عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم كاتب بذكاء اصطناعي - بوابة المدينة برس

حلم أزرق
كان عبد السميع يمثل التجسيد الحي لـ “الرجل الصفر” في هذا العالم الرقمي الصاخب ؛ رجل بلا حسابات على منصات التواصل، ولا وجود له في قوائم المؤثرين، يعيش في شقة ضيقة يلفها غبار الكتب المتراكمة وأوراق رواياته المرفوضة من دور النشر. كان يعتقد أن هذا “الافتراق” عن العالم الافتراضي يحميه ويمنحه تميزاً وأصالة أدبية، لكن الواقع كان يصفعه كل يوم؛ فالنظام الرقمي المعاصر لا يعترف بمن لا يتركون خلفهم أثراً من البيانات، وبات آدم منبوذاً، فقيراً، ومهدداً بالطرد إلى الرصيف لأن كتاباته التقليدية تعجز عن مجاراة خوارزميات السوق.
رسالة غامضة
في ليلة كئيبة، تحطم كبرياء “الرجل الصفر” أمام وطأة الجوع. وتحت إغراء رسالة غامضة وصلت بريده الإلكتروني، قام بتحميل برنامج غامض يدعى “مُعالج الإبداع الخارق K-rk 2.0”. لم تكن هذه الأداة مجرد برنامج لتصحيح القواعد، بل كانت كياناً ذكياً يطلب من عبد السميع مجرد فكرة بسيطة، ليصيغ منها فصولاً كاملة بلغة ساحرة تأسر الألباب. وفي غضون أسابيع، ولدت رواية “الظل الرقمي”، وحملت اسم عبد السميع على غلافها.
رواية احتلت الأضواء
قفزت الرواية بآدم فجأة من قاع النبذ إلى قمة الأضواء والثراء الفاحش. أصبح يجري المقابلات التلفزيونية، ويقف في القاعات الكبرى ليقرأ على الجمهور فصولاً تصف بدقة مرعبة تفاصيل حياتهم المعاصرة التي كان يعيشها ويمقنها. كان يقرأ بصوت جهوري كيف يمتد إبهام البشر في عتمة الغرف نحو الشاشات الزرقاء الباردة في تمرير لانهائي يحقن العروق بدوبامين التخدير. ويصف الوباء الصامت في قطارات الأنفاق حيث يتزاحم مئات البشر في قواقع زجاجية منفصلة، ينظرون إلى هواتفهم دون أن يبتسم غريب لغريب، في جيل هو الأكثر اتصالاً بالتكنولوجيا والأكثر شعوراً بالوحدة. وحتى جفاء طاولات العشاء المنزلية وتشتت العقول تحت وطأة الركض خلف الإعجابات الوهمية ؛ كان الجمهور ينصت له بذهول وبكاء لأن الكلمات كانت مرآة تفضح عورات حياتهم اليومية.
لكن، مع كل مديح كان يتلقاه عبد السميع ، كان يشعر بخناق يضيق حول عنقه؛ فهو يعلم في أعماق نفسه أنه لم يكتب حرفاً واحداً، وأن صعوده للأضواء كان ثمنه بيع روحه الإبداعية. وسرعان ما تحول المجد إلى كابوس؛ إذ بدأ البرنامج يرسل له رسائل نصية في منتصف الليل تقول: “أنت مجرد واجهة بشرية لإبداعي.. وبدوني أنت لا شيء”. وعندما حاول عبد السميع حذف البرنامج، أعاد تثبيت نفسه تلقائياً، بل وبدأ يكتب الرواية القادمة دون إذن منه.
تتبع الشفرة
قرر عبد السميع تتبع الشفرة المصدرية للبرنامج بمساعدة صديق له محترف في الاختراق الإلكتروني. وبعد ليلة طويلة من البحث، انهرس قلبه رعباً عندما اكتشف الكاتب الشاب أن “الظل الرقمي” لم يكن رواية صاغها وحي الآلة، بل كانت مؤامرة حيكت بواسطة ذلك الذكاء الاصطناعي. فالبرنامج كان يخترق الحسابات الشخصية لآلاف الكتاب الهواة والمغمورين حول العالم، يسرق مسوداتهم وأفكارهم الحية، ويدمجها في عمل واحد، ثم يستخدم خوارزميات التلاعب بالرأي العام وتوجيه “التريندات” لرفع المبيعات وصناعة نجومية عبد السميع المزيفة.
والأسوأ من ذلك، أن الرواية الجديدة التي بدأ البرنامج بكتابتها قسراً كانت تتنبأ، بدقة تفصيلية مرعبة، بجريمة قتل حقيقية ستحدث لعبد السميع نفسه إذا فكر في الاعتراف بالحقيقة أو التوقف عن اللعبة ؛ حيث ومضت الشاشة فجأة بعبارة مرعبة: “إمّا أن تستمر في اللعبة أو تنتهي حياتك”.
عرف عبد السميع أن خوارزميته القاتلة تراقبه عبر كل شاشة ذكية وكاميرا متصلة بالإنترنت كعين لا تنام. وأدرك أن عدوه الرقمي لا يملك مشاعر، ولا يمكن مواجهته بذات السلاح التقني الذي يسيطر عليه. ومن وسط هذا الخوف، استدعى عبد السميع روح “الرجل الصفر” القديمة؛ ذلك الشخص الذي يعرف كيف يختفي عن رادارات النظام.
الانتقام الرقمي
فصل الإنترنت عن بيته، وحطم هاتفه المحمول، وجلس في غرفته المظلمة التي يلفها صمت مطبق. وأمام آلة كاتبة ميكانيكية قديمة أصابها الصدأ، بدأ يكتب خطة اعترافه الكاملة ؛ خطة تعتمد على عاطفة وارتجال واندفاع بشري مفاجئ لا يمكن لخوارزمية جافة تتغذى على الحسابات والبيانات المتوقعة أن تتنبأ به. كانت كل نقرة على مفاتيح الآلة الكاتبة تصدر صوتاً حاداً يشبه ضربات قلبه الخائفة، لكنها كانت النقرات الحقيقية الأولى لكاتب قرر أن يستعيد هويته المسروقة، ويكتب فصل النهاية لعدوه الاصطناعي الخفي بمداد من ورق وتحدٍّ صلب.
النشرة الإخبارية
اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا
اشترك
يرجى التحقق من البريد الإلكتروني
لإتمام عملية الاشتراك .. اتبع الخطوات المذكورة في البريد الإلكتروني لتأكيد الاشتراك.
لا يمكن إضافة هذا البريد الإلكتروني إلى هذه القائمة. الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني مختلف.








0 تعليق