عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الذهب... الهبوط ميكانيكي وإعادة التموضع حتمية - بوابة المدينة برس
مع إقفالات الأسبوع المنصرم، يكون الذهب قد سجل خسارة للأسبوع الرابع على التوالي بضغط صمود الدولار والتوقعات برفع أسعار الفائدة الأميركية بوتيرة أسرع لكبح التضخم، ليظل المعدن الثمين يحوم حول مستوى 4000 دولار بخسائر تراوحت بين %20 و%29 عن أعلى مستوياته التي سجلها في شهر بداية العام، وقبل اندلاع الحرب الأميركية - الإيرانية، بعد تقلبات حادة وغير تقليدية، متناقضة مع أساسيات السوق ومدفوعة بارتفاع الدولار وتوقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية لمواجهة التضخم.
فنياً، لا تعبر هذه التقلبات عن أداء أصل استراتيجي وملاذ آمن كالذهب إطلاقاً، خصوصاً، أنها حدثت في أجل زمني قصير نسبياً.
وأساسياً، فليس من المفترض أن يكون ذلك هو أداء الذهب في ظل ظروف جيوسياسية بالغة الحساسية كالحرب التي وضعت أوزارها في الشرق الأوسط منذ أيام.
وفي ظل هذا التناقض بين أداء الذهب خلال الفترة، وبين ما يجب أن يحققه طبقاً للفنيات واستناداً لأساسيات السوق، تناقضت، وبشكل صارخ، توقعات خبراء الأسواق والمستثمرين والمؤسسات المالية وبيوت الخبرة وصنّاع المحتوى، وحتى تجار المعدن الثمين أنفسهم، بين سيناريوهات متفائلة بعودة الذهب للارتفاع إلى مستويات قياسية وبين سيناريوها متشائمة باستمرار التراجعات، فقد أشار بنك «جي بي مورغان» في 9 يونيو الجاري، إلى أن طلب البنوك المركزية قد يدفع الذهب إلى مستوى قرب 6000 دولار للأوقية بنهاية 2026، وأن يصبح مستوى 6300 دولار ممكناً في 2027.
بينما خفض «غولدمان ساكس» توقعه لسعر الذهب في نهاية 2026 إلى 4900 دولار من 5400 دولار، وفق مذكرة نقل موقع «ماركت ووتش» جانباً منها الأسبوع الماضي، بعد تراجع رهانات خفض معدلات الفائدة هذا العام وازدياد احتمال بقاء السياسة النقدية الأمريكية أكثر تشدداً.
وخفض بنك «يو بي إس» توقعه لنهاية 2026 إلى 5500 دولار للأوقية من 5900 دولار، في التوقعات الصادرة أواخر الشهر الماضي، مشيراً إلى مخاطر استمرار الضغوط من ارتفاع عوائد سندات الخزانة وقوة الدولار، لكنه أبقى نظرة إيجابية أطول أجلاً مع استمرار الطلب الهيكلي من البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات.
ورأى بنك «مورغان ستانلي»، في مذكرة صادرة 5 مايو الماضي، أن مسار الذهب نحو 5200 دولار في النصف الثاني من العام أصبح أكثر صعوبة من دون عودة قوية لتدفقات صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب، لأن هذه التدفقات أصبحت أكثر حساسية لمسار الفدرالي والعوائد الحقيقية والدولار.
وبين هذا وذاك، يمكن تلخيص الأسباب المباشرة والنمطية لتراجع الذهب بهذه المعدلات، إلى عدة عوامل متداخلة:
أولاً: قوة الدولار الأميركي وتزايد التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة ما يعزز جاذبية السندات والأصول ذات العائد ويحد من الطلب على الاملاذات الآمنة.
ثانياً: تباطؤ مشتريات البنوك المركزية مقارنة بالفترات السابقة.
ثالثاً: صعود أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ما يجذب السيولة بعيداً عن الذهب بالتزامن مع تراجع المخاوف الجيوسياسية، عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
رابعاً: ضغوط السيولة في الأسواق العالمية، ومن بينها التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وتداعيات الحرب بشكل عام وإغلاق المضيق لفترة طويلة بشكل خاص، ما يجعل الذهب أكثر عرضة لعمليات البيع السريعة.
لكن منطقياً، كان هناك العديد من الأساسيات تدفع إلى صعود الذهب، أو على الأقل عدم هبوطه بهذه المستويات، خصوصاً أنه كان هناك توقعات بعدم تخفيض الفائدة في ظل معدلات التضخم الحالية، وربما رفعها، كما أن الذهب ما زال يحتفظ بدوره كأداة للتحوط وتنويع المحافظ الاستثمارية على المدى الطويل، تحديداً في أوقات الحروب والأزمات الجيوسياسية، كما حدث منذ الحرب الروسية - الأوكرانية والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ما يعني توافر العديد من الأساسيات لصعود الذهب خلال الفترة الماضية وليس هبوطه، أو على الأقل تراجعه بمستويات أقل، إذن، فما الذي حدث؟!
ما حدث هو ما يمكن تسميته هبوطاً ميكانيكياً أو هندسياً بعيداً عن أساسيات السوق، تم على عدة مراحل أعادت توجيه السيولة من المعدن إلى أصول أخرى:
أولها: ارتفاع الدولار بشكل لافت بعد استعادته للثقة خلال فترة الحرب وتوجهات زيادة الميزانيات الدفاعية وشراء الأسلحة.
ثانيها: الأسواق لا تعمل عادة بناء على قاعدة واحدة، بل على معطيات وسلاسل مرتبطة، بدأت في هذه الحالة بالنفط الذي ارتفع نتيجة الحرب وشح الإمدادات الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم، ومن ثم بقاء أسعار الفائدة مرتفعة وإمكانية رفعها مرتين أو ثلاث مرات قبل نهاية العام الجاري، وهنا، بدأت جاذبية السندات الأميركية تزداد ونافست مرتبة الذهب، فواصل تراجعه مع تزايد المخاطر.
ثالثهما: ما يمكن تسميته بالإجراء العقابي الذي اتخذه الذهب كأصل استراتيجي ومخزن للقيمة وكملاذ آمن اتجاه المتعاملين الذين تعاملوا معه كأصل مضاربي، يقومون بشرائه اليوم ويبيعونه غداً، فبدلوا خصائصه وشوهوا سلوكه، للدرجة التي دفعت بالكثير من المراقبين وصف ارتفاعاته بالفقاعة، كما حدث مع أصول وقطاعات أخرى في أسواق عدة، كل ذلك بالإضافة إلى حالة الفزع المفتعلة التي صنعتها بعض وسائل الإعلام وصناع المحتوى لهولاء المشترون والتي كانت كفيلة باستمرار التراجعات.
ضرورة مراقبة المؤشرات الخاصة بقياس النشاط الاقتصادي لمعرفة الأداء المستقبلي للذهب
أما ما سيحدث خلال الفترة القادمة، وبعيداً عن كل تلك التوقعات التي ناقض معظمها ما حدث بالفعل، والمحركات المفتعلة لحركة الملاذ الآمن، واستناداً إلى أساسيات السوق والمؤشرات الاقتصادية، فيجب مراقبة المؤشرات الاقتصادية الخاصة بقياس النشاط الاقتصادي، وتحديداً مع انتهاء الحرب كمسبب رئيس، وإعادة تمركز الثروات، فإذا سجلت تلك المؤشرات ركوداً اقتصادياً، فيمكن اعتبار المستويات الحالية كنقطة دعم للأسعار لتتجاوز مستوياتها القياسية السابقة، أما إذا ظلت مخاوف التضخم ومستويات الفائدة المرتفعة هي المخيمة على الأسواق، فقد نشهد حركة تصحيحية أكثر قسوة، يحقق فيها الذهب أكثر السيناريوهات تشاؤماً، قبل أن يعود للارتفاع مرة أخرى مستكملاً أدائه التاريخي ومتموضعاً ككونه أهم الملاذات الآمنة، ولذلك عليك كمستثمر طويل الأجل أن تراقب أسعار النفط ومؤشرات التضخم الأميركي وقرارات الاحتياطي الفدرالي وأداء الدولار وعوائد السندات الأميركية، أما إذا كنت مضارباً، فعليك أن تبحث عن أصل استثماري آخر يناسب سياساتك الاستثمارية.
ختاماً، هذا التقرير ليس توصية لشراء الذهب أو بيعه، ولا محاولة لتوقع أدائه خلال الفترة المقبلة، بل هو إقرار واقع، يستند إلى سلسلة من معطيات السوق الأساسية والفنية، والبيانات التاريخية محركها الأساسي هو خصائص الذهب كأصل استراتيجي وملاذ آمن، وسيبقى.







0 تعليق