عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم شغف الساحرة المستديرة.. المونديال بعدسة أساطير المدرجات - بوابة المدينة
يبدو أن حكايات كرة القدم لم تعد تنتهي عند صافرة النهاية، بل باتت تبدأ أحيانًا من حيث تنتهي المباراة داخل الملعب؛ فبين هدف يُسجل وفرص تضيع ونتيجة تُحسم، تتشكل رواية أخرى في المدرجات تتحول فيها الجماهير من مجرد متفرجين إلى عنصر أساسي في صناعة الحدث، تشارك اللاعبين البطولة ذاتها، بصيحاتهم وأعلامهم ودموعهم واحتفالاتهم التي صنعت بعضًا من أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرة اللعبة.
وفي مونديال كأس العالم 2026، عادت المدرجات لتؤكد مكانتها بوصفها مسرحًا موازيًا للمناوشات التي تدور على أرضية الملاعب، فالكاميرات لم تكتفِ بملاحقة الكرة بين أقدام اللاعبين، بل التقطت وجوهًا ومشاهد اختزلت مشاعر ملايين المتابعين حول العالم.
ومع تكرار هذه المشاهد، لم يعد حضور الجمهور تفصيلًا بصريًا عابرًا في البطولة، بل أصبح جزءًا من سرديتها، فكل مباراة باتت تُقرأ عبر مستويين متوازيين: ما يحدث بين اللاعبين داخل الخطوط البيضاء، وما يتشكل في المدرجات من انفعالات وهتافات وشعارات وهويات تمنح الحدث بعده الإنساني الأوسع.
الهوية البصرية
باستثناء النتائج والأرقام التي طبعت مسار بطولة كأس العالم الحالية المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لكن برزت الجماهير كأحد أهم عناوين البطولة، ومن أبرز هذه المشاهد كان المشجع الكونغولي المعروف بـ"لومومبا"، الذي تحول من مجرد حضور جماهيري إلى رمز بصري ثابت في مباريات منتخب بلاده، حيث يظهر دائمًا بهيئة تشبه التمثال، واقفًا دون حركة طوال المباراة، رافعًا ذراعه في إشارة مستوحاة من رمزية الزعيم الكونغولي الراحل باتريس لومومبا.

هذه الحالة لم تعد مجرد سلوكًا فرديًا، بل باتت جزءًا من الهوية البصرية للجمهور الكونغولي وهوية المدرجات الكونغولية نفسها، حتى إن المنتخب ضمّه لاحقًا إلى وفده الرسمي خلال البطولة بموافقة رسمية من المسؤولين، وكأنه أصبح فردًا من عناصر الفريق نفسه. كما تصدر مشجع تركي منصات التواصل بإطلالة لافتة قام فيها بطلاء وجهه بالأسود مع لحية بيضاء كثيفة، فيما أثار مشجع من غانا تفاعلًا واسعًا خلال مواجهة فريقه ضد بنما بعد قيامه بحركات ربطها المتابعون مازحين بـ"السحر الأسود"، خاصةً بعدما سجلت غانا هدف الفوز في الدقيقة 95 من المباراة بعد تداول اللقطة.
وفي الجانب الإنساني الأكثر تأثيرًا، انتشرت على نطاق واسع مشاهد دموع الأطفال والمشجعين بعد خسائر مؤثرة، وعلى رأسها الطفل التركي الذي انهار بالبكاء عقب إحدى مباريات فريق بلاده، وطفل آخر من أوزباكستان، في لقطة عكست التأثير النفسي العميق لكرة القدم، وحدود تأثير الهزيمة على الفئات الأصغر سنًا، وكيف يمكن لمباراة واحدة أن تتحول إلى تجربة وجدانية كاملة تتجاوز حدود الرياضة.

فرضت اللقطات الطريفة حضورها كذلك بقوة، مثل "البطة المكسيكية" التي ظهرت خلال احتفالات الشوارع مرتدية قميص المنتخب المكسيكي، قبل أن تتحول لاحقًا إلى رمز جماهيري غير متوقع، يرمز لطبيعة التفاعل الشعبي مع كرة القدم خارج الإطار التقليدي للاعبين والملاعب، كما ظهرت توترات جماهيرية في بعض المباريات، من بينها أجواء الاحتكاك بين جماهير الأرجنتين والجزائر.
إلى جانب ذلك، برزت لقطات لافتة لجماهير اتخذت من الانضباط والنظافة رسالة بصرية مؤثرة، من خلال مشاهد لجماهير اليابان والبرتغال والأردن وهي تقوم بتنظيف المدرجات بعد انتهاء المباريات، في حين لم تغب المشاهد الاحتفالية العفوية عن المشهد، حين تحولت لحظات الانتصار إلى موجات فرح جماعي داخل الملاعب وخارجها، امتدت إلى الشوارع والساحات العامة في أكثر من دولة، لتجعل من كرة القدم حدثًا اجتماعيًا كاملًا وليس رياضيًا فقط.
أساطير المدرجات
لا تتعلق شهرة بعض المشجعين بالمظهر فقط، بل بقصص طويلة من الولاء والانتماء، فبعضهم أنفق مدخراته وسافر آلاف الكيلومترات خلف منتخب بلاده، فيما واظب آخرون على حضور البطولات الكبرى لعقود متتالية رغم التقدم في العمر أو التحديات المالية والصحية في قصص كثيرة منحتهم مكانة خاصة لدى الجماهير والإعلام، وجعلتهم جزءًا من الحكاية الكروية نفسها.

بالإضافة إلى المشجع الكونغولي "لومومبا"، يبرز كذلك المشجع المكسيكي هيكتور تشافيز، المعروف باسم "كاراميلو"، الذي ارتبط حضوره بمنتخب المكسيك في جميع بطولات كأس العالم منذ نسخة عام 1986، وحضر أكثر من 500 مباراة رسمية وودية للمنتخب، وكذلك المشجع الأرجنتيني الراحل "كارلوس باسكوال الشهير بـ "تولا"، والذي رافق منتخب بلاده في عشرات النسخ من كأس العالم منذ 1974، وتسلم جائزة أفضل جمهور من الفيفا نيابةً عن جماهير الأرجنتين، وتوفي عام 2024 عن عمر 83 عامًا.
وفي جنوب أفريقيا، تحولت المشجعة جوي تشاوكي أو "ماما جوي"، كما تشتهر في الأوساط الرياضية، إلى أيقونة رياضية معروفة بحضورها الدائم خلف المنتخبات الوطنية حتى تم تعيينها سفيرة رياضية، وفازت بالعديد من جوائز "مشجعة العام"، وترأست رابطة مشجعي كرة القدم الأفريقية، فيما اكتسب السنغالي محمد ساليو نداي، المعروف إعلاميًا بـ "مشجع الليزر"، شهرته الواسعة بعد ظهوره وهو يوجه أشعة الليزر نحو اللاعبين خلال مواجهات حاسمة، لدرجة أن شركة الطيران السنغالية أطلقت حملة للبحث عنه لمؤازرة منتخب بلاده في نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية الماضية.
في جنوب أفريقيا أيضًا تحولت قصة المشجع بوثا مسيلا إلى مادة إعلامية بعدما قطع مسافات شاسعة بوسائل نقل بسيطة لمساندة منتخب بلاده في البطولات القارية، حيث وصل إلى القاهرة قادمًا من مدينة كيب تاون فى رحلة شاقة أصر على قطعها بمفرده، ورغم أن رحلته كادت تتوقف على الحدود الإثيوبية مع كينيا بعد مواجهته للكثير من المصاعب، لكنه أصر أن يكمل رحلته إلى مصر.
وعلى الجانب الأوروبي، فرض الهولندي دانييل أوردت نفسه كأحد أشهر مشجعي القارة ببدلته البرتقالية التي باتت جزءًا من المشهد الجماهيري لمنتخب هولندا، أما الكرواتية إيفانا كنول فتحولت خلال مونديال قطر 2022 إلى ظاهرة إعلامية عالمية بملابسها المثيرة المخططة بألوان الشعار المركزي على علم بلادها، على الرغم من قواعد اللباس الرسمية في الدولة المضيفة، بينما خطفت الباراغوانية لاريسا ريكيلمي التي اشتهرت عالميًا بلقب "خطيبة المونديال"، الأنظار في بطولة كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا، حتى باتت وجهاً مألوفاً في المدرجات.
سر الشغف
منذ أكثر من قرن، لم تُبنَ شعبية كرة القدم على المهارات الفردية والألقاب فقط، بل على قدرتها الاستثنائية على خلق شعور جماعي بالانتماء، وتحويل ملايين الأشخاص من ثقافات ولغات مختلفة إلى شركاء في الفرح والحزن والترقب؛ فحين انهار طفل باكيًا، وحين تحولت فرحة آلاف المشجعين في شوارع مدن العواصم العالمية إلى احتفالات جماعية استمرت لساعات، كان السؤال: كيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تثير كل هذا الكم من المشاعر لدى أشخاص لا يشاركون أصلًا في اللعب؟

يجيب علم النفس الاجتماعي، في دراسة بمجلة sports innovation journal، بأن العلاقة بين المشجع وفريقه لا تقوم على المتابعة الرياضية فقط، بل على ما يُعرف بـ "الهوية الاجتماعية"، إذ يميل الأفراد إلى تعريف أنفسهم من خلال الجماعات التي ينتمون إليها، سواء كانت وطنًا أو دينًا أو مهنة أو فريقًا رياضيًا، بحيث يصبح الفريق مع مرور الوقت جزءًا من صورة الفرد عن نفسه، فيشعر بأن نجاحه أو إخفاقه يمسه شخصيًا.
لهذا السبب لا يتعامل المشجع مع المباراة باعتبارها حدثًا خارجيًا يشاهده من بعيد، بل باعتبارها تجربة يعيشها بنفسه، فعندما يسجل فريقه هدفًا، يفرز الدماغ استجابات عاطفية مشابهة لتلك المرتبطة بالنجاح الشخصي، بينما تؤدي الهزيمة إلى مشاعر حقيقية من الحزن أو الإحباط أو حتى الغضب، والتي تلعب دورًا أساسيًا في بناء العلاقة النفسية طويلة الأمد بين المشجع والفريق.
وبحسب مراجعة علمية في مجلة Nature، يفسر علماء النفس ظاهرة التعلق الشديد بالفرق الرياضية من خلال ما يعرف بنظرية "نشوة المجد المنعكس"، وهي ميل الأفراد إلى ربط أنفسهم بانتصارات الجماعة التي ينتمون إليها لتعزيز تقديرهم لذواتهم، لهذا السبب نسمع المشجع يقول "فزنا" أو "تأهلنا" رغم أنه لم يشارك في المباراة، في حين ينأى آخرون في المقابل بأنفسهم عن الفريق عند الخسارة لحماية صورتهم الذاتية.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الفرد فقط، فالملاعب تمنح الناس تجربة نادرة تتمثل في الشعور الجماعي المتزامن، فآلاف الأشخاص يهتفون في اللحظة نفسها، ويحتفلون أو يحزنون للأسباب نفسها، ما يخلق إحساسًا قويًا بالاندماج داخل جماعة أكبر، لذلك لا تكتفي كرة القدم ببناء هويات محلية أو وطنية، بل تخلق أيضًا شعورًا بالانتماء إلى مجتمعات أوسع تتجاوز الحدود الجغرافية.

وربما لهذا السبب ظلت كرة القدم، رغم تغير القوانين وتطور التكنولوجيا وتبدل الأجيال، قادرة على الاحتفاظ بمكانتها كأكثر الرياضات شعبية في العالم، فهي لا تمنح الجماهير مجرد مباراة تستمر تسعين دقيقة، بل تمنحهم فرصة متكررة للشعور بالانتماء والمعنى والمشاركة في قصة جماعية أكبر من حدود الملعب نفسه.
تأثير الجمهور
خلصت مراجعة علمية في مجلة Frontiers إلى أن الجماهير تؤثر في الجوانب النفسية والأدائية للرياضيين، سواء من خلال الدعم أو الضغط أو خلق بيئة تنافسية مختلفة عن المباريات الخالية من الجمهور، حتى في مفهوم "أفضلية الأرض" الذي يمنح الفرق مميزات كثيرة في عالم كرة القدم، لكن يمثل الدعم الجماهيري أحد أهم أسباب تفوق الفرق على أرضها، إذ يؤثر بصورة مباشرة في نتائج المباريات، كما يمكن أن يؤثر حتى في بعض القرارات التحكيمية المرتبطة بالضغط الجماهيري المحيط بالمباراة.
ولا تقتصر أهمية المدرجات على تأثيرها الرياضي فحسب، بل تمتد إلى بعدها الثقافي أيضًا، فالهتافات والأغاني والأعلام واللافتات والملابس الشعبية التي تظهر في المباريات تعكس في كثير من الأحيان هوية الشعوب والثقافات المختلفة، ما بين جمهور يدندن أغانيه الخاصة، وآخرون يعرضون طقوسهم الاحتفالية، فيما اشتهرت جماهير أخرى مثل اليابان في أكثر من بطولة بسلوكهم المنظم وحرصهم على تنظيف المدرجات بعد المباريات، في مشاهد مختلفة تعكس قيمًا اجتماعية وثقافية تتجاوز كرة القدم نفسها.
لهذا لم يعد الجمهور مجرد عنصر يملأ المقاعد أو يرفع مستوى الضجيج داخل الملاعب، بل يمثل جزءًا من هوية اللعبة، فكما تُحفظ أسماء اللاعبين والمدربين في ذاكرة البطولات، تبقى المدرجات بما تحمله من أصوات وألوان وملابس ورموز وشعارات شاهدة على أن كرة القدم ليست منافسة رياضية فقط، بل تجربة إنسانية وثقافية جماعية يشارك في صناعة أجوائها الملايين حول العالم.




0 تعليق