من قتل قيمة الشهادة؟ - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من قتل قيمة الشهادة؟ - بوابة المدينة برس

كان الحصول على الشهادة الجامعية في المغرب، على مدى عقود، أشبه بعقد ضمني بين الفرد ومجتمعه، عقد لم يوقعه أحد بيده لكن الجميع كان يؤمن ببنوده: تجتهد، تنجح، تتخرج، ثم تجد لك موطئ قدم في سوق الشغل، فتبني حياتك، وتؤسس أسرتك، وترد بعض الجميل لوالدين أفنيا العمر والمال من أجل أن يرياك يومًا واقفًا على قدميك. لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، لكنه كان، على الأقل، طريقًا واضح المعالم، له بداية ونهاية مفهومتان. أما اليوم، فذلك العقد قد تصدّع دون أن يُعلن أحد رسميًا عن انهياره، وأصبحت الشهادة الجامعية، في نظر شريحة واسعة من شبابنا، مجرد وثيقة أنيقة توضع في ملف بلاستيكي شفاف، أقرب إلى تذكار من امتحان صعب، منها إلى مفتاح حقيقي يفتح أبواب الغد.

والمفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلاً هي أن المغرب لم يعد يواجه أساسًا مشكلة الأمية كما كان الحال قبل عقود، بل أصبح يواجه معضلة أكثر تعقيدًا وأكثر إيلامًا: بطالة المتعلمين أنفسهم. ففي كل موسم دراسي، تفتح الجامعات والمعاهد أبوابها لتُخرّج آلاف الشباب الذين يحملون شهادات براقة وأحلامًا أكبر بكثير من الحقائب التي يحملونها، لكنهم سرعان ما يصطدمون بجدار سوق شغل ضيق، لا يتسع لأعدادهم، أو لا يبحث أصلاً عن نوعية الكفاءات التي تخرّجهم بها الجامعة. وهنا بالضبط تبدأ رحلة الإحباط الطويلة، ليست لأنهم فشلوا في مسارهم الدراسي، بل، على العكس تمامًا، لأنهم نجحوا فيه، ثم اكتشفوا، بمرارة، أن النجاح الأكاديمي وحده لم يعد كافيًا لضمان النجاح الاجتماعي.

والحقيقة أن المشكلة ليست في الشهادة بحد ذاتها، بل في الهالة الوهمية التي أحطناها بها لسنوات طويلة. لقد ربّينا أجيالاً كاملة على قناعة راسخة مفادها أن التعليم وحده كفيل بصناعة المستقبل، بينما كان العالم من حولنا يتغير بوتيرة مذهلة، وأصبحت المعرفة النظرية وحدها غير كافية إذا لم ترافقها مهارات عملية، وقدرة على الابتكار، وسرعة في التكيف مع اقتصاد يعيد ترتيب أولوياته كل يوم. فالجامعات، في كثير من الأحيان، ما تزال تُخرّج أبناء الأمس ليواجهوا سوق عمل الغد، بينما العالم يبحث اليوم عن كفاءات تتقن الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، والتسويق الإلكتروني، والعمل الحر المستقل.

لكن سيكون من الظلم الفادح أن نُحمّل الجامعة وحدها وزر هذه الأزمة، فثمة سؤال أكبر وأعمق ينبغي أن يُطرح بجرأة: أين هي فرص الشغل أصلاً؟ فحتى أكثر الخريجين تفوقًا وكفاءة لن يجد له موطئ قدم إن كان الاقتصاد عاجزًا عن خلق ما يكفي من مناصب الشغل، وإن كانت الاستثمارات لا تتوزع بعدالة بين الجهات، وإن كانت المقاولات الصغيرة والمتوسطة تُعاني أكثر مما تنمو وتزدهر، وإن كان القطاع غير المهيكل يستوعب اليد العاملة أكثر بكثير مما يستوعبها الاقتصاد المنظم الرسمي.

ثم إن البطالة، إذا ما تأملناها بعمق، ليست مجرد رقم بارد يُدرج في تقرير إحصائي رسمي، بل هي حالة نفسية واجتماعية شديدة التعقيد. فالشاب الذي يقضي سنوات عمره في مدرجات الجامعة، ثم يعود بعدها إلى بيت أسرته خالي الوفاض بلا عمل ينتظره، لا يخسر دخلاً ماديًا فحسب، بل يخسر شيئًا أعمق من ذلك بكثير: ثقته بنفسه. يبدأ حينها بمقارنة مساره بمسارات أصدقائه، يشعر تدريجيًا بأنه أصبح عبئًا ثقيلاً على أسرة راهنت عليه طويلاً، ويتحول الانتظار، شيئًا فشيئًا، إلى أسلوب حياة قائم بذاته. ومن رحم هذا الانتظار المضني تتوالد أعراض الإحباط والقلق والعزلة، بل وقد يصل الأمر أحيانًا إلى فقدان الإيمان بقيمة الاجتهاد ذاته، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا بأكمله.

والأخطر من البطالة في حد ذاتها، أنها تُعيد ترتيب سلّم القيم داخل المجتمع بأكمله. فحين يرى الشاب أن صاحب محتوى تافه يجني في شهر واحد ما لا يجنيه أستاذ جامعي في أشهر عديدة، وأن بعض طرق الثراء السريع باتت تبدو أكثر جدوى وواقعية من سنوات طويلة قضاها في المذاكرة والاجتهاد، فإن الرسالة التي تصله تكون في غاية الخطورة: العلم وحده لا يكفي. وهنا، لا يخسر الخريج نفسه فقط، بل يخسر المجتمع بأكمله شيئًا أثمن من المال: احترامه للمعرفة ذاتها.

ولذلك، لم يعد مستغربًا أن يتحول حلم الكثير من الخريجين، تدريجيًا، من البحث عن وظيفة داخل الوطن، إلى البحث المحموم عن تأشيرة تُخرجهم منه. فالهجرة، بالنسبة إلى عدد متزايد من الشباب المغربي، لم تعد مغامرة عابرة أو حلمًا طائشًا، بل أصبحت، ببساطة، مشروعًا مهنيًا مدروسًا بعناية. ولم تعد الشهادة الجامعية وسيلة لبناء الوطن والمساهمة في نهضته، بل صارت، في كثير من الحالات، مجرد وسيلة لإقناع قنصلية أجنبية بمنح صاحبها فرصة في بلد آخر غير بلده. إنها مفارقة موجعة حقًا؛ فالدولة تستثمر سنوات طويلة وأموالاً طائلة في تكوين أبنائها، ثم تأتي اقتصادات أخرى لتجني، دون عناء يُذكر، ثمار ذلك الاستثمار كله.

ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، فهم هذه الأزمة المركبة بمعزل عن العلاقة المرتبكة والمضطربة أصلاً بين الجامعة وسوق الشغل. ففي كثير من التخصصات، يكاد ينعدم أي تواصل حقيقي وفعّال بين المؤسسات الجامعية والفاعلين الاقتصاديين على أرض الواقع، فيتخرج الطالب وهو يحمل رصيدًا نظريًا محترمًا لا شك فيه، لكنه يفتقر، في المقابل، إلى الخبرة العملية التي يشترطها كل مشغّل تقريبًا. وهكذا يقع الخريج في تلك الحلقة المفرغة الشهيرة التي يعرفها كل من مرّ بتجربة البحث عن عمل: لا وظيفة بلا خبرة سابقة، ولا خبرة من الأساس بلا وظيفة تمنحها إياه.

ولعل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم لم يعد: لماذا لا يجد الخريج عملاً يليق بشهادته؟ بل أصبح سؤالاً أعمق وأكثر جذرية: لماذا ما زلنا نُعدّ أبناءنا، بكل هذا الجهد والوقت، لمستقبل لم يعد موجودًا أصلاً بالشكل الذي نتخيله؟ فالعالم قد تغيّر جذريًا، وسوق الشغل تغيّر معه، وطبيعة المهن نفسها تبدلت وتحولت، بينما ما تزال نظرتنا نحن إلى التعليم أسيرة تصورات قديمة بالية، تعتبر الشهادة الجامعية نهاية المطاف وخط الوصول الأخير، في حين أنها، في واقع الأمر، لم تعد سوى بداية متواضعة لمسار طويل من التعلم المستمر الذي لا ينتهي عند حد.

إن إنقاذ قيمة الشهادة الجامعية اليوم لا يكون بتضخيمها كما كنا نفعل سابقًا، ولا بالتقليل من شأنها كما بدأ البعض يفعل الآن كردة فعل غاضبة، بل بإعادة تعريف دورها الحقيقي من جذوره. فهي، في نهاية المطاف، ليست وعدًا مضمونًا بوظيفة مريحة تنتظر صاحبها، لكنها يجب أن تظل، رغم كل شيء، بوابة حقيقية وصادقة لاكتساب الكفاءة، والقدرة على الإنتاج والابتكار والمساهمة الفعلية. كما أن محاربة بطالة الخريجين الحقيقية لا تبدأ من أبواب الجامعات وحدها كما نظن، بل تبدأ، بالدرجة الأولى، من بناء اقتصاد منتج وحيوي، ومن تشجيع حقيقي وجاد للاستثمار، ومن ربط فعلي بين التكوين وحاجيات السوق المتغيرة باستمرار، ومن فتح آفاق جديدة أمام الشباب بدل تركهم أسرى قوائم انتظار لا تنتهي.

لقد كانت الشهادة الجامعية، في زمن مضى، تفتح أمام صاحبها أبواب المستقبل على مصراعيها، أما اليوم، فهي، للأسف، تفتح أمامه بابًا آخر مختلفًا تمامًا، باب السؤال الكبير الذي يؤرق مضاجع آلاف الأسر المغربية في صمت: كيف يمكن لشاب فعل كل ما طُلب منه بالضبط، درس واجتهد وسهر ونجح، ثم يكتشف في نهاية الطريق أن المجتمع نفسه، الذي طالبه بكل هذا الجهد، لم يكن مستعدًا أصلاً لاستقباله بعد كل ذلك العناء؟ وربما تكمن الخطورة الحقيقية لهذا السؤال في كونه لا يهدد فقط مستقبل الخريجين أنفسهم كأفراد، بل يهدد شيئًا أكبر وأخطر بكثير: الثقة في التعليم باعتباره السلّم الأكثر عدالة للارتقاء الاجتماعي. وإذا ما فقد المجتمع، لا قدّر الله، إيمانه بهذا السلّم يومًا ما، فإن الخسارة التي ستلحق به ستكون حتمًا أكبر بكثير، وأعمق أثرًا، من مجرد ارتفاع عابر في نسبة البطالة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق