عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الحاجة صباح السبتاوية - بوابة المدينة برس
“لكل امرأة من اسمها نصيب”، وهكذا هي الحاجة صباح دودح، التي كانت رعايتها الأخلاقية هي الشمس التي أشرقت على عتمة الوالجين إلى سبتة المحتلة على خلفية العبور الجماعي الأخير. مغربية الهوية ولدت في الحاضرة الشمالية المحتلة سنة 1959، لكنها حملت الشعور بالانتماء إلى الإنسان في قلبها، وإلى المغرب في سلوكها وقوة خطابها.
لم تكن الحاجة صباح السبتاوية، التي تكرّمها هسبريس في هذا الركن الحيوي، بحاجة إلى صفة رسمية تؤهّلها لصناعة الفرق، كما لم يكن مفعول تحركها بحاجة إلى مظلّة حكومية ليحظى بالانتعاش والانتشار؛ فقد تحركت بدافع فطري أعمق وأسبق، لتغدو ببيتها الصغير وسلوكها العفوي أوسع من مؤسسة، وأكبر من كل مبادرة مشلولة في لحظة الأزمة.
تصرّفت بحجم البلد، وكانت رّبما “أكثر حزماً من الحكومة” في التدخل الميداني وامتصاص الفوضى. فحين تقاعس المسؤولون واكتفى المجنّدون بالعنف تجاه المهاجرين، كما أظهرت الصور الرائجة، كانت الحاجة صباح تُدبّر القضية بحنكة الأم التي تتولى كل شيء بنوع من الصمت، قبل أن يأتي وقت الكلام فعلاً.
فتحت أبوابها لاستقبال شباب وأطفال أتعبهم تجديف يفصل بين مدينتين في وطن واحد، فبحث عنها الإعلام طواعية لأنها تحمل قصة تجسد الصوت المختلف، وتستحقّ أن تروى للعالم؛ تجولت حولها الكاميرات التي أُثقلت بما وجدته في سبتة المحتلة من خطابات الميز والكراهية والتحريض والعنصرية التي تتغذى من اليمين في المدينة وفي إسبانيا صاحبة الاحتلال وفي أوروبا كلها.
هكذا تنظر هسبريس إلى الأمر: أمّ تدير أزمة إنسانية بقلبها، فتحملها الصحف في عنوان جديد: “الأم تيريزا”، التي حوّلت خصوصية بيتها وملك عائلتها إلى ورشة لصناعة الدفء الإنساني، وإلى عناية بمن جاء يبحث عن أفق جديد فوجد الأبواب موصدة ضمن عملية “تواطؤ شبه جماعي”: “جوّعوهم حتى يعودوا”، أو هكذا يبدو الأمر.
ثلاث وجبات يومية وفرتها الحاجة صباح للمهاجرين غير النظاميين المغاربة وغيرهم، إلى جانب خدمات إنسانية شاملة امتصت بها صدمة الضياع؛ غسلوا أجسادهم في بيتها، وساعدتهم بالملابس والأحذية… جندت محيطها للتعامل مع الوضع كمدخل رئيسي لإعادة شيء من الطمأنينة إلى أرواح اصطدمت بحقيقة الهجرة المرة وما يخفيه لها الإقدام “المتهوّر” على اجتراح أسئلة المجهول في الضفّة نفسها.
تتناقل الوكالات والفضائيات والمواقع أنباء الاغتصاب في حق القاصرات المغربيات، لكن ما يُحكى أن السبتاوية حمت منهن ما استطاعت إليه سبيلاً؛ خَصّت بعض الفتيات والنساء بعناية تضمن حمايتهنّ من خطر الشارع ونظرات الخوف، لأن كل أزمة في العالم تُقاس “إدارتها الجيدة” بحجم تحصين الفئات الهشة. وقد قدمت الحاجة صباح مثالاً جديداً للتدخل المدني الميداني.
استفاد من كان “محظوظاً” من خدماتها الإنسانية التي لا ترجو وراءها أي اعتراف، لأنها نالت الاعتراف الذي تستحقه أساساً وبلا أيّ ضجيج أو ادعاء، اعتراف “تمغرابيت”، الذي يكاد يصير عملة نادرة في زمن الشح والشعارات الفائضة؛ ظهرت كما هي، بثيابها البسيطة وغطاء رأسها المغربي، وحركتها العفوية وصوتها الصادق، مستغنية عن منصات الثناء.
تستحضرها هسبريس في هذا الركن لأن المعدن المغربي الأصيل يتجلى مؤثراً في قلب ما يقع، بيد أنّ ما يثير الانتباه أيضاً في سلوكها هو خطابها، الذي يخلو من كل وصاية مشبوهة، إلى الضمير النائم للمهاجرين. حذرت الجميع بلسان الأم الحريصة، مرّة أخرى، من البوار والضياع الذي قد يرافق هذا التماسك الفطريّ والجغرافي الذي مازالت تقتحمه إسبانيا بنوع من الإلحاح الإستراتيجي.
رحبت بمن ضاع، لكنها لم تُهادن الخارجين عن مألوف الدخول إلى الثغر المحتل، لم تجاملهم عندما بدت إرهاصات تخطي الحدود المبدئية التي تؤطّر كل تعاون أخلاقي؛ رفعت منسوب النقد المتزن، وفرّقت في الآن ذاته بشجاعة بين السمين والغثّ من سكان سبتة، رافضة الشمولية الجائرة ومتشبثة بإرث الجوار الحقيقي دون أن تتنازل عن هويتها الوطنية الثابتة.
تطرح الحاجة صباح السبتاوية نموذجاً للقيم الكاملة والمتزنة للإنسانية عندما تتكلم بلهجة مغربية. أثبتت السيدة الخيّرة أن رحمة واحدة قادرة، كما كتب الأكاديمي البارز عبد الفتاح الحجمري في هسبريس، على إرجاع الشعور للشباب بأنهم مرئيون وجديرون بالكرامة، وأكدت أن الفعل الميداني الصادق أبلغ من ألف خطاب حكومي.








0 تعليق