عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم أطروحة تفكك الإعلام الثقافي بالمغرب - بوابة المدينة برس
شهدت رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، التابعة لجامعة محمد الأول، مناقشة أطروحة دكتوراه في تخصص الإعلام والتواصل، تقدّم بها الباحث والإعلامي أسامة باجي تحت عنوان “الإعلام الثقافي في المغرب: حدود التأثير ورهانات التغيير”، حصّل بموجبها شهادة الدكتوراه بميزة “مشرف جدا” مع التوصية بالنشر.
جرت هذه المناقشة، وفق معطيات توصلت بها هسبريس، أمام لجنة علمية ترأسها الأستاذ الدكتور مصطفى سلوي، وضمت في عضويتها الأساتذة: الدكتور محمد الزوهري، والدكتور هشام كزوط، والدكتور الطاهر بلحضري، إلى جانب الأستاذ المشرف الشاعر والباحث الدكتور يحيى عمارة.
الأطروحة التي نوقشت يوم السبت الماضي لأكثر من أربع ساعات، غاصت في إشكالية رئيسية تتعلق بطبيعة حضور الإعلام الثقافي في المغرب، وحدود تأثيره، ومدى قدرته على أداء أدواره المعرفية والتثقيفية في ظل التحولات التي يشهدها الحقلان الإعلامي والثقافي. كما سعت إلى “مساءلة موقع الثقافة داخل السياسات الإعلامية، وكيفية تمثلها في الخطاب الإعلامي، ومدى قدرة المؤسسات الإعلامية على إنتاج محتوى ثقافي يتجاوز منطق المناسبات إلى بناء معرفة مستدامة”.
وأكد الباحث، خلال عرضه، أن “الإعلام الثقافي لا ينبغي أن يختزل في تغطية الأنشطة والفعاليات الثقافية، وإنما يمثل مجالا لإنتاج المعنى، وبناء الوعي، وصيانة الذاكرة الجماعية، بالنظر إلى موقعه في الربط بين الإعلام والثقافة، ودوره في تشكيل التمثلات وتعزيز الهوية الثقافية داخل المجتمع”.
من جهته، أبرز الأستاذ المشرف تميُّز الطالب الباحث بامتلاكه “شروط وأدبيات الباحث الجاد”؛ من اجتهاد، ومثابرة، وجلد، وصبر، وحسن إنصات، متصفا بأخلاقيات التواضع والنبل. وأشار عمارة إلى أن “باجي يمتلك انشغالا حقيقيا ووعيا عميقا بسؤال الإعلام والثقافة؛ فهو يمارس العمل الصحفي، ويكتب المقالات، ويدرس تفاصيل المشهد الثقافي في المجلات والمواقع. كما راكم الباحث تجربة ميدانية وعلمية هامة من خلال مشاركته في مؤتمرات وملتقيات متعددة، فضلا عن تأسيسه “مركز أكورا للدراسات الإعلامية والاجتماعية والسياسية”، مما جعل “اقترابه من موضوع أطروحته وفيا للإشكالية وبعيدا عن المسافات النظرية الجافة”.
واستندت الأطروحة لمقاربة منهجية “مركّبة” زاوجت بين المنهج الوصفي التحليلي والمقاربتين الكمية والكيفية. وتجسد هذا التصميم المنهجي المتكامل في ثلاث أدوات رئيسية: الاستبيان الميداني: شمل عينة ممثلة مكونة من 300 صحافي وصحافية ينتمون لمختلف المؤسسات الإعلامية المغربية (العمومية، والخصوصية، والإلكترونية، ووكالات الأنباء) لرصد تصوراتهم وإكراهاتهم المهنية.

وأُجريت مقابلات علمية مع مجموعة من الخبراء والمهنيين في الحقلين الإعلامي والثقافي لتعميق الفهم النوعي والعميق للظاهرة المدروسة، فيما ركّزت “دراسة الحالة” على تحليل نموذج “القناة الثقافية” المغربية وبرنامج “مشارف” لفهم آليات تجسيد هذا الإعلام داخل المؤسسات العمومية ورصد حدود فعاليته وتأثيره.
وانتهت الدراسة إلى أن أزمة الإعلام الثقافي في المغرب ليست تقنية أو ممارسة مهنية عابرة، بل “أزمة بنيوية شاملة ومركبة تعكس خللا عميقا في تداخل السياسات العمومية والإعلام والثقافة” وموقع الأخيرة في المشروع المجتمعي.
وكشفت النتائج، حسب ما طالعته هسبريس في تقرير الأطروحة، أن “حضور المادة الثقافية في المنظومة الإعلامية غير مستقر وموسمي”، ويخضع لمنطق “الانتقائية والمناسباتية” عوضا عن الاستناد إلى رؤية استراتيجية وطنية مندمجة، مبيّنة أن “منطق السوق والإشهار والاستهلاك الإعلامي السريع بات يوجه السياسات التحريرية، مما قلص مساحات المحتوى الثقافي العميق لصالح مضامين سطحية وتجارية”.
كما سجّل الباحث صعوبات ميدانية تمثلت في تحفظ بعض المهنيين أثناء المقابلات، ونقص البيانات الإحصائية الرسمية، فضلا عن تعقيدات البناء النظري نظرا لتداخل الحقول السياسية والاقتصادية والمؤسساتية.
ولتطوير حقل الإعلام الثقافي وتجاوز اختلالاته، أوصت الأطروحة بـ”إعادة الاعتبار للإعلام الثقافي عبر إدماجه كمحور استراتيجي مركزي في السياسات العمومية والإعلامية للدولة، و”تأهيل الموارد البشرية من خلال إرساء وتطوير تكوين أكاديمي متخصص في الصحافة الثقافية ينمّي الحس النقدي والتحليلي لدى الصحافيين”.
كما نادت الأطروحة بـ”مواكبة التحولات الرقمية عبر إنشاء منصات إلكترونية متخصصة وصناعة محتويات تفاعلية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع”، و”تعزيز استقلالية الخطاب الإعلامي الثقافي وحمايته من التبعية المطلقة لمنطق السوق والإشهار التجاري لضمان ديمومته ووظيفته التنويرية”.








0 تعليق