عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "الدولة-الأمة" في الخطاب الملكي .. مفتاح لفهم خصوصية الدولة المغربية - بوابة المدينة برس
أكد العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب العرش أن المغرب “دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة–أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل”. ويكتسب هذا الوصف أهمية خاصة، لأنه يستحضر مفهوما راسخا في الفكر السياسي، هو مفهوم “الدولة الأمة”، الذي يمثل أحد أبرز أنماط تشكل الدول، ويتيح فهما لمصادر الشرعية السياسية، وعوامل الاستقرار، وأسس استمرارية الدولة وتماسكها عبر الزمن.
ويقصد بمفهوم الدولة الأمة (État-nation) نمط من التنظيم السياسي تتطابق فيه الدولة، بوصفها إطارا مؤسسيا وسياديا، مع أمة تتقاسم هوية جماعية وشعورا مشتركا بالانتماء. ويتبلور هذا النمط عبر مسار تاريخي طويل تتفاعل خلاله الدولة والمجتمع، فتترسخ المؤسسات، وتتكون هوية وطنية جامعة، وتتراكم ذاكرة جماعية، وتتجدد الشرعية السياسية.
وقد ارتبط هذا المفهوم في الأدبيات الحديثة أساسا بتجربة الدولة القومية الأوروبية، غير أنه تحول مع تطور علم السياسة إلى إطار تحليلي يساعد على فهم تجارب تاريخية متعددة، تختلف في مسارات نشأتها ومصادر شرعيتها، مع احتفاظها بعناصر مشتركة تتمثل في وحدة الدولة، وتماسك المجتمع، واستمرار المؤسسات، وترسخ الانتماء الوطني.
وفي هذا الإطار، يبرز النموذج المغربي بوصفه أحد أبرز النماذج التاريخية التي تجسد مفهوم “الدولة الأمة”. فقد تشكلت الدولة المغربية عبر مسار تاريخي متصل، أسهم في بناء مؤسسات راسخة، وترسيخ شرعية متجددة، وصياغة هوية وطنية جامعة، حافظت على تماسك المجتمع واستمرارية الدولة عبر القرون. وقد تعززت هذه المقومات مع تطور الدولة المغربية عبر مختلف الحقب التاريخية، ورغم تعاقب الدول والأسر الحاكمة، ظلت الدولة المغربية محتفظة باستمراريتها، وقادرة على تطوير مؤسساتها والتكيف مع التحولات التاريخية، بما يعكس قدرة متميزة على الجمع بين العمق التاريخي ومتطلبات الدولة الحديثة.
ويكتسب العرش العلوي مكانة محورية في هذا الامتداد التاريخي، لأنه يمثل استمرارية الدولة المغربية منذ منتصف القرن السابع عشر، كما يعد من أعرق الملكيات المستمرة في العالم. وخلال ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف، حافظ على وحدة البلاد واستمرار الدولة، وقاد مراحل متعاقبة من البناء والإصلاح في مواجهة تحديات داخلية وضغوط خارجية وتحولات إقليمية ودولية. ويستند هذا الامتداد إلى مؤسسة إمارة المؤمنين، التي شكلت عبر التاريخ أحد أهم مرتكزات الشرعية الدينية والدستورية للدولة، وأسهمت في توحيد المرجعية الدينية وصيانة الوحدة المذهبية للمملكة. كما ظلت البيعة، بما تمثله من رابطة تاريخية وسياسية بين العرش والشعب، إحدى الدعائم التي عززت استمرارية الدولة ورسخت شرعية المؤسسة الملكية عبر الأجيال. وترسخت عبر هذه المسيرة روابط وثيقة بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي، استندت إلى هذا الرصيد التاريخي وإلى الدور الجامع الذي اضطلعت به المؤسسة الملكية في مختلف المنعطفات الوطنية، وهو ما عزز الثقة في الدولة، ورسخ استقرار مؤسساتها، وأسهم في صيانة وحدة الوطن.
وقد انعكس هذا الرصيد التاريخي على المكانة التي يحتلها المغرب على الصعيدين الإقليمي والدولي. فبخلاف الدول حديثة النشأة التي ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بترسيخ الشرعية وبناء هوية وطنية جامعة، تمتلك الدولة المغربية، بما راكمته من أكثر من اثني عشر قرنا من التاريخ المتصل، رصيدا سياسيا وحضاريا يعزز مصداقيتها، ويمنحها قدرة أكبر على بناء شراكات مستقرة تقوم على الثقة والاستمرارية.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية الدبلوماسية المغربية، التي ترتكز على رؤية بعيدة المدى، وتتعامل مع التحولات الدولية بمنطق الدولة الراسخة ذات المصالح الاستراتيجية الممتدة. كما يفسر هذا العمق التاريخي الحضور المتزايد للمغرب في إفريقيا، من خلال شراكات اقتصادية وتنموية ومبادرات للتعاون جنوب-جنوب، إلى جانب دوره في الفضاءين العربي والمتوسطي، وانفتاحه على مختلف القوى الدولية.
ويمنح هذا الرصيد التاريخي للمغرب قدرة على بناء علاقات متوازنة ومتنوعة، ويعزز مكانته بوصفه شريكا موثوقا، قادرا على الجمع بين الاستقرار الداخلي والانخراط الفاعل في القضايا الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنظور، تكتسب إشارة ملك البلاد إلى مفهوم “الدولة الأمة” دلالة علمية وسياسية عميقة، لأنها تقدم مفتاحا لفهم خصوصية الدولة المغربية وطبيعة تشكلها التاريخي. ويبرز هذا المفهوم أن المكانة التي تحتلها المملكة إقليميا ودوليا تستند إلى عمقها التاريخي، ورسوخ مؤسساتها، وتماسكها الوطني، وهي الأسس التي تقوم عليها قوة الدولة المغربية واستقرارها.








0 تعليق