هل المدرسة المغربية ضحية؟ - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم هل المدرسة المغربية ضحية؟ - بوابة المدينة برس

ليست المدرسة المغربية ضحية قلة الإمكانيات بقدر ما هي ضحية فلسفة تعليمية أخطأت تشخيص المرض منذ البداية. فمنذ عقود، والوزارة تعلن عن إصلاح جديد كلما فشل الإصلاح الذي سبقه، وكأن المشكلة تكمن دائمًا في تغيير الكتب والأسماء والشعارات، لا في العقل الذي يصوغ السياسات التعليمية. لقد أصبح التعليم في المغرب القطاع الوحيد الذي يكثر الحديث عن إصلاحه، بينما تتراجع نتائجه عامًا بعد آخر، حتى بات المغاربة يتعاملون مع كل مشروع جديد بكثير من الشك، لأنهم يعرفون أن الثابت الوحيد في هذه المنظومة هو استمرار الفشل.

إن أكبر خطأ ارتكبته الوزارة هو اعتقادها أن التعليم الجيد يعني مقررات أكثر، ودروسًا أكثر، وساعات دراسة أطول. إنها عقلية ترى أن عقل الطفل يشبه حقيبة سفر، كلما وضعت فيها أشياء أكثر أصبحت أفضل. لكن الحقيقة أن العقل ليس مخزنًا للمعلومات، بل أداة للفهم والتحليل والإبداع. وما يحدث داخل المدرسة المغربية اليوم هو عملية حشو منظمة، يخرج منها التلميذ مثقلًا بالمعارف، لكنه عاجز عن توظيفها في حياته أو تحويلها إلى مهارات حقيقية.

من وضع هذه البرامج يبدو أنه لم يعش يومًا داخل قسم دراسي، ولم يراقب طفلًا يحمل حقيبة تكاد تساوي نصف وزنه، ثم يعود إلى منزله ليبدأ دوامًا ثانيًا من الواجبات المنزلية والدروس الخصوصية. لقد صيغت المناهج من وراء المكاتب، لا من داخل الفصول، ولذلك جاءت بعيدة عن واقع المتعلم، وبعيدة عن حاجيات المجتمع، وبعيدة عن التحولات التي يعرفها العالم.

المفارقة أن العالم كله يتجه اليوم نحو تبسيط المناهج والتركيز على المهارات الأساسية والتفكير النقدي والذكاء الاصطناعي والبرمجة وريادة الأعمال والعمل الجماعي، بينما لا يزال جزء كبير من التعليم المغربي يعتقد أن النجاح يقاس بعدد الصفحات التي يحفظها التلميذ، لا بعدد الأفكار التي يستطيع إنتاجها. نحن نربي أجيالًا على استرجاع المعلومات، في وقت أصبحت فيه المعلومة نفسها متاحة بضغطة زر. ما يحتاجه المستقبل ليس حافظًا للمقررات، بل إنسانًا قادرًا على التفكير واتخاذ القرار والابتكار.

والنتيجة الطبيعية لهذا الاختيار الخاطئ هي انفصال المدرسة عن سوق الشغل. فكم من خريج قضى سنوات طويلة في الدراسة، ثم اكتشف أن ما تعلمه لا يطلبه أحد؟ وكم من مقاولة تبحث عن الكفاءات الرقمية واللغوية والتقنية، بينما لا تزال المدرسة منشغلة بتلقين معارف لا علاقة لها بالاقتصاد الجديد؟ إن الأزمة ليست في الشباب، بل في منظومة ما زالت تُعد أبناء اليوم لوظائف الأمس.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أنتجت الوزارة، عن قصد أو عن غير قصد، اقتصادًا موازيًا للتعليم. فكلما تضخمت المقررات، ازدهرت تجارة الدروس الخصوصية. وكلما ازدادت صعوبة المناهج، ارتفعت أرباح مراكز الدعم. حتى أصبح كثير من الآباء مقتنعين بأن المدرسة وحدها لم تعد تكفي، وأن النجاح يحتاج إلى تعليم ثانٍ مدفوع الثمن. وهكذا تحولت مجانية التعليم إلى شعار جميل، بينما الواقع يقول إن آلاف الأسر تؤدي فاتورة شهرية تثقل ميزانيتها حتى يتمكن أبناؤها من فهم ما كان يفترض أن يتعلموه داخل القسم.

أما الضحية الحقيقية فهو التلميذ. لقد سُرق منه أغلى ما يملك، وهو الوقت. يقضي معظم يومه بين المدرسة والواجبات وساعات الدعم، فلا يجد وقتًا للرياضة، ولا للقراءة الحرة، ولا لاكتشاف مواهبه، ولا لتنمية شخصيته. وكأن الهدف من المدرسة هو احتلال حياة الطفل بالكامل، لا إعداد إنسان متوازن قادر على مواجهة الحياة. إن التعليم الذي يقتل الفضول، ويصادر وقت الطفولة، ويحول التعلم إلى عبء نفسي، لا يمكن أن يصنع مجتمعًا مبدعًا مهما بلغت ميزانيته.

ولعل أخطر ما في الأمر أن واضعي السياسات ما زالوا يعتقدون أن الحل يكمن في إضافة مادة جديدة، أو كتاب جديد، أو ساعات جديدة. إنهم يعالجون الفشل بالمزيد من الأسباب التي أنتجته. فحين يفشل المقرر، يضيفون مقررًا آخر. وحين يعجز التلميذ عن الاستيعاب، يضيفون ساعات إضافية. وحين ترتفع نسب الهدر المدرسي، يكتفون بتغيير المصطلحات وإطلاق أسماء جديدة على البرامج، وكأن تغيير اللغة يكفي لتغيير الواقع.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن التعليم ليس سباقًا لإنهاء المقرر، بل عملية لبناء الإنسان. المطلوب هو تقليص حجم المناهج، وإلغاء كل ما لا يضيف قيمة حقيقية، وربط المدرسة بالاقتصاد الوطني وبالمهن التي سيحتاجها المغرب خلال العقود المقبلة، وإعادة توزيع الزمن المدرسي حتى يستعيد الطفل حقه في الحياة خارج القسم. كما أن المدرسة مطالبة بأن تعلم التلميذ كيف يفكر، لا ماذا يفكر، وكيف يبحث عن المعرفة، لا كيف يحفظها فقط.

لقد آن الأوان لأن تتخلى الوزارة عن وهم أن كثرة الدروس تعني جودة التعليم. فالدول التي تتصدر مؤشرات التعليم لا تفعل ذلك لأنها تُرهق أبناءها، بل لأنها تحترم ذكاءهم ووقتهم، وتؤمن بأن المدرسة ليست مصنعًا للشهادات، بل مصنع للعقول.

إن المغرب لا يحتاج إلى إصلاح تعليمي جديد بالمعنى الذي اعتدناه، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية وفكرية تعترف بأن جزءًا كبيرًا من الاختيارات التي حكمت المدرسة خلال العقود الماضية كان خاطئًا. فالأمم لا تتقدم عندما تخفي أخطاءها، بل عندما تمتلك الجرأة لمراجعتها. أما الاستمرار في إنتاج المناهج بالعقلية نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة، فليس إصلاحًا، بل إصرار على إعادة إنتاج الفشل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق