صُنّاع البروباغندا - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم صُنّاع البروباغندا - بوابة المدينة برس

ترزح منصات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة الأخيرة، تحت وابل من الأخبار الزائفة والهجمات الممنهجة التي تستهدف المغرب ومؤسساته الأمنية وشخصياته الوطنية، فيما انخرطت بعض الحسابات الافتراضية في ما يشبه حربا هجينة تستعمل البروباغندا والأخبار المضللة أداة للتأثير في الرأي العام، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى، ومن قابلية الصور والمقاطع المبتورة لإعادة التداول خارج سياقها، ومن صعوبة التحقق الفوري لدى قطاع واسع من المستخدمين.

ولم تعد صناعة التضليل الرقمي تقوم فقط على اختلاق خبر كامل من العدم، إذ باتت تعتمد أيضا على وسائل أكثر مراوغة، من بينها اقتطاع صورة من مناسبة مختلفة، أو نقلها من بلد إلى آخر، أو تغيير زمنها، أو إرفاقها بتعليق يوجه المتلقي إلى قراءة لا علاقة لها بسياقها الأصلي، وهو ما يجعل الصورة، في كثير من الأحيان، أكثر خطورة من النص، لأنها تنتقل بسرعة وتترك أثرا مباشرا قبل أن يبدأ القارئ البحث عن مصدرها أو التثبت من حقيقتها.

هشام جيراندو.. وهوس الأمن

في وقت كشفت مجموعة “أطلس هاكرز” معطيات تتعلق بحقيقة “التيكتوكر” هشام جيراندو، وأماطت اللثام عن جرائم عابرة للحدود الوطنية، اختار الأخير الهروب إلى الأمام والإمعان في نشر مضامين زائفة تكشف، مرة بعد أخرى، انشغاله المستمر بالمؤسسة الأمنية الوطنية، ومحاولته الزج بها في وقائع وصور لا صلة لها بها.

ففي آخر صيحات الدجل الرقمي نشر هشام جيراندو صورة لمسؤول قضائي كان ضيفا على إدارة السجون وإعادة الإدماج خلال مناسبة وطنية، مدعيا، بكثير من الشعبوية والتضليل، أن الأمر يتعلق بتكريم لهذا المسؤول القضائي من طرف جهازي الأمن والمخابرات؛ مع أن تفاصيل الصورة نفسها كانت كافية لإسقاط هذا الادعاء، سواء من خلال الزي الرسمي للموظفين الظاهرين فيها، أو من خلال طبيعة المناسبة التي نظمتها إدارة السجون، أو من خلال الفضاء الذي احتضنها.

ورغم أن الزي الرسمي للموظفين الظاهرين في الصورة يحمل الهوية البصرية لموظفي السجون، ورغم أن المناسبة الوطنية كانت نظمتها إدارة السجون وإعادة الإدماج، فإن جيراندو أمعن في تحريف خلفيات الصورة وإقحام الأمن في ثناياها، في محاولة واضحة للتشهير بجهازي الأمن والمخابرات، وإيهام المتلقي بأن الصورة توثق حدثا مختلفا تماما عن سياقها الحقيقي.

واللافت أن عددا من رواد شبكات التواصل الاجتماعي فطنوا لهذا التضليل، وواجهوا الرواية المتداولة بتعليقات تكشف تناقضها مع المعطيات البصرية الظاهرة في الصورة، كما نبهوا إلى أن أبسط قواعد التحقق كانت كفيلة بكشف هوية المؤسسة المنظمة للمناسبة، وهو ما يؤكد أن البروباغندا، مهما اعتمدت على سرعة الانتشار، تظل معرضة للانكشاف حين يواجهها المتلقي بحد أدنى من اليقظة والانتباه.

ولا تكمن خطورة هذا النوع من المحتوى في الخطأ وحده، وإنما في الإصرار على تكراره وصياغته بطريقة توحي باليقين، ثم تقديمه للمتابعين باعتباره حقيقة مكتملة، لأن تكرار المعلومة المضللة قد يمنحها، لدى بعض المتلقين، مظهرا زائفا من المصداقية، خصوصا عندما تقترن بصور حقيقية جرى تحريف سياقها أو تحميلها دلالات لا تحتملها.

صورة المخزني.. في أحداث سبتة

لم يجد صناع البروباغندا حرجا في التلاعب بصورة عنصر من القوات المساعدة كان يحرس شريطا حدوديا، وحاولوا تقديمه على أنه شرطي، في محاولة لاستهداف المديرية العامة للأمن الوطني ومديرها العام عبد اللطيف حموشي، مع أن الزي النظامي الأخضر الذي ظهر به العنصر كان واضحا، كما كانت طبيعة المكان الذي كان يؤدي فيه مهمته كافية للتمييز بين الجهازين.

ورغم وضوح صورة عنصر القوات المساعدة، بالنظر إلى زيه النظامي الأخضر، حاول صناع البروباغندا الالتفاف على هذه الحقيقة، لأن الغاية لم تكن البحث عن هوية الشخص الظاهر في الصورة أو تدقيق طبيعة مهمته، وإنما توظيف المشهد في بناء رواية مسبقة تستهدف صورة رجل الشرطة، الذي يوجد في خط التماس اليومي مع المواطنات والمواطنين داخل المجال الحضري وفي المعابر والنقط التابعة لاختصاص الأمن الوطني.

وما يتجاهله مروجو هذه الأخبار أن لكل جهاز أمني أو شبه أمني اختصاصاته ومجالات تدخله ولباسه النظامي وشاراته المميزة، فرجال الشرطة يؤمنون المعابر الحدودية، من مطارات وموانئ ونقط عبور برية، بينما تضطلع القوات المساعدة بمهام أخرى في بعض المجالات الحدودية والمناطق المفتوحة خارج المدار الحضري، وهو ما يجعل الخلط بين الجهازين إما نتيجة جهل واضح، وإما نتيجة رغبة متعمدة في توجيه الصورة نحو استنتاج معين.

أما عنصر القوات المساعدة الذي ظهر في الصورة والمشاهد المنشورة فكان يحرس مسالك حدودية خارج المدار الحضري وخارج نفوذ الأمن الوطني، وهذه ثاني سقطة يقع فيها تجار البروباغندا، لأن الرواية التي حاولوا تسويقها اصطدمت مرة أخرى بتفاصيل مادية ظاهرة لا تحتاج إلى خبرة تقنية معقدة، وإنما إلى قدر بسيط من الانتباه.

أكثر من ذلك فإن الصور التي وثقت تدخلات رجال الشرطة في أحداث سبتة أظهرتهم بزيهم الرسمي الأزرق، وبمعداتهم الوظيفية التي تحمل الهوية البصرية المميزة لجهازهم، وهو ما يدحض الاتهامات التي حاولت أن تنسب إليهم، زورا، صورة عنصر القوات المساعدة المنشورة؛ كما يكشف أن صناع التضليل يتعاملون مع الصورة باعتبارها مادة قابلة لإعادة التسمية والتوجيه، بصرف النظر عن حقيقتها الأصلية.

وهنا تظهر إحدى أخطر تقنيات البروباغندا الرقمية، إذ لا يحتاج المروج إلى صناعة صورة مزيفة بالكامل، ويكفيه أحيانا أن يعيد تعريف الشخص الظاهر فيها، أو يغير صفته، أو ينقل المشهد من مؤسسة إلى أخرى، ثم يترك للمستخدمين مهمة إعادة النشر، لتنتشر الرواية المختلقة بسرعة تفوق سرعة التصحيح.

فلسطيني في أحداث سبتة

وتبقى أكبر مظاهر وخدع صناع البروباغندا عندما نشروا صورة لجريح فلسطيني أصيب في غارة جوية إسرائيلية، وقدموه على أنه مغربي أصيب في أحداث سبتة، في مثال صارخ على نقل الصور من سياق جغرافي وسياسي إلى سياق آخر، وتحويل مأساة إنسانية حقيقية إلى مادة للاستعمال الدعائي.

والمثير أن هذه الصورة المفبركة، بحسب ما جرى تداوله، تلقفها المؤرخ المغربي المعطي منجب، كما أعاد نشرها جزء من الإعلام الإسباني، وهو ما يكشف أن الأخبار الزائفة لا تنتشر فقط عبر حسابات مجهولة أو صفحات هامشية، وإنما يمكن أن تتسلل أيضا إلى فضاءات يفترض فيها التحقق والتدقيق، خصوصا عندما توافق الصورة المضللة موقفا سياسيا أو سردية جاهزة يرغب بعض الفاعلين في تثبيتها.

ولم يكتف صناع الأخبار الزائفة بنشر هذه الصورة وتغيير سياقها المكاني والزمني، واستيرادها من فلسطين إلى المغرب، وإنما تعمدوا أيضا تذييلها بتعليقات مسيئة للمغرب ولقواته الأمنية ومؤسساته الشرطية، في محاولة لمنح الادعاء بعدا عاطفيا مضاعفا، يقوم على استثمار مشهد الإصابة من أجل شحن المتلقي ودفعه إلى التفاعل قبل أن يتساءل عن أصل الصورة أو تاريخها أو مصدرها.

وتكشف هذه الواقعة أن الصورة المضللة تصبح أكثر تأثيرا حين تمس موضوعا حساسا أو ترتبط بأحداث مشحونة عاطفيا، لأن المتلقي قد يتفاعل معها تحت ضغط الانفعال، قبل أن يفكر في أدوات التحقق، كما أن إعادة نشرها من طرف أسماء معروفة أو وسائل إعلام تمنحها أحيانا غطاء من المصداقية لا تستحقه.

مسؤولية إعلامية ومجتمعية

إن ما وقع في هذه الحالات الثلاث لا يبدو سلسلة أخطاء عابرة، لأن القاسم المشترك بينها هو تحريف السياق، وإقحام مؤسسات الأمن في وقائع لا تخصها، وتحويل صور حقيقية إلى أدوات تخدم روايات مضللة، وهو ما يجعل مواجهة هذه الممارسات مسؤولية إعلامية ومجتمعية، لا تقتصر على المؤسسات المعنية وحدها.

فهذا الكم الكبير من الأخبار الزائفة المتدفقة على منصات التواصل الاجتماعي يفرض التمعن والتحري في كل ما يروج من أخبار ومعطيات، خصوصا عندما يكون المصدر معروفا بعدائه للمغرب، أو حين تكون المادة المنشورة مشحونة بخطاب الكراهية والتحريض، كما يفرض على وسائل الإعلام والصحافيين وصناع المحتوى عدم الاكتفاء بإعادة النشر، لأن الخطأ الذي يبدأ من حساب افتراضي قد يتحول، في دقائق، إلى مادة عابرة للحدود.

ومواجهة البروباغندا لا تتم بالصمت، كما لا تتم بردود انفعالية، وإنما تبدأ بالتحقق من الصورة ومصدرها وتاريخها ومكان التقاطها، ثم عرض الوقائع كاملة أمام الرأي العام، لأن قوة التضليل تقوم على السرعة والغموض، بينما تقوم قوة الحقيقة على الدقة والسياق والقدرة على تقديم الدليل.

كما أن مسؤولية المتلقي لا تقل أهمية، إذ إن كل مشاركة أو إعادة نشر تمنح الخبر الزائف حياة جديدة، وكل تعليق متسرع يساهم في توسيع دائرة انتشاره، لذلك فإن الوعي الرقمي لم يعد ترفا، وإنما صار جزءا من حماية المجتمع من حملات منظمة تسعى إلى توجيه الرأي العام وإرباك الثقة في المؤسسات.

لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مجال مفتوح تتقاطع فيه المعلومة الصحيحة مع الإشاعة، والصورة الأصلية مع النسخة المحرفة، والرأي مع الخبر، وهو ما يفرض بناء ثقافة جديدة في الاستهلاك الإعلامي، تقوم على السؤال قبل التصديق، وعلى التحقق قبل المشاركة، وعلى التمييز بين النقد المشروع والحملات التي تعتمد التزييف والقذف والتشهير.

إن صناع البروباغندا يراهنون على جمهور لا يدقق، وعلى إعلام يعيد النشر، وعلى سرعة تسبق الحقيقة، غير أن هذا الرهان يسقط كلما ظهرت القرائن، وكلما عاد المتلقي إلى المصدر الأصلي، وكلما جرى تفكيك الرواية المضللة بهدوء ومهنية، لأن الأخبار الزائفة قد تنتشر بسرعة، لكنها لا تصمد طويلا أمام الوقائع الواضحة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق