عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم تفتيش ضمائر الأساتذة - بوابة المدينة برس
يحق لأحمد عصيد أن يدافع عن الأمازيغية، وأن ينتقد القومية العربية، وأن يعارض ما يشاء من الأفكار. لكن لا يحق له أن يرتدي عباءة الباحث، ثم يوزع النسب المئوية من فوق منصة مهرجان بلا دراسة ولا عينة ولا منهج. هذا تهريج لا فكر، وانطباع لا علم.
فقد زعم أن 99 في المائة، وربما 100 في المائة، من أساتذة اللغة العربية في المغرب ما تزال مرجعيتهم القومية العربية. والسؤال البسيط هو: من أين أتى بهذه النسبة؟ هل أنجز مسحًا وطنيًا؟ كم بلغ حجم العينة؟ كيف اختير المشاركون؟ كيف عرّف «المرجعية القومية العربية»؟ وبأي أداة قاسها؟ وهل نُشرت النتائج في دراسة يمكن للباحثين الاطلاع عليها ونقد منهجيتها؟ لا شيء من ذلك. إنها نسبة خرجت من الانطباع الشخصي ودخلت إلى الخطاب متنكّرة في هيئة حقيقة علمية. والرقم لا يصبح علميًا لمجرد أن صاحبه وضع إلى جانبه علامة النسبة المئوية.
هذا ليس تحليلًا علميًا، بل خطاب إيديولوجي يستعمل لغة العلم من دون الالتزام بشروطه. فالتحليل العلمي، بما في ذلك البحث في العلوم الاجتماعية، يبدأ بتعريف المفاهيم، وصياغة الفرضيات، وجمع البيانات وفق منهج واضح، ثم إخضاع النتائج للنقد وإمكان التحقق. أما أن يقف شخص أمام جمهور، ويتهم فئة مهنية كاملة تقريبًا بتبنّي إيديولوجيا معينة، فلا علاقة له بالبحث العلمي مهما بدا كلامه واثقًا. المنصة والميكروفون وعدسات الكاميرات وعواصف التصفيق قد تصنع شهرة، لكنها لا تصنع مفكرًا؛ فالمفكر تصنعه المعرفة، وتثبته الحجة.
والاستدلال ببعض أسئلة امتحانات البكالوريا، ثم القفز منها إلى تفتيش ضمائر آلاف أساتذة العربية، نموذج واضح للتعميم المتسرع. فالامتحانات تضعها لجان محددة، لا جميع أساتذة اللغة العربية. وحتى تحليل مضامين الامتحانات يحتاج إلى عينة زمنية، ومعايير تصنيف محددة، ومقارنة منهجية، لا إلى انتقاء سؤال أو سؤالين ثم إصدار حكم جماعي.
ثم ما المقصود أصلًا بـ«المشروع العروبي»؟ هل يقصد تدريس اللغة العربية؟ أم الاعتزاز بالمكوّن العربي الإسلامي للمغرب؟ أم القومية الناصرية والبعثية؟ أم رفض تفعيل رسمية الأمازيغية؟ هذه أمور مختلفة، وجمعها داخل كيس إيديولوجي واحد ليس تحليلًا؛ إنه غموض يسمح بتوجيه الاتهام إلى كل من لا يتبنّى رؤية عصيد الخاصة للهوية.
ويزداد هذا التعميم غرابة حين نتذكر أن بين أساتذة اللغة العربية في المغرب آلافًا من الأمازيغ، ممن نشؤوا في أسر ناطقة بالأمازيغية ويتحدثونها في حياتهم اليومية. فبأي منطق يُنتزع هؤلاء من واقعهم الاجتماعي والثقافي، ثم يُلحَقون جميعًا بمشروع قومي عربي عابر للحدود لمجرد أنهم اختاروا دراسة العربية وتدريسها؟ وهل أصبح التخصص الجامعي بطاقة انخراط في مشروع سياسي؟
وما علاقة أستاذ مغربي يدرّس النحو أو البلاغة أو الأدب بسياسات الأنظمة العربية، أو بصراعات الدول، أو بالتكتلات الجيوسياسية، أو بالمشروعات القومية التي ظهرت في المشرق خلال القرن العشرين؟ تدريس العربية مهنة وتخصص معرفي، وليس إعلان ولاء للبعث أو الناصرية أو لأي مشروع سياسي آخر. وبالمنطق نفسه، لا يصبح أستاذ الفرنسية تابعًا للمشروع الفرنكوفوني، ولا أستاذ الإنجليزية ممثلًا للسياسات الأنجلوساكسونية.
صحيح أن كون الأستاذ أمازيغيًا لا يمنعه بالضرورة من اعتناق القومية العربية، مثلما أن كونه عربيًا لا يفرض عليه اعتناقها. لكن هذا هو جوهر الاعتراض: المرجعيات الإيديولوجية لا تُستنتج من الأصل العرقي، ولا من اللغة التي يتحدثها الشخص، ولا من المادة التي يدرّسها؛ بل تُعرف من مواقفه المعلنة، وتُقاس بدراسة ميدانية جادة. أما عصيد فقد اختصر كل هذه التعقيدات في معادلة ساذجة: أستاذ لغة عربية يساوي قوميًّا عربيًّا.
أما ربط اندحار المشروع العروبي سياسيًا وعسكريًا بمكانة العربية في المغرب، فهو خلط بين فشل أنظمة سياسية وبين حياة لغة وثقافة. فسقوط الاتحاد السوفياتي، مثلًا، لم يجعل اللغة الروسية مهزومة، ولم يحوّل كل مدرس للروسية إلى شيوعي. وبالمنطق نفسه، فشل أنظمة رفعت شعارات القومية العربية لا يثبت أن أستاذ العربية المغربي قومي، ولا أن المكوّن العربي في المغرب أصبح جسمًا أجنبيًا.
والأغرب وصف المرجعية العربية بأنها إيديولوجيا أجنبية. فدستور 2011 لم يُلغ العربية عندما رسّم الأمازيغية، ولم يستبدل هوية بأخرى، بل أقر الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وقدّم الهوية المغربية باعتبارها هوية موحدة متعددة الروافد، تضم المكوّنين العربي الإسلامي والأمازيغي معًا. هذه هي فلسفة الدستور: التكامل لا الإقصاء، والتعدد لا استبدال هيمنة مزعومة بهيمنة مضادة.
أما النهوض الحقيقي بالأمازيغية فلا يتحقق بهذه الفقاعات الإعلامية المؤدلجة، ولا بإطلاق الاتهامات في وجه أساتذة العربية، ولا باختراع عدو عربي تُحمَّل له كل صعوبات التفعيل. القضية الأمازيغية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات؛ إنها تحتاج إلى عمل أكاديمي ومؤسسي شاق وطويل النفس.
تحتاج الأمازيغية إلى تقعيد لغوي متواصل، ومعاجم عامة ومتخصصة، ومصطلحات علمية وقانونية وتقنية، ومناهج تعليمية فعالة، وتكوين جاد للمدرسين، وتشجيع التأليف والترجمة والنشر، وإنتاج رقمي، وقواعد بيانات لغوية، ودراسات تقيس نتائج تدريسها ميدانيًا. وهذا بالضبط هو النوع من العمل الذي شرع فيه باحثو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، من خلال المعيرة والتقعيد وتنميط تيفيناغ وإعداد المعاجم وتنمية النشر. مثل هذا العمل الهادئ ينتج لغة مؤهلة للتعليم والإدارة والبحث؛ أما الصخب الإعلامي فينتج العناوين فقط.
ومن أكبر الأخطاء تقديم الأمازيغية كما لو أنها مطالبة بأن تنافس فورًا، وعلى المستوى نفسه، لغات راكمت عبر قرون رصيدًا مكتوبًا هائلًا يُقاس بملايين الكتب والدراسات والوثائق، وبُنيت حولها جامعات ومطابع ومجامع لغوية ومؤسسات ترجمة وصناعات نشر ضخمة.
هذا لا يعني أن الأمازيغية أقل قيمة أو عاجزة عن التطور؛ فاللغات لا تولد وهي تحمل معاجم العلوم ومناهج الطب والهندسة. لكن بناء هذا الرصيد يحتاج إلى عقود من البحث والتأليف والتعليم والترجمة. الاعتراف القانوني ضروري، لكنه لا يصنع وحده لغة أكاديمية مكتملة الأدوات، مثلما أن إصدار قانون بإنشاء جامعة لا يملأ مكتبتها بالكتب ولا مختبراتها بالباحثين.
ومن الظلم للأمازيغية نفسها أن نضعها في منافسة عددية فورية مع العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية، ثم نفسر كل فارق في الحضور العلمي أو التعليمي بأنه مؤامرة إيديولوجية. التفاوت الحالي له أسباب تاريخية ومؤسسية واضحة، ومعالجته تكون ببناء المعرفة، لا بإدانة لغة أخرى أو شيطنة مدرّسيها.
من يدّعي أن 99 في المائة من فئة مهنية تتبنّى إيديولوجيا معينة، لا يكفيه الميكروفون والتصفيق. عليه أن يضع الدراسة على الطاولة. وإلى أن يفعل، ستبقى هذه النسبة رأيًا شخصيًا متضخمًا، وسيبقى خطابه أقرب إلى التعبئة الإيديولوجية منه إلى التحليل التاريخي أو البحث العلمي.
الأمازيغية مكوّن أصيل لا يحتاج إلى اختراع خصم عربي كي يثبت شرعيته، والعربية مكوّن أصيل لا تلغي مكانته رسمية الأمازيغية. المغرب أكبر من معركة هويات صفرية، وتطوير لغاته يحتاج إلى الباحثين والمؤلفين والمترجمين والمدرسين، لا إلى تجار الاستقطاب والفقاعات الإعلامية.








0 تعليق