عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم قوة الذكاء الاصطناعي - بوابة المدينة برس
عندما يتحول السباق التقني إلى إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي
لم يعد الذكاء الاصطناعي قطاعاً تقنياً ينمو إلى جوار قطاعات الاقتصاد التقليدية، بل صار بنيةً تعيد تنظيمها من الداخل. فهو يدخل المصانع والمختبرات والمستشفيات والأسواق المالية، ويوجه أنظمة المراقبة والدفاع، ويؤثر في إنتاج المعرفة وتوزيعها. لذلك لم تعد الدول تتنافس على امتلاك تطبيقات أكثر براعة فحسب، بل تتصارع على الشروط المادية والسياسية التي تسمح بإنتاج الذكاء نفسه: الرقائق المتقدمة، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، ومراكز البيانات، والكفاءات العلمية، والبيانات، والمعايير القانونية.
ينقل هذا التحول مركز القرار من وزارات التكنولوجيا وحدها إلى مجالس الأمن القومي ووزارات الدفاع والبنوك المركزية وأجهزة الاستخبارات. ويضع الذكاء الاصطناعي في قلب سؤال السيادة: من يملك القدرة على بناء النماذج وتدريبها وتشغيلها، ومن يكتفي باستيرادها واستعمالها داخل بيئة لا يتحكم في قواعدها؟
يلخص هنري كيسنجر وإريك شميدت ودانييل هوتنلوشر حجم التحول بقولهم إن الذكاء الاصطناعي “يُحدث ثورة في الشؤون الإنسانية”، ويغير علاقة البشر بالمعرفة وصنع القرار والنظام الدولي (هنري كيسنجر، إريك شميدت ودانييل هوتنلوشر، “The Age of AI and Our Human Future”، 2021). وأكد شميدت لاحقاً أمام الكونغرس الأمريكي أن هذه التقنية “ستغير علاقتنا بالمعرفة والمجتمع الذي نعيش فيه”، وأن أثرها سيمتد من التفكير والعمل إلى تشكيل النظام الدولي (إريك شميدت، شهادة أمام مجلس النواب الأمريكي، 2023(. ([Oversight Committee]
تتجاوز المنافسة حدود الاقتصاد
تدرك واشنطن وبكين أن التفوق في الذكاء الاصطناعي يمنح صاحبه قدرةً على إعادة توزيع القوة الاقتصادية والعسكرية. فمن يطور النماذج الأعلى كفاءة يستطيع أن يسرع البحث العلمي، ويخفض كلفة الإنتاج، ويؤتمت الخدمات، ويحلل تحركات الأسواق، ويطور الأسلحة الذاتية وشبه الذاتية، ويرفع قدرات المراقبة والاستخبارات والهجمات السيبرانية.
تحافظ الولايات المتحدة، حتى سنة 2026، على تفوق واضح في الاستثمار الخاص وإنتاج عدد كبير من النماذج المتقدمة. فقد بلغ الاستثمار الخاص الأمريكي في الذكاء الاصطناعي خلال سنة 2025 نحو 285.9 مليار دولار، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين. غير أن هذه المقارنة لا ترصد التمويل الصيني كاملاً، لأن جزءاً مهماً منه يمر عبر صناديق حكومية وآليات استثمار تقودها الدولة. وفي المقابل، تقلص الفارق التقني بين النماذج الأمريكية والصينية، وتبادلت نماذج البلدين صدارة بعض اختبارات الأداء منذ مطلع 2025(. ([Stanford HAI]
لا تتعامل الصين مع الذكاء الاصطناعي باعتباره سوقاً واعدة فقط. فقد ربطت خطتها الوطنية منذ سنة 2017 بينه وبين تحديث الاقتصاد والمجتمع والدفاع وحماية الأمن القومي، وحددت هدفاً يتمثل في بناء مركز عالمي رائد للابتكار بحلول 2030. وتواصل بكين توسيع هذا التوجه عبر إدماج الذكاء الاصطناعي في الصناعة والصحة والنقل والإدارة والبحث العلمي. (([National Government Portal of China]
لهذا تفرض الولايات المتحدة قيوداً متتابعة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها وبعض البرمجيات المرتبطة بتصميمها. ولا تستهدف هذه القيود التجارة وحدها، بل تسعى إلى إبطاء قدرة الصين على تدريب النماذج الكبرى وتطوير تطبيقات عسكرية واستخباراتية متقدمة. غير أن القيود نفسها تدفع بكين إلى تسريع برامجها الخاصة بالاستقلال التكنولوجي، فتتحول سياسة الاحتواء إلى محفز لبناء منظومة صينية أكثر استقلالاً.
تتحول الرقائق إلى مفاتيح للسيادة
تختزل أشباه الموصلات جوهر الصراع لأنها تحدد سقف ما تستطيع الخوارزميات إنجازه. لا يكفي أن تمتلك الدولة علماء ومهندسين وبيانات؛ بل تحتاج أيضاً إلى رقائق قادرة على تنفيذ مليارات العمليات بكفاءة وسرعة، وإلى معدات شديدة التعقيد لتصميم تلك الرقائق وتصنيعها.
يصف المؤرخ الاقتصادي كريس ميلر هذه البنية بأنها سلسلة من “نقاط الاختناق”، لأن شركة واحدة أو شركتين فقط تسيطران على بعض المراحل الأكثر تقدماً، بينما تصنع شركة TSMC التايوانية معظم الرقائق المستخدمة في النماذج الرائدة (كريس ميلر، حوار حول جغرافيا صناعة الرقائق، “Financial Times”، 2024). ويؤكد مؤشر ستانفورد لعام 2026 أن مصنعاً تايوانياً واحداً ينتج تقريباً جميع الرقائق المتقدمة للذكاء الاصطناعي، بما يجعل الصناعة العالمية مرتبطة بموقع جغرافي شديد الحساسية. (([Financial Times]
يفسر هذا التركز انتقال تايوان من هامش الخرائط السياسية إلى قلب الحسابات الاستراتيجية. فأي اضطراب واسع في مضيقها لن يوقف صناعة الهواتف والحواسيب فقط، بل قد يعطل تدريب النماذج، ويصيب قطاعات السيارات والطيران والاتصالات والدفاع والأسواق المالية.
تفرض الطاقة حدودها على الذكاء
تحتاج النماذج الكبرى إلى مراكز بيانات تستهلك كميات متزايدة من الكهرباء والمياه ومساحات واسعة من الأراضي. لذلك لا يعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على الخوارزميات وحدها، بل يرتبط بشبكات الكهرباء والغاز والطاقة النووية والمتجددة وقدرة الدول على تمويل البنية التحتية.
تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يقترب استهلاك مراكز البيانات من 945 تيراواط ساعة عالمياً بحلول 2030، أي ما يقارب ضعف مستواه في 2024. كما ارتفع استهلاك مراكز البيانات المخصصة أساساً للذكاء الاصطناعي بنحو 50 في المائة خلال سنة 2025، مما يوضح أن التنافس الحاسوبي يتحول سريعاً إلى تنافس على الطاقة.
يمنح هذا الواقع الدول الغنية بالطاقة أو القادرة على إنتاج كهرباء مستقرة ومنخفضة الكلفة ميزةً استراتيجية. ويفسر اتجاه شركات التكنولوجيا إلى توقيع عقود طويلة الأجل مع منتجي الطاقة، وإحياء الاهتمام بالمفاعلات النووية، وبناء مراكز البيانات قرب مصادر الكهرباء والمياه وشبكات الألياف البصرية.
تعيد الآلة تشكيل القرار والوعي
لا تختصر خطورة الذكاء الاصطناعي في خسارة الوظائف أو انتشار الأخبار الزائفة. تكمن قوته الأعمق في قدرته على التدخل بين الإنسان والعالم: يقترح ما يقرأه، ويرتب ما يراه، ويجيب عن أسئلته، ويختار له طرق الوصول إلى المعلومة، وقد يتحول تدريجياً من أداة مساعدة إلى وسيط يحدد إطار التفكير نفسه.
يميز يوفال نوح هراري بين الاختراعات السابقة والذكاء الاصطناعي لأن الأخير يستطيع اتخاذ قرارات وإنتاج أفكار دون تدخل بشري مباشر. ويحذر قائلاً: “لا تستدعِ أبداً قوة لا تستطيع السيطرة عليها” (يوفال نوح هراري، مقتطف من كتاب “Nexus”، 2024). ولا يقصد بذلك روبوتاً خيالياً يتمرد فجأة، بل أنظمة تدخل الاقتصاد والسياسة والإعلام والإدارة قبل أن تبني المجتمعات مؤسسات قادرة على فهمها ومحاسبتها. (([The Guardian]
وتنقل شيري تاركل النقاش إلى مستوى العلاقة الإنسانية. فهي ترى أن السؤال لا يقتصر على ما تستطيع برامج المحادثة فعله، بل يشمل “ما الذي تفعله بنا، وبفهمنا للحميمية والفاعلية والتعاطف؟” (شيري تاركل، “Who Do We Become When We Talk to Machines?”، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 2024). وتحذر من مساواة محاكاة التعاطف بالتعاطف نفسه، لأن النظام يستطيع إنتاج الكلمات الملائمة من دون أن يشعر بالألم أو المسؤولية أو الخوف أو الالتزام الأخلاقي. ([An MIT Exploration of Generative AI)
يؤثر هذا التحول في ميزان القوة أيضاً. فالشركات التي تدير المساعدات الرقمية لا تملك بيانات المستخدمين فقط، بل تستطيع التأثير في اللغة التي تصاغ بها الأسئلة، وفي الأجوبة التي تبدو معقولة، وفي الخيارات التي تظهر أولاً. وهكذا تنتقل السلطة من السيطرة على المعلومات إلى المشاركة في تشكيل الإدراك.
تحاول الحكومات تنظيم قوة تتحرك أسرع منها
اعتمد الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي، ودخل حيز التنفيذ في الأول من أغسطس 2024، ليصنف الأنظمة بحسب درجات الخطر، ويحظر بعض الاستعمالات، ويفرض التزامات على الأنظمة عالية المخاطر والنماذج العامة. ويهدف القانون إلى حماية الصحة والسلامة والحقوق الأساسية والديمقراطية، مع الحفاظ على إمكانات الابتكار. ([European Commission)
وتدعو المؤسسة الوطنية الأمريكية للمعايير والتكنولوجيا إلى إدماج إدارة المخاطر والثقة والأمن في جميع مراحل تصميم الأنظمة وتطويرها واختبارها واستعمالها، بدلاً من انتظار ظهور الضرر بعد إطلاقها. كما تحذر الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني من تسميم البيانات، والتلاعب بالنماذج، وسرقة الملكية الفكرية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في توسيع الهجمات الإلكترونية.
غير أن التنظيم يواجه معضلةً واضحة: تخشى الحكومات أن تؤدي القواعد الصارمة إلى إبطاء شركاتها أمام منافسين أقل تقيداً، وتخشى في الوقت نفسه أن يطلق التساهل أنظمة لا تستطيع مراقبتها. لذلك لا يدور الخلاف بين الابتكار والمنع، بل بين نماذج مختلفة لتوزيع المخاطر والأرباح والمسؤولية.
تتسع الفجوة بين من يصنع ومن يستهلك
تحتكر الدول مرتفعة الدخل 87 في المائة من النماذج البارزة، و86 في المائة من الشركات الناشئة، و91 في المائة من تمويل رأس المال المخاطر، رغم أنها لا تمثل سوى 17 في المائة من سكان العالم. كما تستضيف 77 في المائة من طاقة مراكز البيانات التجارية، بينما لا تتجاوز حصة الدول منخفضة الدخل 0.1 في المائة. ([World Bank)
يحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من “تباعد كبير جديد” قد يقسم العالم بين دول تشكل الذكاء الاصطناعي ودول يعاد تشكيلها بواسطته. وتختصر كاني ويغناراجا هذه المفارقة بقولها: “يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة، بينما لا تزال دول كثيرة عند خط الانطلاق” (كاني ويغناراجا، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2025).
تواجه المنطقة العربية خياراً استراتيجياً
تستثمر الإمارات والسعودية وقطر في مراكز البيانات والطاقة والحوسبة والشراكات الدولية، وتستفيد من قدرتها التمويلية ومن موقعها بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. كما يملك المغرب عناصر يمكن البناء عليها، من الاستقرار والمؤسسات الصناعية ومشروعات الطاقة المتجددة والبنية الاتصالية والقرب من أوروبا وإفريقيا.
لكن امتلاك مراكز بيانات أو استيراد تطبيقات جاهزة لا يصنع سيادة تكنولوجية. تحتاج المنطقة إلى جامعات بحثية منتجة، وتمويل مستمر للمختبرات، وتعليم رياضي ولغوي قوي، وبيانات محلية موثوقة، ونماذج تفهم العربية والأمازيغية والسياقات الاجتماعية، وأطر قانونية تحمي المواطنين من المراقبة والتمييز والتلاعب.
يعيد الذكاء الاصطناعي، في النهاية، تعريف القوة بوصفها قدرةً على إنتاج المعرفة والحوسبة والطاقة والمعايير، لا مجرد امتلاك المال أو السلاح. لذلك لم يعد السؤال من سيطور التطبيق الأكثر إثارة، بل من سيملك البنية التي تصنع القرارات، ومن سيضع قواعدها، ومن سيدفع كلفة أخطائها. لن يقود العالمَ بالضرورة من يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، بل من يفهمه ويبني شروطه ويحمي مجتمعه من أن يتحول من شريك في صناعته إلى مادة خام لنماذج يصممها الآخرون.








0 تعليق