عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من طنجة إلى الجزيرة الخضراء.. هسبريس ترصد كواليس أكبر عملية عبور للجالية - بوابة المدينة برس
لم يكن المشهد داخل ميناء طنجة المتوسط مجرد حركة اعتيادية للمسافرين والسيارات، مئات العائلات المغربية المقيمة بالخارج تصطف في طوابير منظمة، أطفال يلهون، وآباء يترقبون لحظة صعود السفن نحو الضفة الأخرى. وبين أصوات مكبرات النداء، وحركة عناصر الأمن والجمارك، وفرق مؤسسة محمد الخامس للتضامن، تتجسد واحدة من أكبر عمليات العبور الموسمية في العالم، التي تتجاوز بعدها اللوجستي لتصبح، كما يصفها المسؤولون، “عملية إنسانية قبل أن تكون عملية نقل”.
رافقت هسبريس مراحل من “عملية مرحبا” انطلاقا من ميناء طنجة المتوسط وصولا إلى ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، لتقف عن قرب على حجم التعبئة التي ترافق عودة ملايين المغاربة المقيمين بالخارج إلى أرض الوطن، وعلى الآليات التي تجعل من هذه العملية نموذجا فريدا في تدبير تدفقات بشرية بهذا الحجم.
“مرحبا”.. 26 سنة من مواكبة مغاربة العالم
منذ انطلاقها قبل ستة وعشرين عاما تحولت “عملية مرحبا” إلى موعد سنوي ينتظره أفراد الجالية المغربية، في تجسيد للعناية التي يوليها الملك محمد السادس لمغاربة العالم.
وتتواصل العملية، التي تشرف عليها مؤسسة محمد الخامس للتضامن خلال الفترة الممتدة من 10 يونيو إلى 15 شتنبر، عبر منظومة استقبال تضم 26 فضاء، منها 20 مركزا بالمغرب وستة مراكز بالخارج، موزعة بين إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث توفر خدمات اجتماعية وإدارية وطبية للمسافرين. وقد جندت المؤسسة أكثر من 1134 مساعدا اجتماعيا، إلى جانب 105 أطباء و111 ممرضا لتأمين المواكبة الصحية والإنسانية للمسافرين.

مليون و864 ألف وافد في شهر واحد
داخل فضاء الاستقبال بميناء طنجة المتوسط يوضح عمر موسى عبد الله، المكلف بالمشاريع بمؤسسة محمد الخامس للتضامن، أن مؤشرات الموسم الحالي تؤكد استمرار الارتفاع في أعداد الوافدين.
ويقول موسى عبد الله، في تصريح لهسبريس، إن العملية سجلت، بعد نحو شهر من انطلاقها، دخول مليون و864 ألف مغربي مقيم بالخارج إلى أرض الوطن، إلى حدود 20 يوليوز الجاري، وهو رقم يفوق المسجل خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، مضيفا أن الوافدين توزعوا بشكل متقارب بين النقل الجوي والبحري، بينما استقبل ميناء طنجة المتوسط وحده حوالي 70 في المائة من مجموع العابرين.
وتوزعت حركة المسافرين بشكل شبه متكافئ بين النقل الجوي والبحري، مع تسجيل تفضيل طفيف للرحلات الجوية التي اختارها 938,641 مسافراً (ما يمثل نسبة 50.39% من الإجمالي)، في حين استقر عدد مستعملي النقل البحري في حدود 923,968 مسافراً (بنسبة 49.61%).
ويضيف المسؤول ذاته أن مؤسسة محمد الخامس للتضامن قدمت إلى حدود هذه المرحلة أكثر من 21 ألفا و413 خدمة اجتماعية وإنسانية وإدارية، من بينها 2417 تدخلا طبيا، شملت الإسعافات الأولية والرعاية الصحية، خاصة لفائدة كبار السن والنساء والأطفال، ويؤكد أن الموسم الحالي لم يشهد حوادث خطيرة تستدعي تدخلا استثنائيا، باستثناء حادثة سير تعرضت لها حافلة تقل مغاربة العالم بين القنيطرة والرباط، حيث تدخلت فرق المؤسسة لتقديم الإسعافات، ونقل المصابين إلى المستشفيات، وتأمين حافلة بديلة لضمان استمرار رحلة المسافرين.

“حج” نحو الوطن
من جهته يصف جعفر أعميار، المدير المركزي لاستغلال ميناء طنجة المتوسط، عملية “مرحبا” بأنها تشبه من حيث الحجم والتنظيم “حجا إلى الوطن”.
ويبرز أعميار أن ميناء الجزيرة الخضراء يعالج سنويا حوالي ستة ملايين مسافر، نصفهم تقريبا خلال فترة “مرحبا”، فيما يستقبل ميناء طنجة المتوسط نحو 1,8 مليون مسافر و463 ألف سيارة خلال شهرين فقط، مع تسجيل منحى تصاعدي في أعداد العابرين عاما بعد آخر.
ويؤكد المسؤول ذاته أن العملية لم تعد مجرد تدبير لحركة النقل البحري، بل أصبحت منظومة إنسانية واجتماعية متكاملة، بفضل الشراكة مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي تضفي على العملية بعدا إنسانيا يتجاوز الجوانب التنظيمية.
ولا تنتظر إدارة الميناء نهاية الموسم للشروع في الإعداد للدورة المقبلة، فبمجرد انتهاء كل نسخة تنطلق اجتماعات تقييم بين مختلف المتدخلين المغاربة والإسبان، تشمل الوزارات، وشركات الملاحة، والسلطات المينائية، من أجل تطوير مخطط الأسطول البحري وتحسين تدبير التدفقات البشرية.

وفي هذا الإطار كشف المتحدث نفسه أن الموسم الحالي عرف إدماج سفن جديدة ذات طاقة استيعابية أكبر، خاصة على الخطوط البحرية، بما يساهم في استقرار أسعار التذاكر وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين.
ولا يقتصر الاهتمام داخل الميناء على تسهيل إجراءات العبور فقط، بل يشمل فضاءات انتظار مجهزة، ومناطق لعب للأطفال، ومرافق صحية، ومناطق مظللة، وتوزيع المياه، إضافة إلى أجهزة رذاذ لتلطيف الأجواء في ظل موجات الحر، مع توفير شاحنات متنقلة للخدمات في فترات الذروة.
كما جرى تعزيز الطاقة الاستيعابية للميناء بإضافة رصيف تاسع لاستقبال السفن الكبرى، ونشر ماسح ضوئي رابع لتسريع إجراءات المراقبة الجمركية، فضلا عن تخصيص ثلاثة آلاف مكان لركن السيارات، وتكوين مخزون احتياطي من المياه والمواد الغذائية تحسبا لأي طارئ قد يفرض انتظارا طويلا للمسافرين.
قصص تضامن خلف الكواليس
وخلف الأرقام تبرز قصص إنسانية تكشف الوجه الآخر لعملية “مرحبا”. يستحضر المدير المركزي للميناء حادثة تعطل حافلة تقل مغاربة العالم قادمة من فرنسا، حيث تكفلت مؤسسة محمد الخامس للتضامن بتوفير حافلة بديلة، وتأمين انتقال الركاب إلى السفينة، قبل مواصلة رحلتهم نحو المغرب.

وفي حالات أخرى تتدخل فرق المؤسسة لحل مشاكل مرتبطة بانتهاء صلاحية جوازات السفر أو وثائق الإقامة خلال رحلة العودة، من خلال التنسيق مع السلطات المختصة لتسهيل عبور أفراد الجالية، إلى جانب مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن.
وعند الوصول إلى ميناء الجزيرة الخضراء تتجلى صورة أخرى للتنسيق المغربي الإسباني، حيث تستمر فرق المواكبة في استقبال المسافرين وتوجيههم، في مشهد يعكس سنوات من التخطيط والتنسيق بين مختلف المتدخلين على ضفتي المتوسط.
ويجمع المسؤولون الذين التقت بهم هسبريس على أن نجاح “عملية مرحبا” لا يقاس فقط بعدد السفن أو المسافرين، وإنما بقدرتها على جعل رحلة ملايين المغاربة المقيمين بالخارج أكثر أمنا وكرامة، وتحويل أكبر عملية عبور موسمية في حوض المتوسط إلى نموذج دولي يجمع بين الكفاءة اللوجستية والبعد الإنساني، ويؤكد أن صلة مغاربة العالم بوطنهم ليست مجرد رحلة صيفية، بل موعد متجدد مع الانتماء.
التنسيق المغربي الإسباني
من جانبه أكد مانويل سانشيز دي ألكازار غارسيا، رئيس قسم الحماية والأمن بميناء الجزيرة الخضراء والناطق باسم السلطة المينائية، أن نجاح “عملية مرحبا” يعود بالأساس إلى مستوى التنسيق القائم بين مختلف المتدخلين المغاربة والإسبان، وعلى رأسهم السلطات المينائية والمصالح القنصلية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن.

وقال المسؤول الإسباني، في عرض للصحافة حضرت هسبريس تقديمه، إن هذا التعاون أصبح “عنصرا أساسيا” في تدبير واحدة من أكبر عمليات العبور الموسمية في العالم، مشيدا بالعمل المشترك مع المؤسسة المغربية والمصالح القنصلية، الذي يضمن، بحسبه، انسيابية حركة المسافرين كل سنة.
وأضاف المتحدث ذاته أن جميع المؤشرات تؤكد نجاح نسخة هذه السنة، بفضل التنسيق المحكم بين السلطات المينائية في الضفتين المغربية والإسبانية، إلى جانب التواصل اليومي بين مختلف المتدخلين لتدبير فترات الذروة وضمان التدخل السريع عند الحاجة.
استثمارات مليونية لتعزيز البنية التحتية
وكشف غارسيا أن السلطات المينائية الإسبانية خصصت هذه السنة استثمارات تناهز ثلاثة ملايين أورو لتطوير التجهيزات والبنيات التحتية بميناءي الجزيرة الخضراء وطريفة، في إطار الاستعدادات الخاصة بعملية “مرحبا”، وزاد أن مليوني أورو إضافيين رُصدا لتغطية المصاريف التشغيلية المرتبطة مباشرة بالعملية، بما يشمل الخدمات اللوجستية والتنظيمية الموجهة لضمان انسيابية عبور أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج خلال فترة الذروة.
وأوضح المسؤول نفسه أن الفترة الممتدة بين فاتح وثاني غشت ستعرف أعلى مستويات حركة العبور في اتجاه المغرب، فيما ستنطلق مرحلة العودة ابتداء من 20 غشت، حيث يرتقب تسجيل ارتفاع كبير في حركة المسافرين في الاتجاه المعاكس، من المغرب نحو إسبانيا، مؤكدا أن الاستعدادات الخاصة بهذه المرحلة اكتملت لضمان مرورها في أفضل الظروف.

وأشار سانشيز دي ألكازار غارسيا إلى أن ميناء الجزيرة الخضراء يتوفر على طاقة استيعابية تصل إلى سبعة آلاف موقف للسيارات، فضلا عن مختلف المرافق والخدمات الموجهة للمسافرين، من فضاءات للأكل والاستراحة، وخدمات إدارية وأمنية، سواء بميناء الجزيرة الخضراء أو ميناء طريفة.
تقليص مدة الانتظار
وفي ما يتعلق بالتدابير التنظيمية أوضح المتحدث أن نظام الحجز المسبق، الذي يحدد تاريخ وساعة العبور، ساهم بشكل كبير في تنظيم تدفق المركبات، غير أن السلطات مازالت تواجه تحديا يتمثل في وصول نسبة من السيارات إلى الميناء من دون تذاكر مسبقة، وهو ما قد يمثل حوالي 30 في المائة من إجمالي المركبات الوافدة خلال بعض الفترات، مؤكدا أن مختلف المصالح تعمل على تقليص هذه الظاهرة لما لها من أثر مباشر على سلاسة العبور.
كما تطرق المصدر ذاته إلى اعتماد نظام المراقبة البيومترية الجديد بالمراكز الحدودية، موضحا أن تطبيقه رافقته بعض الإشكالات التقنية المحدودة في البداية، إلا أن فرق العمل تمكنت من تجاوز معظمها بفضل التنسيق المستمر بين مختلف الأجهزة الأمنية والإدارية.
وختم المسؤول الإسباني بالتأكيد على أن مختلف هذه الإجراءات ساهمت في تقليص مدة الانتظار، مبرزا أن متوسط زمن الانتظار خلال الموسم الماضي لم يتجاوز ساعتين ونصف الساعة، وهو ما يعكس، بحسبه، فعالية التخطيط المسبق وجودة التنسيق بين السلطات المغربية والإسبانية.








0 تعليق