صدمتي مع احتلال سبتة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم صدمتي مع احتلال سبتة - بوابة المدينة برس

زياراتي الأولى إلى الشمال المغربي، كانت في نهاية سبعنينات القرن الماضي. بدأت برحلات مدرسية، ثم استمرت بسفريات فردية أو ثنائية وأسرية. أولى هذه الزيارات، مكنتني من الاطلاع على واقع الاحتلال في سبتة المحتلة بالعين المجردة، بعيدا عما درسته أو قرأته من مرويات التاريخ وأقاويل المؤرخين، وخطوط وألوان الخرائط الجغرافية.

زرت “كابو نيكرو” أول مرة ذات صيف شبابي عام 1976م. ومن دهشة البدايات، لم أعرف إن كانت مستعمرة إسبانية؟ أم مصيفا مغربيا؟ ولم أعد إليها بعد ذلك إلا بعد خمسين سنة، وأنا أحمل لقب جد، ومعي حفيدتي الأولى.

في مرحلة ثانية، رأيت الاحتلال مرة أخرى بأم ذات العين في مليلية، من دون وساطات كتب المؤرخين. هناك، عرفت المعنى الحقيقي لأخبث استعمار في التاريخ على الأرض، كان ذلك قرب باقي الثغور المغربية: جزيرة باديس، جزيرة النكور، الجزر الجعفرية أو “إشفارن”، كما يحلو للأهالي تسميتها.

أحسست بالغبن والكره، واختلطت علي المشاعر. لم يكن يفصل بيني وبين أرض أجدادي، سوى خيط رفيع في جزيرة باديس. وكم آلمني أن أرى ذلك الخيط اللعين الأزرق، وهو يمنعني قسرا من القيام ولو بخطوة واحدة، ودخول قطعة غالية علي في وطني. قال لي أحد الجنود المغاربة المرابطين هناك، أن الإسبان أطلقوا رصاصة، ذات سنة، على بائع متجول مغربي، بعد تحذيره بمكبرات الصوت. وبما أنه كان يعاني من الصمم، حدث ما يؤلم القلب. رأيت هناك جزيرة صغيرة غريبة عني، قريبة مني، وفي ذات الوقت بعيدة وعصية علي..!!

جزيرة “قميرة” أو جزيرة باديس أرض مغربية، من دون شك، يحتلها عساكر الإسبان احتلالا رمزيا. تقول بعض المصادر التي اطلعت عليها، أن إسبانيا ضمتها عام 1508م، حين ضعفت دولة البرتغال، بعد هزيمتها في معركة وادي المخازن سنة 1578. وقبل ذلك في عام 1522، شن المغاربة هجومًا عسكريا ناجحا، قضوا فيه على الحامية الإسبانية، واستعادوا جزيرة القميرة إلى حضن الوطن. وفي عام 1554م أعطى الملك أبو حسون، الحاكم الجديد للمملكة المغربية بفاس، هذه الجزيرة إلى القوات العثمانية، لأنها ساعدته على اعتلاء العرش المغربي، ولو مؤقتا إلى حين..!!

سيقوم الإسبان بعد ذلك في عام 1563 بمحاولة فاشلة لضم جزيرة القميرة، ولكنهم لم ينجحوا إلا عام 1564م، بعد هزمهم حامية عثمانية صغيرة، لم يكن يتعدى قوامها 150جنديا. ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، أصبحت الجزيرة تحت السيطرة الإسبانية.

باديس جزيرة مغربية أصيلة، أرض تتكلم اللهجة الأمازيغية والدارجة المغربية، مثلها في ذلك، مثل باقي السكان المغاربة القريبين منها جغرافيا. وفيها أقصر حدود في العالم، وأغربها على الإطلاق. حدود عبارة عن خيط أزرق مهترىء، مرمي بشكل عشوائي على رمال الشاطىء الجميل المحيط بها من جهة البر المغربي. كل شيء فيها وحولها، يقول أنها مغربية:

طيور الجزيرة التي تحلق في سمائها مغربية. الهواء الذي يتنفسه الجنود الإسبان مغربي. الأسماك التي تسبح في محيطها مغربية. وحين تبتعد هذه الأسماك عن محيط الصخرة، تقع في شباك الصيادين المغاربة. ومع كل ذلك، يصر العرش الإسباني في عناد وغطرسة، مدعوما من الكنيسة، على أنها أراضي إسبانية تابعة للاتحاد الأوروبي. جزيرة باديس، ستعود كما سبتة ومليلية إلى أحضان الوطن، وكما عادت مدن أخرى من قبلها: سيدي إفني، طرفاية، الداخلة، بوجدور، العيون والسمارة. هي مسألة وقت وسنسترجعها، لأننا متأكدون أن ما أخذ منا بالقوة، لا يسترد إلا بها.

الوجع لا يحتاج أحيانا إلى تفاصيل وحديث طويل، النظرة الأولى تكون نصف الكلام، والباقي مجرد لغو في الكلام. كأن قدري في ذلك الصيف، دفعني أن أبحث عن مواجعي، أن أزور شاطىء “الصفيحة” بعد يومين من ذلك، أسبح فيه، وهو لا يبعد إلا بنظرة واحدة عن جزيرة “النكور” المحتلة.

صخرة الحسيمة أو جزيرة النكور، هي جزيرة إسبانية بالفعل، ولكنها مغربية بالقوة والأرض والجغرافية والتاريخ. لا يهمني اليوم كم تبلغ مساحتها؟ جزيرة صغيرة جدا في عرض البحر، عبارة عن صخرة طولها 70 مترا وعرضها 50 مترا، وارتفاعها 27 مترا فوق زرقة البحر المتوسط، تحتلها العساكر الإسبانية منذ عام 1559م. وإني أراها اليوم عائدة إلى أهلها وناسها ومغربها، كما عادت من قبلها ثغور ومدن ومساحات شاسعة في الصحراء المغربية، كانت قد احتلتها إسبانيا.

بين المغرب وإسبانيا تاريخ من التعايش والحروب، تاريخ فيه مد وجزر، سلم ودم وحروب. حدث ذلك منذ أن قطع طارق بن زياد البحر، حرق سفنه، وأمر جنده بالتقدم برا، وهو على صخرة قبالة الساحل الشمالي المغربي، لا زالت إلى اليوم تحمل اسمه. وربما قبل ذلك، كما تقول المصادر والمراجع، وحتى قبل أن يكون وجود للبحر الأبيض المتوسط أصلا، كما كان يصر بالحجج أستاذنا محمد التازي سعود رحمه الله في الطابق الرابع من كلية ظهر المهراز بفاس، ونحن نستمع إليه في خشوع، وكأنه كان قدم قداسا دينيا في كنيسة أو خطبة يوم الجمعة في مسجد عتيق. وليس درسا في التاريخ. كان رحمه الله يقدم أمام انبهارنا محاضرات في تاريخ المغرب القديم، ويقربنا أكثر من تاريخ المغرب الآخر الجميل، تاريخ نجهله زاا نعرف عنه شيئا.

في بداية القرن العشرين، كانت هناك انعطافة في التاريخ العربي الإسلامي. ضعفت فيه المملكة المغربية، واحتلت إسبانيا ما استطاعت الوصول إليه بالقرب منها، لتعوض به هزائمها وخساراتها الكبرى وراء المحيطات: جزر الكناري الثلاث عشرة 1405، مدينة مليلية 1497، جزيرة باديس عام 1564، سبتة 1668، وجزر الحسيمة الثلاث 1673، وبعدها جزر إيشفّارن الثلاث 1848م. فيما ظلت تنازع المغرب في أحقيتها على جزيرة تورا أو “صخرة ليلى” الصعيرة جدا بين سبتة المحتلة وطنجة، قريبا من قرية بليونش.

واستغباء للبشر والحجر، تطل علينا إسبانيا في الأخير، وتتضامن مع غزة متطالبو بتحرير فلسطين..!!

والمؤلم، هو أن البعض من بني جلدتنا صدقوها: كوفيون وملتحون، وتناسوا أن زوال جبل من مكانه، أيسر من زوال رجل عن طبعه، وأن الذئب يبقى ذئبا، ولو لم يأكل الغنم، وأنه “إذا كان الطباعُ طباعَ سوء – فلا أدب يفيد ولا أديب”.

كان في نيتي أن أزور جزيرة ليلى، بعدما وقعت الأزمة بين المغرب وإسبانيا، كما فعل بعض أصدقائي. ولكن حصل صدفة في صيف 2025، أن كنت أريد التقاط صورة بانورامية لشاطىء بليونش الجميل، وإذا بي على مرمى حجر من لوحة تدل على الطريق إلى جزيرة ليلى. قلت أجرب، مشيت قليلا، وإذا بها أمامي منعزلة في زرقة البحر. مشيت عبر مسار سياحي، ينطلق من شاطىء بليونش، ويصل إلى الجزيرة الصغيرة وسط أحراش غابوية، وإذا بها تبعد إلا بعشرات الأمتار عن البر المغربي. ويمكن الوصول بالسيارة، وإكمال ما تبقى من مسافة مشيا على الأقدام انطلاقا من شاطىء بليونش. إنما تتطلب المسألة صبرا وصعود بعض العقبات، قبل أن تنبسط الطريق قريبا من جزيرة “ليلى”. جزيرة صغيرة جدا ومنعزلة، وحيدة وسط زرقة البحر المتوسط. وفوقها يتموقع جبل موسى بن نصير، حارس بليونش الأمين، جبل صخري، وهو على شكل امرأة حامل. قرية بليونش توجد على تخوم سبتة المحتلة من جهة الغرب. ومنها يمكن للزائر أن يلقي نظرة بانورامية على البحر الأبيض المتوسط، ومعه زرقة الساحلين: المغربي في الجنوب والإسباني في الشمال. هناك، يظهر البحر المتوسط صغيرا كحقينة سد، وجبل طارق شامخا بحاضره الإنجليزي وتاريخه العربي الإسلامي. أول مرة كنت أعرف فيها عن قرب، أن المغرب يمكنه التحكم في مضيق جبل طارق، بواسطة جندي واحد، واقف على جبل موسى ممسكا بيده حجارة على الضفة الجنوبية.

وأنت واقف في استراحة قصيرة، وقد تركت للتو سبتة السليبة وراء ظهرك، تترجل إلى حدود أقرب نقطة مغربية من إسبانيا، ترى بأم العين سفنا وبواخر، وتعدها بالأصابع عدا، كبيرها وصغيرها، وهي تمر تباعا كالخرفان آخر اليوم في عرض البحر المتوسط أمام ناظريك..!!

هناك، وقفت لحظات مثل أي طفل صغير، أراقب حركية السفن بمختلف أحجامها قبالة شبه جزيرة سبتة المحتلة، أستمتع بأشعة شمس الصيف، وأشحن ذاتي المتعطشة إلى فيتامين”د”.

في بليونش يمكنك أن تشرب أنقى ماء، وتسبح في أصفى مياه بحر طبيعية. أما في مدينة الجبهة، يمكنك أن تأكل ألذ بيصارة جبلية، وأحلى مذاق سردين متوسطي.

وأنت في شاطىء بليونش، ينتابك إحساس غامض وغريب: رمال تحت رجليك، زرقة مياه خالصة أمام عينيك، ورائحة طواجين مغربية تقتحم تجاويف أنفك. وما أن تلتفت إلى اليمين، حتى ترى سياجا حديديا شائكا يحمي سبتة المحتلة. وممن؟ أكيد منا نحن المغاربة أصحابها، وربما أيضا من المتسللين الحالمين بتحقيق أحلام أخرى.

على الطرف الآخر، بعيدا قليلا، هناك بر إسباني ينتهي بصخرة جبل طارق تابعة للتاج البريطاني. وغير بعيد عن بليونش جزيرة ليلى. وأنت جالس على صخرة بيضاء كبيرة تتأمل زرقة استثنائية، تستحضر نظرة موسى بن نصير الثاقبة وتوجيهاته العسكرية الصارمة. يسرح بك الخيال، تتصور دخان سفن طارق يصاعد أمام ناظريك، وهي تحترق أمام أنظار جند طارق في واضحة النهار، وقد عبر فاتحا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وألقى خطبته الشهيرة. هناك تبدأ حكاية، وتتلوها ألف حكاية أخرة وحكاية في ماضي الأندلس.

تعود بك الذاكرة فجأة إلى بياض سبتة المغربية المحتلة، تراها جاثمة في امتداد متوسطي، مدينة صغيرة حالمة بين نور القمر في الليل وضياء الشمس في النهار. تقرب زوم الكاميرا أكثر، ترى جبل طارق، كما لو أنه تحت قدمك. يظهر لك، وهو في كامل شياكته والتقائه البري مع امتداد أخضر داخل الأراضي الإسبانية.

تقرب الزوم من الضفة المغربية أكثر، تجد نفسك على وشك مصافحة شقراوات الإنجليز، وملامسة جلد قرود المكاك البربري. ترى متقاعدي الجيش إلى جانب العجزة البريطانيين، وهم يتجولون في تكاسل بين الشوارع. تكاد تنسى أنك على الضفة المغربية، وتفكر في أن تعطي الموز لقرود المكاك، وهي تتنقل بحرية فوق قمة الجبل الصلعاء.

التوازن بين المغرب وإسبانيا في البحر المتوسط، يتطلب فرض واقع جديد، والاستمرار في العمل الديبلوماسي والدخول في مفاوضات، يتداخل فيها التاريخي والراهني، وتسطير آفاق جديدة تنبني على التعاون، بعيدا عن منطق الاحتلال في زمن لا يقبل فيه الاحتلال.

تركت الماضي هناك بكل شجونه، والحاضر بكل آلامه، وغادرت بليونش إلى طنجة. هناك، وجدت المدينة ضاجة بصداع صيفي، وحرارة لا تحتمل في عز الظهيرة. عادة ما تعجبني طنجة في ليلها، أما نهارها طويل وممل وعشوائي مثل بعض الراجلين. أسرعت في الهروب إلى السكينة في أصيلة، وقد بدأ يرحل عنها ضجاج الصيف..!!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق