أحداث سبتة وخلية التفكير - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم أحداث سبتة وخلية التفكير - بوابة المدينة برس

أحداث سبتة الأخيرة: هل تملك مدريد شجاعة العودة إلى مبادرة خلية التفكير؟

أعادت الأحداث المأساوية والأزمات المتلاحقة التي شهدتها الحدود المحيطة بمدينة سبتة في السنوات الأخيرة، وصولا إلى موجات الهجرة المكثفة والتدافع الحدودي لعام 2026، تسليط الضوء على إحدى أكثر العقد السياسية تعقيدا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. فأصبح ما يجري عند أسوار سبتة ومليلية يتجاوز البعد التدبيري لأزمات الهجرة غير النظامية، ليمس عمق الإشكاليات المرتبطة بالذاكرة التاريخية، السيادة، وحدود التمدد الأوروبي داخل الجغرافيا الإفريقية.

ومع هذا التكرار الدوري للأزمات، يبرز سؤال جوهري: هل تدفع أحداث سبتة الأخيرة مدريد إلى إعادة النظر في المبادرة المغربية التاريخية الداعية إلى إنشاء خلية تفكير مشتركة لبحث مستقبل الثغور السليبة؟

معاهدة صخرة جبل طارق

لا يمكن قراءة التفجرات الميدانية الأخيرة عند تخوم سبتة ومليلية دون ربطها بالتحول التاريخي المتمثل في اتفاق جبل طارق (يوليوز 2026) بين إسبانيا وبريطانيا والذي جاء قبل أيام قليلة من الأحداث، فبعد أكثر من ثلاثة قرون من النزاع حول الصخرة، قبِلت إسبانيا بصيغ تسييرية مرنة تشمل إلغاء السياج الحدودي وتبني آليات الرقابة المشتركة، وهو ما وصفه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بـ “إنهاء جرح مفتوح”.

ويشكل التحول الاستراتيجي في التعاطي الإسباني مع ملف جبل طارق عبر القبول بمرونة إدارة وتسيير الصخرة وإقرار الرقابة المشتركة نقطة تحول مرجعية في هندسة التوازنات الإقليمية غرب المتوسط. وهو ما يتيح للرباط فرصة استراتيجية لإعادة طرح ملف الثغور المحتلة (سبتة، مليلية، والجزر المتاخمة) من موقع الفاعلية السيادية. وتستند المملكة المغربية في تحركها هذا إلى ثقل دبلوماسي متنام يُعززه حضورها النوعي لدى الشركاء الدوليين وإسهامها المؤسساتي في منظومات الأمن الشامل، بما يُكرس المغرب كفاعل موثوق يَربط الاستقرار الأمني المستدام بالشراكة المتكافئة، وحتمية معالجة قضية الوحدة الترابية وفق المبادئ والمرونات التفاوضية التي توفرها المبادرة التاريخية لخلية التفكير.

الإطار المفهومي والتاريخي لخلية التفكير

تشير خلية التفكير (أو لجنة التفكير المشتركة) إلى المقترح الاستراتيجي الذي تقدم به الملك الراحل الحسن الثاني عام 1987 خلال زيارته للمملكة المتحدة، والذي دعت فيه الرباط رسميا إلى إحداث فريق عمل ثنائي (مغربي-إسباني) يتألف من دبلوماسيين ومفكرين وخبراء في القانون الدولي، لمناقشة وضع مدينتي سبتة ومليلية والجزر المتاخمة لهما.

وتتجلى الأبعاد الاستراتيجية للمبادرة الملكية في طرح ينشد معالجة النزاع وفق رؤية متكاملة، إذ تقوم أساسا على عقلنة الملف من خلال نقله من دائرة المواجهة العسكرية والتعبئة السياسية المباشرة إلى فضاء الحوار الدبلوماسي والأكاديمي الهادئ، إلى جانب استلهام نموذج هونغ كونغ عبر صيغ مرنة تضمن الاعتراف بالسيادة المغربية مع التأمين الكامل للمصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لإسبانيا ولساكنة المدينتين، فضلا عن إرساء مبدأ الفصل بين التدبير اليومي والرهان الاستراتيجي، بما يسمح باستمرار علاقات حسن الجوار والتعاون الاقتصادي، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال التنازل المغربي عن حقه التاريخي.

غير أن هذا الطرح قوبل آنذاك برفض صارم من الحكومات الإسبانية المتعاقبة، استنادا إلى عقيدة المؤسسة العسكرية ومفاهيم السيادة الوطنية الصلبة الموروثة عن حقبة التحول الديمقراطي ما بعد الفرانكو.

تفكيك الأزمة: تقاطع التاريخ، الجغرافيا، والهجرة

تجسد سبتة ومليلية مفارقة فريدة من نوعها، فهما نقطتا تماس مباشر بين القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي، وتخضعان لإدارة إسبانية مع اندماج مؤسساتي أوروبي، في حين تقعان كليا ضمن المحيط الجغرافي والامتداد الطبيعي للمملكة المغربية.

تتجلى مفارقة النزاع حول مدينتي سبتة ومليلية في الصدام العميق بين مرجعيتين متناقضتين، فبينما تتأسس المرجعية المغربية على شرعية تاريخية متجذرة تستند إلى البيعة والامتداد الجغرافي الطبيعي داخل القارة الإفريقية باعتبار القضية ملف تصفية استعمار واستكمالا لا ينفصل عن الوحدة الترابية للمملكة، تقابلها المرجعية الإسبانية بالتأكيد على أسبقية الحكم الإداري والسيطرة الفعلية، متحججة بالاندماج القانوني والمؤسساتي للمدينتين داخل الاتحاد الأوروبي، ومعززة بمقاربة أمنية صارمة تعتبر رسم الحدود خطا أحمر غير قابل للتفاوض أو المراجعة.

غير أن التحولات الديموغرافية والاقتصادية في العقود الأخيرة أدت إلى تغيير وظيفة المدينتين، حيث تحولتا من ثغور عسكرية تاريخية إلى حصون أمنية لمراقبة تدفقات الهجرة القادمة من دول الجنوب. وقد أثبتت الوقائع الميدانية، منذ تسييج الحدود وصولا إلى أزمات العبور الجماعي الأخيرة، حدود وقيود الممارسات الأمنية الصرفة.

النخبة الأكاديمية والسياسية الإسبانية وإقرار مغربية الثغور

في مقابل الخطاب الرسمي الصلب لمدريد الذي يتأسس على اعتبار سبتة ومليلية مدينتين ذاتيي الحكم وجزءا لا يتجزأ من التراب الوطني الإسباني، شهدت الساحة الأكاديمية والدبلوماسية في إسبانيا على مر العقود ظهور أدبيات ومبادرات نقدية اتسمت بقدر عال من الواقعية، مؤكدة الحقوق التاريخية للمغرب ومطالبة بتصفية الاستعمار من الثغور والجزر المجاورة.

تجسد هذا التيار في المؤلف البارز للدبلوماسي الإسباني والكاتب العام السابق للسياسة الخارجية، ماكسيمو كاخال، المعنون بـ “سبتة ومليلية، أوليفينسا وجبل طارق: أين تنتهي إسبانيا؟” (Ceuta, Melilla, Olivenza y Gibraltar: ¿Dónde acaba España?). وقد وضع كاخال مدريد أمام تناقضاتها الصريحة، معتبرا الوجود الإسباني بالمدينتين والجزر المجاورة انتهاكا متواصلا للوحدة الترابية للبلد الجار وتناقضا سافرا مع الخطاب الإسباني حول مستعمرة جبل طارق البريطانية. ودعا إلى ضرورة إعادة النظر الجذرية في هذا الموقف وفتح تفكير مشترك مع الرباط لتناول كل جوانب القضية بدون مساومة على مغربية المدينتين المحتلتين.

لم يكن كتاب كاخال نشازا، بل واصل التأسيس لما قبله من أدبيات، ففي سنة 1993، أصدر الأكاديميان إينريكي كاراباثا وماكسيم دي سانتوس كتابهما “مليلية وسبتة.. آخر المستعمرات” (Melilla y Ceuta: Las ultimas colonias)، حيث فككا التشبث الإسباني بـ 33 كيلومترا مربعا على الساحل المتوسطي المغربي باعتباره تحديا لقوانين المنطق والتاريخ والجغرافيا. وأكد الباحثان أن الحجج الأمنية الرسمية المعتمدة ليست سوى ذرائع لتبرير تسلح مكثف، مبرزين أن تصفية الاستعمار من الثغور والجزر الصغيرة المتاخمة تعد إجراء عادلا وديمقراطيا ومناهضا للاستعمار، ويقتضي رسميا إرجاعها إلى السيادة المغربية.

سيناريوهات المستقبل

أمام استعصاء الحل الأمني، تتحدد المسارات المستقبلية للعلاقات بين البلدين في هذا الملف ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: استمرار عسكرة الحدود

تعتمد فيه مدريد على المقاربة الأمنية الصرفة والدعم المباشر لحكومة الحكم الذاتي، مع إبقاء المسألة السيادية خارج جدول الأعمال الرسمي. ويتجلى هذا التوجه في تخصيص اعتماد مالي استثنائي ناهز 25 مليون يورو لمواجهة التداعيات الميدانية والضغوط الهيكلية الناجمة عن تدفقات الهجرة غير النظامية، إلى جانب إنشاء الحاجز المائي العائم والتدابير البحرية المشددة عند المنافذ الساحلية لتضييق الخناق على المحاولات الجماعية للالتفاف السباحي. غير أن هذا التوظيف المالي والأمني المكثف يظل مجرد معالجة تقنية ظرفية تعالج أعراض الأزمة دون جذورها، مما يبقي الشريط الحدودي والمائي في حالة استنفار دائم وعرضة للاشتعال المتكرر أمام كل موجة تدافع بشرية.

السيناريو الثاني: الترافع الدولي المتقدم للمغرب

يتضمن توجه المغرب نحو نقل الملف من إدارة التنسيق الثنائي إلى منصات الترافع الدولي متعدد الأطراف، وذلك عبر تفعيل أدوات الدبلوماسية، والاستناد الصريح إلى القرارات الأممية المتعلقة بتصفية الاستعمار. ويستمد المغرب في هذا المسار قوة ترافعية استثنائية من تموقعه المتقدم داخل المنظومة الدولية، ولا سيما حضوره الفاعل وموقعه في مجلس السلم، وشراكته الاستراتيجية المتينة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن تحوله إلى رقم صعب في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.

السيناريو الثالث: إحياء خلية التفكير

يتأسس على اقتناع استراتيجي مشترك بين الرباط ومدريد بأن إدارة الملف لا يمكن أن تظل رهينة لمنطق الرابح والخاسر، ويقضي هذا المسار بالانتقال من إدارة الأزمات الظرفية إلى وضع تسوية هيكلية متدرجة عبر التفعيل الميداني والفكري للمبادرة الملكية التاريخية لخلية التفكير. ويرتكز هذا المسار الاستراتيجي على مفاوضات رفيعة المستوى تضم دبلوماسيين وعسكريين وأكاديميين لبحث النزاع في أجواء هادئة وبمؤشرات قياس واضحة، واستلهام نموذج جبل طارق لسيادة مشتركة تضمن التدفق السلس للخدمات واندماج المدينتين في محيطهما المغربي والإفريقي، وذلك استحضارا لمرونة اتفاق جبل طارق (يوليوز 2026) الذي اعتمدت فيه مدريد ولندن صيغا متقدمة للرقابة والتسيير المتبادل، وهو المعيار الذي يمكن إسقاطه وظيفيا على سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما لإنهاء الانسداد التاريخي وتأمين مصالح كافة الأطراف.

خاتمة

إن رهان مدريد على المقاربة الأمنية وضخ الاعتمادات المالية لتسوير الحدود لن يشكلا سدا منيعا أمام التحولات الديموغرافية المتسارعة عند التخوم البحرية والبرية لسبتة ومليلية. إن التناقض الصريح الذي أفرزه قبول مدريد بالرقابة والتسيير المشترك في جبل طارق، بموجب اتفاق يوليوز 2026، يُسقط الذرائع الإسبانية الرافضة لتفكيك عقدة الثغور، ويمنح العلاقات المغربية-الإسبانية فرصة تاريخية للتحول من منطق احتواء الأزمات الظرفية إلى الاستقرار المتبادل عبر بناء نموذج تفاوضي متقدم.

وعليه، فإن إعادة تفعيل المبادرة التاريخية لخلية التفكير أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات الأزمات المتتالية. ويتطلب هذا التوجه الشجاع الانتقال نحو أطر سيادية مرنة تعيد الثغور إلى امتدادها الطبيعي، وتضمن حقوق الساكنة والمصالح الاقتصادية المشتركة، وتؤسس لعهد جديد من الشراكة المتكافئة بين الرباط ومدريد.

-باحث في العلوم السياسية والقانون العام، حاصل على شهادة الماستر في التدبير السياسي والإداري

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق