عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم متحف البيضاء للفنون البصرية .. تحفة يابانية تحتضن الفوتوغرافيا المغربية - بوابة المدينة برس
في قلب المدينة العتيقة بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، تجد الصورة موئلا لها بمتحف جديد، يحكي قصة صور البيضاء، أناسا، ومباني، وأقدارا، وقصة صور من مغرب ولّى، ومغارب، ومغاربة، وتجارب تشهد على واقع، أو تُشكّل عبر الصورة جديدا ممكنا.
“متحف الفوتوغرافيا والفنون البصرية” قطعة فنية، حتى قبل الامتلاء بقطع من فنون الصورة؛ فهذا المبنى الذي صمّمه المعماري الياباني تاداو أندو بارز الأثر في مشهد المعمار المعاصر، يزاوج بين خصائص مغربية معروفة في القلاع والحصون من تقويسات وأبواب وجدران تميل إلى اللون الترابي البرتقالي، وبين بصمات خاصة له: الخرسانة ذات اللون الإسمنتي الرمادي، وخضرة النباتات المدمجة كجزء من الفضاء، والاعتماد على الضوء الطبيعي في إنارة المكان.
وبهذا المتحف بصمة خاصة تميزه عن متاحف أخرى، هي ما يلوح من لوحات فوتوغرافية خلف زجاجه الشفاف، في واجهته الرئيسية، غير القابلة للتغطية؛ مما يجعل معروضاتٍ إبداعية جزءا من الفضاء العام، ومعيش المارة، والساكنة المجاورة له، في حيّ شعبي مليء بقرب الجيرة والحياة.

أما أحشاء المتحف، فسلسة في عين ناظرها؛ أدراج جانبية، ذات خصائص موحدة في اللون والشكل والملمس، تربط طوابق العرض الثلاثة، وأدراج داخلية هي مسلك مختصر، ومتعة معمارية.
افتتح المتحف الجديد حياته العامة بمعارض متعددة، من بينها “معرض كازا” الذي يجعل أكبر مدن المغرب موضوعا للنظر والتأمل؛ بوصف “الدار البيضاء الحديثة وُلدت من العدم إثر صدمة حداثية في مطلع القرن العشرين؛ فانبثقت من قطيعة تاريخية، وفرضت نفسها سريعا كمختبر (…) ولأنها لم ترث عصرا ذهبيا تاريخيا من الماضي، فقد صنعت المدينة البيضاء أسطورتها الخاصة باعتبارها حاضرة حديثة (…) ومن هذه المكانة تحديدا تستمد قدرتها على الجذب”.
في هذا المعرض صور معمار البيضاء المبهر مقارنة بقريناتها المغربية؛ ناطحات سحاب، وأشكال تطلّق صراحة “التقاليد” المعمارية المغربية لقرون ما قبل القرن العشرين، وفيه أيضا “رئتها المحدثَة” مسجد الحسن الثاني الذي صار علامتها البارزة، ويبدو اليوم، مثل مدينته، كأنه كان قائما منذ الأزل.

وفي هذا المعرض أيضا “المعمار الكولونيالي” المحدّث بحقبة ولّت، لا من الاحتلال الأجنبي فقط، بل من التقاليد المعمارية التي صارت غريبة حتى عن منبتها وراء البحار، في ظل زحف ما بعد الحداثة، وتنافراتها التي تمقت التناسق، والتنسيق.
وبما أن “المدينة تكتسب حياتها الحقيقية من أولئك الذين يسكنونها، ويتنقلون في فضاءاتها، ويساهمون في تحويلها يوما بعد يوم”، يجد الناظر مشاهد هي “دور بيضاء” أو “دار بيضات”، أو بصيغة أشمل: الدار البيضاء.
في هذه الصور معائش وحيوات؛ شباب وحلاقاتهم وألبستهم، سكن في القصدير أو في ناطحات السحاب، امرأة تزاوج بين الجلباب والكعب العالي، وأخرى تتشح برداء أحمر في مكان آخر مدينة وطبقة… صنّاع تقليديون، ومغاربة يضعون إرثهم موضوعا ينتَبه لمجاورته بعد مسافةٍ، ولوحات معاصرة وقرميد أخضر، وموسيقى “البوب” الغربية وأبطال “الكرة” مؤثّثين لفضاء العيش، وكتابات جدارية تعبّر عن الرأي والاختيار…
ومن الدار البيضاء إلى المغرب، يحكي رواق بالمتحف قصصا مصورة للموسيقى المغربية، منها ما يثير الانتباه حول فترة من تاريخ تزيّن رجال بلباس ليس لهم، لأداء أدوار من لم يكن لهنّ ولوج للأداء المسرحي، ثم صور فرق يتجاور فيها رجال ونساء، باستلهامات شرقية وغربية.

بهذا المتحف أيضا جزء من تاريخ الفوتوغرافيا بالمغرب، بدءا من صور التقطتها عدسات السلطان عبد العزيز نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من داخل قصره، ثم صور المغاربة داخل مختبرات التصوير العمومية؛ التي علّمت فئات من المجتمع كيفية الوقوف أمام الكاميرا.
ولفن البورتري حظّ بمتحف الفوتوغرافيا بالبيضاء، الذي يجد فيه الناظر نظرات أعلام أحياء وراحلين: الطيب الصديقي، محمد زفزاف، محمد مفتاح، ثريا جبران، محمد مجد، الشعيبية طلال، نور الدين الخماري، فريد بلكاهية…
وبمحطة أخرى، يجد الناظر توثيق عدسات أخرى لنظرات خالد الجامعي، وأبراهام السرفاتي، وعبد اللطيف اللعبي، وشمعون ليفي، وإدريس الشرايبي، ومبارك ربيع، وعائشة الشنا، وإدريس الخوري، وعبد الوهاب الدكالي، وآخرين وأخريات.

ولا يقدم المعرض فوتوغرافيا الاكتشاف والانطباع والتوثيق فقط، بل يقدم تجارب فوتوغرافية تجريبية، تمتحن الذاكرة، والانتماء، ومكانة الإنسان داخل المجتمع، امرأة ورجلا، وما يغذي المجتمع من حيوات عبر الهجرات، أو تعيد تأطير صور تاريخية، بتغيير اللون، أو الخلفية، أو زاوية النظر.
وفي تجربة فوتوغرافية بعنوان “نعم، نحن مغاربة!”، يجد الناظر مغاربة بشكل عولمي يعكس اختيارا أو تأثرا موسيقيا وجماليا، صاخبا، عابرا للحدود والمخيالات.
وبتعدّد المعارض والمساهمين فيها من مغاربة وأجانب ومغاربة خارج حدود البلد، يجد الناظر موضوعا مشتركا، يمكن أن يلمه عنوان التجربة المذكورة سالفا: “نعم، نحن مغاربة!”، دون أن يفهم هذا الانتماء دافعا للانغلاق؛ لأن ما جمع بين الصور متحف مغربي من تصميم ياباني، يُعرف صاحبه باستلهامه لما يثيره في بلده الأم وتجربة المعمار المعاصر الخرساني في العالم المعاصر.

كما أن مدينة المتحف هي الدار البيضاء؛ وليدة اصطدامات عوالم ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية من أنحاء العالم. ومغاربةُ الصور وغير المغاربة؛ ذوو بصمات، وذاكرات، ومخيالات، وتطلعات، ليست واحدة، ولا تقف عند حدودٍ على سراب؛ تصيرُ نفسَها، فيصير معها، بلدها، إلى شيء جديد، لا يعتقد بركوده إلا الذاهل عن حيوية لم تتوقف.








0 تعليق