عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الألعاب الإلكترونية - بوابة المدينة برس
الألعاب الإلكترونية وبناء كفايات التوجيه
كلما ذكرت الألعاب الإلكترونية، انصرف الذهن مباشرة إلى الإدمان، والعنف، وضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، حتى أصبحت في نظر كثير من الأسر والمؤسسات التعليمية مرادفا للخطر الذي يهدد المتعلم والطفل على الأخص. غير أن هذا التصور، رغم وجاهته في حالات الاستعمال المفرط وغير الموجه، لا يعكس الصورة الكاملة. فقد شهدت صناعة الألعاب الإلكترونية خلال العقدين الأخيرين انتشارا واسعا، جعل منها بيئات رقمية معقدة، تستدعي التخطيط، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي، والتعلم من الخطأ، وهي كفايات أصبحت المدرسة نفسها مطالبة بتنميتها لدى المتعلمين.
لقد أثبت الواقع أن منطق المنع وحده لم يعد كافيا. فالألعاب الإلكترونية أصبحت جزءا من الأنشطة اليومية للأطفال، والمنع لا يؤدي إلى اختفائها، بل إلى ممارستها بعيدا عن الأعين، في غياب أي مواكبة أو توجيه. لذلك فإن الرهان التربوي لم يعد في مقاومة هذه الظاهرة، بل في فهمها واستثمار ما تحمله من إمكانات تعليمية، مع الحد من مخاطرها.
وتؤكد الأدبيات التربوية الحديثة أن الألعاب الإلكترونية ليست كلها متشابهة. فقد بين الباحث اللغوي والباحث الأمريكي جيمس بول جي (James Paul Gee) أن كثيرا من الألعاب الجيدة تقوم على مبادئ تعليمية فعالة؛ فهي تضع اللاعب أمام مشكلات حقيقية، وتتيح له التجريب، وتوفر تغذية راجعة فورية، وتشجعه على إعادة المحاولة دون الخوف من الفشل. كما تلتقي هذه المبادئ مع التصور البنائي لدى جون بياجيه (Jean Piaget)، الذي يرى أن التعلم يتم من خلال النشاط وبناء المعرفة، ومع الطرح السوسيوبنائي لدى ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky) الذي يؤكد أهمية التفاعل والتعلم التعاوني. أما نظرية التدفق (Flow) التي قدمها السيكولوجي المجري- الأمريكي ميهالي تشيكسينتميهالي (Mihaly Csikszentmihalyi)، فتفسر قدرة بعض الألعاب على الحفاظ على دافعية الطفل، لأنها توازن بين مستوى التحدي ومستوى قدراته، فتولد شعورا بالاندماج والإنجاز.
وتكشف نتائج البحوث في علوم الأعصاب أن البيئات التي تتطلب التخطيط، والمرونة المعرفية، واتخاذ القرار، والتكيف مع المواقف الجديدة، تنشط الوظائف التنفيذية للدماغ (الفص الجبهي). لذلك، فإن القيمة التربوية لبعض الألعاب لا تكمن في كونها رقمية، بل في طبيعة العمليات العقلية التي تستثيرها. غير أن هذه الفوائد تبقى مرتبطة بالاستخدام المتوازن، وباختيار ألعاب تناسب عمر الطفل، وتسهم في بلوغ الهدف التعلمي.
وتبرز هنا علاقة وثيقة بين الألعاب الإلكترونية والتوجيه المدرسي والمهني. فالتوجيه لم يعد يقتصر على مساعدة المتعلم في اختيار شعبة دراسية أو مهنة، بل بات يسهم في تنمية كفايات معرفة الذات، وتحديد الأهداف، والمقارنة بين البدائل، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وبناء المشروع الشخصي. والمثير للاهتمام أن كثيرا من الألعاب تجعل الطفل يمارس هذه العمليات بصورة تلقائية؛ فهو يحدد الهدف، ويختار الاستراتيجية، ويواجه الفشل، ويعيد المحاولة، ويقيم نتائج قراراته. إنها بهذا المعنى، “مختبر آمن للتعلم بالمحاولة والخطأ”، وهو ما يتقاطع مع مفهوم الكفاءة الذاتية الذي طوره ألبرت باندورا (Albert Bandura)، حيث يصبح الفشل خطوة في مسار التعلم، لا نهاية له.
غير أن تحويل الألعاب الإلكترونية إلى فرصة تربوية لا يمكن أن يتم بصورة عفوية. فاللعبة نفسها قد تكون وسيلة للتعلم، وقد تتحول في الوقت ذاته إلى مصدر للإدمان والعزلة إذا غاب التأطير. لذلك، فإن القيمة التربوية للألعاب لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بالبيئة الحاضنة التي تضم الأسرة، والمدرسة، ومختلف الفاعلين. ويلاحظ في هذا الصدد أن المدرسة المغربية بدأت تستثمر اللعب التعليمي ضمن الممارسات البيداغوجية، بيد أن الرهان المستقبلي يتمثل في توسيع هذا التوجه ليشمل استثمار بعض الألعاب الرقمية في تنمية التفكير، والتخطيط، واتخاذ القرار، وبناء المشروع الشخصي للمتعلم.
علاوة على ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن المدرسة لا ينبغي أن تستبدل اللعب الواقعي باللعب الرقمي. فالطفل يحتاج إلى الحركة، والتفاعل المباشر، واللعب الجماعي، لأنها تنمي التواصل، والتعاون، والذكاء الوجداني، والشعور بالانتماء. أما الاقتصار على الخبرات الرقمية الفردية، فقد يعزز الميل إلى العزلة، ويزيد من مخاطر الإدمان الرقمي. لذلك، فإن المقاربة التربوية المتوازنة تقوم على تكامل اللعب الواقعي والرقمي، لا على إقصاء أحدهما لصالح الآخر.
إن جوهر القضية لم يعد يكمن في اللعبة الإلكترونية ذاتها، بل في الطريقة التي نختار بها توظيفها بيداغوجيا. وإذا كان النقاش قد تجاوز ثنائية المنع أو الإباحة إلى البحث في سبل الاستثمار التربوي لهذه البيئات الرقمية، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في ضمان استفادة جميع المتعلمين منها على قدم المساواة. فكيف يمكن تحويل هذه المقاربات المبتكرة إلى حق تربوي يكرس الإنصاف وتكافؤ الفرص، وهما من الركائز الأساسية للإصلاح التربوي (2015/2030)، بدل أن تظل رهينة تفاوت الإمكانات بين المؤسسات والمجالات الترابية؟








0 تعليق