياً. يجب أن تعرض الرسالة الحقيقة القانونية، ومخاطر السلوك من غير صور جارحة، والبدائل الفورية المتاحة كل تحذير بلا بديل يترك الفراغ الذي جاءت الإشاعة لتملأه.
أما الخطوة الرابعة فتتعلق بمؤسسات المشاركة. يحتاج الشباب إلى مجالس محلية ذات صلاحيات استشارية حقيقية وميزانيات صغيرة لمشروعات يقترحونها وينفذونها. يولد الإنجاز الجماعي فاعلية ذاتية وجماعية، ويبدل علاقة الشاب بالمدينة من علاقة مستهلك محبط إلى علاقة فاعل. كما يمكن للفن والرياضة والمسرح والكتابة والصحافة المدرسية أن تحول القلق إلى تعبير، والتعبير إلى معرفة ومبادرة.
وتخص الخطوة الخامسة الصحة النفسية. ينبغي إدماج خدمات نفسية سرية وميسرة في المؤسسات التعليمية ومراكز الشباب والرعاية الأولية، مع تدريب المهنيين على قضايا الهجرة والصدمة والبطالة والهوية. لا يلزم أن يراجع كل شاب مختصاً، لكن يجب أن يعرف أن الباب موجود، وأن طلب المساعدة لا ينتقص من رجولته أو كرامته. كما ينبغي توفير دعم للأسر والعائدين والعاملين في الإنقاذ والأمن ممن يتعرضون بدورهم لضغط متكرر.
وتتمثل الخطوة السادسة في فتح مسارات قانونية واقعية للتنقل. كلما اتسعت فرص الدراسة والتبادل والتدريب والعمل الموسمي المعلن بشفافية، تراجع احتكار الشبكات غير النظامية لفكرة السفر فالشاب لا يحتاج دائماً إلى وعد بالبقاء النهائي؛ قد يحتاج إلى تجربة تنقل آمنة تعزز مهاراته وتعيده برصيد مهني. يجب أن تكون هذه البرامج عادلة جغرافياً، وألا تظل محصورة في من يملكون معلومات وعلاقات أفضل.
وأخيراً، ينبغي اعتماد مبدأ التقييم. تقاس فعالية البرامج لا بعدد الندوات والمنشورات، بل بتغير مؤشرات ملموسة: انخفاض التسرب، زيادة الالتحاق بالتكوين، تحسن الإحساس بالقدرة، ارتفاع المعرفة بالمسارات القانونية، تراجع تصديق الإشاعات، وزيادة الثقة في نقاط الاستشارة. ما لا يُقاس يتحول بسهولة إلى نشاط رمزي لا يغير القرار عند لحظة الاختبار.
خاتمة: إنقاذ المستقبل قبل إنقاذ العابرين
تضعنا موجة العبور الأخيرة أمام حقيقة لا يجوز تبسيطها: لا يتجه الشباب إلى البحر لأنهم يجهلون الحياة، بل لأن بعضهم لم يعد يرى للحياة التي يعيشها امتداداً مقنعاً. لا يساوي هذا الحكم بين الحالات ولا يبرر المخاطرة، لكنه يرفض اختزالها في الطيش. فخلف الاندفاع قرار تشكل داخل زمن من الانتظار والمقارنة والضغط، ثم التقطته إشاعة، وعجّلت به جماعة، ومنحته لحظة عابرة شعوراً بالإمكان.
حين يضيق الأفق، لا يتسع البحر في الواقع؛ يتسع في المخيال. يصبح سطحه شاشةً كبرى يُعرض عليها مستقبل بديل، وتُمحى منها الحدود بين الرغبة والحقيقة. لذلك يبدأ الإنقاذ الحقيقي قبل وصول قوارب النجدة وقبل اصطفاف القوات: يبدأ في المدرسة التي تمنع الانقطاع، وفي المؤسسة التي تحترم موعدها، وفي فرصة العمل التي لا تهين صاحبها، وفي الأسرة التي تصغي، وفي المنصة التي تقدم الحقيقة بسرعة، وفي مدينة تمنح شبابها مكاناً لصنع القرار.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يلاحقنا بعد انحسار الصور: ماذا سنفعل كي لا ننتظر الموجة التالية؟ هل سنكتفي بإحصاء الأجساد التي تحركت، أم سنحصي أيضاً الأحلام التي تعطلت؟ هل سنسأل كيف عبروا، أم لماذا بدا العبور لهم أكثر واقعية من البقاء؟ وهل نستطيع أن نحول القلق من قوة تدفع إلى المجهول إلى طاقة تدفع نحو التعلم والمشاركة والبناء؟
لا يحتاج شباب اليوم إلى من يوبخهم على الحلم، بل إلى من يحمي حقهم في حلم لا يطلب حياتهم ثمناً له. ويحتاجون قبل كل شيء إلى مستقبل يمكنهم أن يروه من هذه الضفة وأن يشاركوا في صنعه هنا أو أن يغادروه عبر أبواب قانونية آمنة. عندها فقط يستعيد البحر حجمه الطبيعي: فضاءً جغرافياً، لا حلاً نفسياً لأزمة الأفق.
-أستاذ التعليم العالي، باحث في الجماليات وفلسفة الفن- أخصائي نفساني إكلينيكي – مدير المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة (ISPITS) بالراشيدية.
المراجع المعتمدة:
1. Reuters, “Social media rumours, economic hardship fuel migrant surge into Ceuta,” 31 July 2026, updated 1 August 2026.
2. Ziva Kunda, “The Case for Motivated Reasoning,” Psychological Bulletin, vol. 108, no. 3, 1990, pp. 480–498, https://doi.org/10.1037/0033-2909.108.3.480.
3. Paul Slovic, “Perception of Risk,” Science, vol. 236, no. 4799, 1987, pp. 280–285, https://doi.org/10.1126/science.3563507.
4. Haut-Commissariat au Plan, Situation du marché du travail en 2025, Rabat, 3 février 2026.
5. Haut-Commissariat au Plan, Profilage statistique des jeunes NEET au Maroc: analyse, déterminants et implications, Rabat, avril 2026; the report estimates 2.94 million NEET youth aged 15–29 in 2023, representing 33.6% of that age group.
6. Naoise Mac Giollabhui et al., “The Development of Future Orientation is Associated with Faster Decline in Hopelessness during Adolescence,” Journal of Youth and Adolescence, vol. 47, no. 10, 2018, pp. 2129–2142, https://doi.org/10.1007/s10964-017-0804-4.
7. Reuben N. Robbins and Angela Bryan, “Relationships Between Future Orientation, Impulsive Sensation Seeking, and Risk Behavior Among Adjudicated Adolescents,” Journal of Adolescent Research, vol. 19, no. 4, 2004, pp. 428–445, https://doi.org/10.1177/0743558403258860.
8. C. R. Snyder, “Hope Theory: Rainbows in the Mind,” Psychological Inquiry, vol. 13, no. 4, 2002, pp. 249–275, https://doi.org/10.1207/S15327965PLI1304_01.
9. Steven F. Maier and Martin E. P. Seligman, “Learned Helplessness at Fifty: Insights from Neuroscience,” Psychological Review, vol. 123, no. 4, 2016, pp. 349–367, https://doi.org/10.1037/rev0000033.
10. Albert Bandura, Self-Efficacy: The Exercise of Control, New York: W. H. Freeman, 1997.
11. Heather J. Smith, Thomas F. Pettigrew, Gina M. Pippin, and Silvana Bialosiewicz, “Relative Deprivation: A Theoretical and Meta-Analytic Review,” Personality and Social Psychology Review, vol. 16, no. 3, 2012, pp. 203–232, https://doi.org/10.1177/1088868311430825.
12. Arab Barometer, Morocco Report: Arab Barometer Wave VIII, survey conducted 11 December 2023–30 January 2024, 2024. The report records 35% expressing a desire to emigrate and 53% of potential migrants willing to consider migration without official papers.
13. Morton Deutsch and Harold B. Gerard, “A Study of Normative and Informational Social Influences upon Individual Judgment,” Journal of Abnormal and Social Psychology, vol. 51, no. 3, 1955, pp. 629–636, https://doi.org/10.1037/h0046408.
14. Jason Chein, Dustin Albert, Lia O’Brien, Kaitlyn Uckert, and Laurence Steinberg, “Peers Increase Adolescent Risk Taking by Enhancing Activity in the Brain’s Reward Circuitry,” Developmental Science, vol. 14, no. 2, 2011, pp. F1–F10, https://doi.org/10.1111/j.1467-7687.2010.01035.x.
15. Jorien Van Hoorn, Eveline A. Crone, and Linda Van Leijenhorst, “Hanging Out With the Right Crowd: Peer Influence on Risk-Taking Behavior in Adolescence,” Journal of Research on Adolescence, vol. 27, no. 1, 2017, pp. 189–200, https://doi.org/10.1111/jora.12265.
16. Amos Tversky and Daniel Kahneman, “Availability: A Heuristic for Judging Frequency and Probability,” Cognitive Psychology, vol. 5, no. 2, 1973, pp. 207–232, https://doi.org/10.1016/0010-0285(73)90033-9.
17. Lauren E. Sherman et al., “The Power of the Like in Adolescence: Effects of Peer Influence on Neural and Behavioral Responses to Social Media,” Psychological Science, vol. 27, no. 7, 2016, pp. 1027–1035, https://doi.org/10.1177/0956797616645673.
18. Consejo General del Poder Judicial, “El Tribunal Supremo confirma que la ley no permite las ‘devoluciones en caliente’ de los migrantes que pretenden entrar a nado en Ceuta y Melilla,” 8 July 2026.
19. Jeffrey Jensen Arnett, “Emerging Adulthood: A Theory of Development from the Late Teens through the Twenties,” American Psychologist, vol. 55, no. 5, 2000, pp. 469–480, https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.5.469.
20. Michael E. Addis and James R. Mahalik, “Men, Masculinity, and the Contexts of Help Seeking,” American Psychologist, vol. 58, no. 1, 2003, pp. 5–14, https://doi.org/10.1037/0003-066X.58.1.5.
21. Laurence Steinberg, “A Social Neuroscience Perspective on Adolescent Risk-Taking,” Developmental Review, vol. 28, no. 1, 2008, pp. 78–106, https://doi.org/10.1016/j.dr.2007.08.002.
22. Sarah-Jayne Blakemore and Trevor W. Robbins, “Decision-Making in the Adolescent Brain,” Nature Neuroscience, vol. 15, 2012, pp. 1184–1191, https://doi.org/10.1038/nn.3177.
23. Ann S. Masten, Ordinary Magic: Resilience in Development, New York: Guilford Press, 2014.
24. World Health Organization, “Refugee and Migrant Mental Health,” Fact Sheet, updated 1 September 2025.
25. UNICEF, Ethical Reporting Guidelines: Principles for Interviewing and Reporting on Children, UNICEF Media Guidance.
26. Denise M. Rousseau, Psychological Contracts in Organizations: Understanding Written and Unwritten Agreements, Thousand Oaks, CA: SAGE Publications, 1995.
27. Tom R. Tyler, Why People Obey the Law, 2nd ed., Princeton, NJ: Princeton University Press, 2006.
28. Haut-Commissariat au Plan, Profilage statistique des jeunes NEET au Maroc: analyse, déterminants et implications, Rabat, avril 2026.
29. World Health Organization, World Mental Health Report: Transforming Mental Health for All, Geneva: WHO, 2022, ISBN 978-92-4-004933-8.








0 تعليق