"التوقيت الميسر" يضع الجامعة المغربية أمام تحديات التمويل وتكافؤ الفرص - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "التوقيت الميسر" يضع الجامعة المغربية أمام تحديات التمويل وتكافؤ الفرص - بوابة المدينة برس

قال إبراهيم حمداوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن الجدل الدائر حول نظام “التوقيت الميسر” في الجامعة المغربية يتجاوز مسألة تنظيم أوقات الدراسة، ليرتبط بأسئلة أوسع تتعلق بمجانية التعليم وجودة التكوين وتكافؤ الفرص وتمويل الجامعة العمومية.

وأوضح حمداوي، في مقال سوسيولوجي تحليلي بعنوان “الجامعة المغربية في مرآة التوقيت الميسر: مقاربة سوسيولوجية في إشكاليات الإصلاح ومأزق العدالة”، أن إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار توحيد رسوم التسجيل الخاصة بهذا النظام ابتداء من الموسم الجامعي 2026-2027 أعاد النقاش بشأن العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل، وحدود المجانية، والسبل الممكنة لتمويل التكوينات الجامعية.

وأضاف الأستاذ الجامعي ذاته أن النقاش يتقاطع، في تقديره، مع ثلاثة رهانات رئيسية، ترتبط بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وجودة التكوين الجامعي، وحكامة المؤسسات الجامعية، معتبرا أن نجاح أي إصلاح يظل مرتبطا بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يجري فيه.

وبحسب الأكاديمي المغربي جاء نظام “التوقيت الميسر” للاستجابة أساسا لحاجات الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم وتطوير مساراتهم الأكاديمية والمهنية، إذ تبرمج الدراسة في أوقات مسائية أو خلال نهاية الأسبوع، بما يسمح بالتوفيق بين الالتزامات المهنية والتكوين الجامعي.

وأشار حمداوي إلى أن معطيات أوردها في مقاله تفيد بأن نسبة الطلبة الموظفين في بعض أسلاك الماستر والدكتوراه تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهو ما يفرض، بحسب قراءته، إعادة النظر في النموذج الجامعي القائم أساسا على التفرغ للدراسة، بالنظر إلى تزايد الإقبال على التعلم المستمر وتطوير الكفاءات بعد الولوج إلى سوق الشغل.

وسجل صاحب المقال أن الخلاف حول الرسوم المرتبطة بالنظام أفرز مواقف سياسية وأكاديمية ونقابية مختلفة، لافتا إلى موقف أحمد التويزي، عضو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي اعتبر المبالغ المؤداة “رمزية مقابل امتياز الدراسة بنظام التوقيت الميسر”، في مقابل موقف نائب برلماني عن فريق التقدم والاشتراكية رأى في الإجراء “مسا بالرسالة النبيلة للجامعة العمومية القائمة على تكافؤ الفرص والمجانية”.

ويرى حمداوي أن هذا الاختلاف يعكس تباينا في تعريف مفهوم العدالة، بين من ينظر إليها من زاوية الحفاظ على مجانية الولوج إلى التعليم ومن يعتبر أن مساهمة بعض المستفيدين القادرين على الأداء قد تسمح بتوجيه موارد أكبر إلى الفئات الأكثر احتياجا.

وتوقف أستاذ علم الاجتماع عند موقف وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين ميداوي، الذي وصف الإجراءات المرتبطة بالموضوع بأنها “ميثاق أخلاقيات تصون الجامعة والعمل على حد سواء”، ودعا، وفق ما أورده المقال، إلى “التجرد في رؤية المستقبل، ولو اقتضى الأمر الاصطدام في ما بيننا”، معتبرا أن النقاش الجاري يعكس صعوبة التوفيق بين متطلبات الإصلاح والمحافظة على الوظيفة الاجتماعية للجامعة.

وفي الجانب المتعلق بالتمويل قال حمداوي إن تحسين جودة التعليم الجامعي يحتاج إلى موارد لتطوير البنيات التحتية والتجهيزات المختبرية والبحث العلمي والتكوين المستمر للأساتذة، موضحا أن رسوم “التوقيت الميسر” تقدم، في التصور المدافع عنها، باعتبارها إحدى آليات تنويع موارد الجامعات من دون المساس بمجانية التكوين النظامي.

وربط الأكاديمي هذا التوجه بمبدأ “تقاسم التكلفة” المعتمد في عدد من أنظمة التعليم العالي، الذي يقوم على مساهمة المستفيد من بعض التكوينات المهنية أو المستمرة في جزء من كلفتها، خصوصا عندما يكون موظفا أو أجيرا وينتظر أن يحقق من التكوين مكاسب مهنية لاحقة.

غير أن صاحب المقال اعتبر أن الحكم على جدوى هذه الرسوم يرتبط بكيفية توظيف مواردها، متسائلا عما إذا كانت ستنعكس فعليا على تحسين التكوين والخدمات الجامعية، ومشددا على أهمية ربط أي موارد إضافية بالشفافية في التدبير وبنتائج واضحة على المستوى البيداغوجي والعلمي.

وفي ما يتعلق بمجانية التعليم قال حمداوي إن المجانية تظل من المكاسب الاجتماعية الأساسية في منظومة التعليم العالي بالمغرب، غير أنه يرى أن مجانية الدراسة وحدها لا تضمن بالضرورة تكافؤ الفرص، بالنظر إلى المصاريف المرتبطة بالسكن والتنقل والمعيشة، فضلا عن التفاوت في قدرة الأسر على تمويل تكوينات موازية لأبنائها.

وأضاف الباحث نفسه أن نظام “التوقيت الميسر” يمكن أن يوسع قاعدة المستفيدين من التعليم العالي، خصوصا بين الأشخاص الذين تحول التزاماتهم المهنية دون متابعة الدراسة وفق التوقيت الجامعي العادي، لكنه نبه في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع الرسوم قد يحرم موظفين محدودي الدخل من الاستفادة منه.

وأشار الأكاديمي في هذا السياق إلى أن رسوم التسجيل قد تصل، وفق المعطيات الواردة في مقاله، إلى 20 ألف درهم سنويا بالنسبة إلى الدكتوراه، موردا أن ندوة رؤساء الجامعات أوصت بإعفاء الطلبة الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور، فيما يظل تفعيل الإعفاءات مرتبطا بقرارات مجالس الجامعات.

ويرى حمداوي أن توحيد الرسوم وطنيا مع اختلاف طرق تطبيق الإعفاءات بين المؤسسات قد يطرح إشكالات تتعلق بالمساواة بين الطلبة، داعيا إلى اعتماد قواعد واضحة تضمن تقارب شروط الاستفادة من الإعفاء بصرف النظر عن الجامعة التي ينتمي إليها الطالب.

وأكد الأستاذ الباحث أن النقاش حول “التوقيت الميسر” لا ينبغي أن يحجب تحديات أخرى تواجه الجامعة، من بينها الاكتظاظ وضعف بعض البنيات التحتية والحاجة إلى تحسين ظروف البحث العلمي وتعزيز ملاءمة التكوينات مع متطلبات سوق الشغل، وقال إن هذا النظام لا يمكن تقديمه باعتباره بديلا عن إصلاح شامل للجامعة، لكنه قد يشكل، وفق تقديره، إحدى الأدوات التي تسمح باستقبال فئات جديدة في أوقات مختلفة وتوفير موارد إضافية، شريطة ضمان توجيهها نحو تحسين جودة التكوين والبحث والبنيات الجامعية.

وخلص حمداوي إلى أن تقييم تجربة “التوقيت الميسر” ينبغي ألا ينحصر في الاختيار بين المجانية والرسوم، وإنما في مدى قدرة النظام على الجمع بين استدامة التمويل وجودة التكوين وتكافؤ الفرص، معتبرا أن قيمة التجربة ستتحدد في ضوء نتائجها العملية ومدى استفادة مختلف الفئات الاجتماعية منها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق