المدرسة ورهان الهجرة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المدرسة ورهان الهجرة - بوابة المدينة برس

بين مطرقة الهدر المدرسي وسندان الحلم المجهض

تعد العلاقة بين المدرسة والهجرة من أكثر القضايا تعقيدا وإلحاحا في السياق الاجتماعي والتربوي المغربي الحالي – خاصة بعد أحداث سبتة – حيث لم تعد الهجرة مجرد انتقال جغرافي، وإنما تحولت إلى سردية خلاص، أو مشروع وجودي متكامل يبحث فيه الشباب عن العدالة الاجتماعية والكرامة والتقدير، وهنا يطرح التساؤل الجوهري: كيف تحوّلت المدرسة من قنطرة للاندماج والاستقرار إلى قوة طاردة تدفع الناشئة نحو مغامرة “الحريك”؟

– الهدر المدرسي: الفتيل الأول لرحلات المجهول تشير المعطيات إلى أن الانقطاع المبكر عن الدراسة (الهدر المدرسي) ليس مجرد إشكال تربوي، بل هو قضية اجتماعية كبرى تغذي ظاهرة الهجرة السري، ففي بلادنا، ينقطع أكثر من ربع مليون تلميذ وتلميذة عن الدراسة في موسم واحد.

هذا الفشل الدراسي يولد لدى المراهق إحساسا بالنقص والكراهية تجاه المؤسسات، مما يجعل “قوارب الموت” تبدو في نظره الخيار الوحيد لتغيير واقعه. لقد أظهرت أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة لسبتة أن عددا كبيرا من المهاجرين هم شباب كانوا يعيشون خطر الانقطاع الدراسي أو فقدوا الثقة في جدوى التعليم.

– أزمة الثقة وهجرة الكفاءات الناعمة لا يقتصر رهان الهجرة على المنقطعين دراسيا، بل يمتد ليشمل النخب والكفاءات، فالدراسات تشير إلى أن 42% من الراغبين في الهجرة هم من الحاصلين على تعليم جامعي ؛ إذ تمثل هذه الهجرة الناعمة للأطباء والمهندسين استنزافا خطيرا للرأسمال البشري الذي استثمرت فيه الدولة، ويعود ذلك أساسا إلى الفقر المؤسساتي، حيث يشعر الخريجون بعدم تطابق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، وغياب العدالة الاجتماعية التي تضمن لهم الولوج إلى الخدمات الأساسية، وأجر يكافئ ما بذلوه من مجهود من أجل الوصول إلى هذه المرتبة.

– نحو مدرسة مواطنة دامجة: المدرسة بوصفها حلا لمواجهة هذا التحدي، حيث يبرز شعار “المدرسة المواطنة الدامجة” رهانا لإصلاح المنظومة، وتتطلب هذه المدرسة مقومات أساسية، منها:

تطوير السياسة التربوية: لتواكب مستجدات العصر، وتنبني على دعائم الديمقراطية التشاركية وتكافؤ الفرص.

تفعيل “مشروع المؤسسة”: عبر جعل المدرسة نسقا مفتوحا يتفاعل مع محيطه الاقتصادي والاجتماعي، ويؤهل التلاميذ للاندماج الفعلي في المجتمع بدل الاكتفاء بمنح الدبلومات.

التحصين النفسي والتربوي: ضرورة بناء شخصية المراهق وتقوية مفهوم الذات الموجب لديه منذ الطفولة المبكرة، مما يمنحه الحصانة ضد تيارات الانحراف والإحباط التي تدفعه للمخاطرة بحياته.

– تكييف المناهج مع مواضيع الهجرة والنزوح ويقتضي هذا الرهان التربوي تكييف المناهج الدراسية مع قضايا الهجرة والنزوح، بما يستوجب إعادة النظر في الكتب المدرسية وتحديث مضامينها، من أجل تصحيح الصورة النمطية المتداولة عن الهجرة بوصفها الفردوس المفقود أو الحلم الموعود، وتعويضها بمقاربة تربوية واقعية ونقدية تطلع المتعلم على المخاطر الفعلية لهذه المغامرة (كالغرق، والاستغلال، والاتجار بالبشر، وصدمة الاندماج في مجتمعات المهجر)، إلى جانب إبراز نماذج النجاح ، والتحقق الذاتي الممكنين داخل الوطن، بما يسهم في إعادة بناء تمثلات الناشئة حول الهجرة، ويحصنهم ضد خطابات التحريض التي تروج للهجرة بوصفها حلا سحريا وحيدا.

– تكامل الأدوار: المسؤولية المشتركة إن مواجهة ظاهرة هجرة الأطفال والشباب لا يمكن أن تختزل في مسؤولية طرف واحد، بل تستوجب تكاملا وظيفيا بين ثلاث دوائر أساسية تتقاسم المسؤولية التربوية والمجتمعية: الأسرة، والمدرسة، والسياسات العمومية. فالأسرة، بوصفها الحاضنة الأولى للتنشئة الاجتماعية، مطالبة بإعادة النظر في أنماط التواصل مع الأبناء، ورصد مؤشرات الهشاشة النفسية والانبهار بخطاب الهجرة قبل استفحاله، وتعزيز الحوار الأسري بديلا عن الصمت أو القمع اللذين قد يدفعان الناشئة نحو البحث عن ملاذات بديلة.

أما المدرسة فتضطلع، كما سبقت الإشارة، بدور مزدوج يجعلها إما رافعة للإدماج والاستقرار أو عاملا طاردا حين تعجز عن أداء وظيفتها.

في حين تبقى السياسات العمومية هي الإطار الناظم الذي يحدد شروط نجاح الطرفين السابقين، من خلال توفير فرص الشغل والإنصاف المجالي بين الوسطين الحضري والقروي، ومحاربة خطابات التحريض الرقمي، وتفعيل برامج الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الهشة.

وبذلك، فإن أي مقاربة أحادية تراهن على طرف واحد دون الآخرين محكوم عليها بالقصور والمحدودية، إذ إن معالجة جذور الظاهرة تقتضي انخراطا متزامنا ومنسجما بين الفاعلين الثلاثة، بما يضمن بناء منظومة وقائية متكاملة تحصن الناشئة من مغامرة “الحريك”، وتفتح أمامهم أفقا بديلا للتحقق الذاتي داخل الوطن. إن الرهان الحقيقي للمدرسة اليوم هو أن تتحول من ممر للاستبعاد إلى بيئة حاضنة تمنح الشباب أملا حقيقيا في مستقبل أفضل داخل وطنهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق