رحيل الشاعر محمد السرغيني يطوي مسارا رائدا في تحديث القصيدة المغربية - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم رحيل الشاعر محمد السرغيني يطوي مسارا رائدا في تحديث القصيدة المغربية - بوابة المدينة برس

في سنة عيشه السادسة والتسعين رحل عن دنيا الناس محمد السرغيني، أحد أبرز شعراء المغرب، بعد مسار كان فيه رائدا للمغامرة الشعرية، وأكاديميا أطر أجيالا من الباحثين، وناقدا وساردا أغنى الخزانة القارئة باللغة العربية، وتوج بجوائز من قبيل “الأركانة العالمية للشعر” و”جائزة المغرب للكتاب”.

ونعى بيت الشعر في المغرب “أحد آباء التحديث في القصيدة المغربية الحديثة، وأحد المؤسسين للدرس الأدبي في الجامعة المغربية، التي اشتغل بها أستاذا منذ ستينيات القرن الماضي، حيث توزعت اهتماماته بين الإبداع الشعري والترجمة والنقد، مستفيدا من تكوينه الأكاديمي وإتقانه اللغات الأجنبية، خاصة الفرنسية والإسبانية”.

“مغربي.. لسوء حظه!”

في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية قال الشاعر والأكاديمي محمد علي الرباوي: “تعرفت على أستاذي محمد السرغيني شاعرا قبل أن أجلس إليه طالبا، وهذا التعرف جعله كبيرا في عيني، لأني لمست في شعره إنجازا مختلفا عما كان يُنشر في سنوات السبعين بالمغرب الأقصى، وحتى بالمشرق”، وتابع: “كان شاعرا أعجبت بمغامراته الشعرية المتفردة، وكنت أرى أن شعره ليس متاحا فهمه لكل القراء، ولكن ما به من غموض ليس غموضا كما هو مألوف عند كثير من شعرائنا الشباب، بل كان غموضا مرتبطا بالمخزون الثقافي الذي كان يستقي منه شعره، ولكي تفهمه عليك أن تكون مثقفا ثقافته؛ هذا الأمر جعلني أحب شعره، كما أحببت شعر كبار الشعراء العرب، وهو واحد منهم.

وكنت أرى وأنا في بداية السبعينيات أن هذا الشاعر لو عاش بالمشرق العربي لكان يمكن أن يكون اسما آخر، اسما منتشرا على الصعيد العربي (…) لكن سوء حظه أنه مغربي”.

ثم تابع الرباوي: “هذا الكلام الذي أقوله عنه كان في السبعينيات، ثم في الثمانينيات جلست أمامه طالبا، وكنت أضع مسافة بيني وبينه، بصفته أستاذا، لكنه رحمه الله كان يحطم هذه المسافات، ويتخذني صديقا له، رغم أنني طالب أجلس أمامه، وكنت أشعر وأنا بجانبه، إما في بيته وإما في سيارته، بأنني أجلس مع طفل، أو أجلس مع شاعر يعيش بقلب طفل، وكنت أسعد حينما تخرجت وعينت أستاذا بكلية وجدة، بزيارته لهذه المدينة، حينما يأتي إليها مناقشا بعض الرسائل، وكنت أتجول معه بين أزقة المدينة العتيقة بوجدة، فاكتشفت أن الرجل كان معلما بها في سنوات الخمسين، واكتشفت أنه يعرفها زقاقا زقاقا، ويأسف وهو يرى تحولاتها السلبية، ويقول: هذا المكان كان أفضل مما عليه”.

وشهد الأكاديمي ذاته بأن محمدا السرغيني “رجل أحب طلبته، وساعدهم على إنجاز أعمالهم الجامعية، وسأل عنهم قبل أن يسألوا عنه”، موردا: “فقدت عزيزا علي، كان يطوقني بحبه، أنا وأخي حسن الأمراني وصديقي المرحوم محمد بنعمارة”.

وفي ختام شهادته طلب المتحدث الاهتمام بالأعمال الشعرية الكاملة للسرغيني، “التي ظهرت في حياته ونشرتها وزارة الثقافة”؛ لأن “النسخة المتوافرة في الأسواق نسخة رديئة تحتاج أن نسهر بجد لكي نصححها (…) ونقدمها إلى القارئ المغربي والعربي”.

من الرومانسية إلى الصوفية

في تصريح لهسبريس قال الشاعر والأكاديمي عبد اللطيف الوراري إن محمدا السرغيني “ينتمي إلى جيل الستينيات في تاريخ الشعر المغربي الحديث، وهو الجيل الذي شكل حضوره الإبداعي المختلف بمثابة طفرة نوعية مست أطر التحويل الشكلي والإيقاعي والبناء النصي الدلالي في سيرورة حداثة هذا الشعر”، وتابع: “على غرار أبناء جيله بدأ محمد السرغيني رومانسيا، كما يفصح عن ذلك ما سمّاه ‘ما قبل الأشعار الأولى’، التي كان يُوقعها باسمه المستعار محمد نسيم. وفي ‘الأشعار الأولى’ نعثر على بدايات تشكل الأسلوب الشعري عنده، وهو يمتد زمنيا ما بين أربعة وخمسين وسبعة وستين من القرن الفائت. وفي هذه الحقبة الخصيبة من عمره، وكان بعضه يتشكل في بغداد بوصفها قطب رحى التحديث الشعري والفني، يقف الشاعر في طليعة الشعراء المجددين الذين فتحوا تجاربهم لسنوات طوال على رياح الحداثة التي كانت تهب على وتائر من المشرق والشمال، على حد سواء، وأفادوا بها نسغ القصيدة المغربية أيما إفادة”.

ثم أردف الوراري: “طوال المشروع الشعري الثري بمضامينه الفكرية وأبعاده الفنية والجمالية، الذي انخرط فيه الشاعر محمد السرغيني بدأب ومعرفة، بمنأى عن أيّ شهرة أو مجد شخصي، يلاحظ المتتبع أنه مر بمراحل أساسية؛ فقد كان أول مساره مهجريا، يعكس وجدانا رومانسيا ينحو نحو الأنا الجمعي، ثم انعطف إلى الواقعية في سياق الالتزام الأيديولوجي مع ما فيه من وهم التكفير عن إثم التأمل الهارب من الزيف إلى المثال، قبل أن يلوذ بالصوفية باعتبارها رؤيا ولغة وفكرا، لا استنساخا أو ممارسة سطحية يقصد بها الإبهار المؤسس على فراغ”.

ثم أجمل المتحدث بقوله: “إذا كان المرجعان الرومانسي والواقعي قد ولّيا إلى غير رجعة فإن المرجع الصوفي مثّل لتجربة الشاعر مختبرا حيا للصور والاستعارات والرؤى، بشكل جعل من بنية التجربة بنية متشعبة ومنفتحة على كل الأزمنة والأمكنة والاحتمالات، على نحو كان يمتحن آلية الكتابة ويضعها وجها لوجه أمام علل وجودها”.

شعرية ممتنعة

وفي مقال نعي الشاعر محمد السرغيني كتب الشاعر والناقد صلاح بوسريف: “يبقى محمد السرغيني ممتنعا، ليس على القراء، بل على الشعراء والباحثين والنقاد، ومنهم من قرأه من خارج تجربته (…) أو اختزله في غيره ممن عاصروه، وهو كان خارج هذا كله، داخل ذاته التي ظل حبيسا فيها، صامتا إلى أن لفظ كلمته الأخيرة، تركنا نتهجاها، لنعرف ما أوصى به، أو ما كان وديعته التي تركها في ذمتنا، دون أن يشي بما فيها من سر وسحر”.

وأضاف بوسريف: “الذين قرؤوا شعر محمد السرغيني وجدوه مستعصيا، مغلقا، تتعذر عليهم مفاتيحه، أو أن المفاتيح ليست نفسها كل مرة، وفي هذا يكون الشعر تجربة بالأسلوب، تجربة بالرؤيا، وتجربة بلغة لا يمكن أن نقرأها خارج ذات الشاعر، وما تتقاطع به مع لغة تتشكل إبان كتابتها”، ثم علق على تجربته “الرومانسية” وما كتبه من شعر بعدها: “كان أفقا فيه حدثت القطيعة مع ما سبق، ليس في تجربة الشاعر، بل في تجارب من كانوا معه من جيله، ومن جاؤوا بعده”.

وشهد الشاعر والناقد ذاته على أن السرغيني “لم ينشر كل ما كتبه”، بل ترك “جزءا من شعره، في المجلات والجرائد، رأى أنه ليس ما كان يصبو به إلى الشعر، أو الكتابة، بالأحرى، كما سيكون في تجاربه الأخيرة، التي فيها الشعر رقى بالشعر، إلى ذلك الغموض المضيء، الذي كلما اشتد ضوؤُه ازداد غموضا، لا ليكون إبهاما، بل ليكون استكشافا، أو معنى لا يفتأ يتشكل، يتلعثم، أو هو في طور الكلام الدائم، لا الكلام الذي يقال دفعة واحدة، ينتهي قبل أن تلفظ، أو تلفظ منتهيا”.

وتحدث الناقد عن السنوات الأخيرة من عيش الشاعر السرغيني الذي رحل في سنته 96، واصفا إياها بـ”سنوات صمت لا يليق بشاعر كان دائم الكتابة، لم ينقطع عنها، ولا هو ترك يده تكتم رعشاته، أو تموت فيها رعشاتها التي هي ما نشأت به”، بعد مسار جاوز ستة عقود راوح خلالها “بين مدارس وتيارات وأنماط شعرية مختلفة، لم يستقر في أرض، ولا في زاوية، فيها حشر نفسه؛ بل كان كالطائر يحلق في المساحات المتاحة، وما كان يكتشفه من فراغ، في مساحات أو فضاءات لم يكن غيره عرفها، أو دخل إليها”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق