هل نخاف من السلام؟ - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم هل نخاف من السلام؟ - بوابة المدينة برس

التطبيع مع إسرائيل : هل نخاف من السلام أكثر مما نخاف من الحرب؟

حين يتحول العداء إلى هوية سياسية

هناك أسئلة لا تحظى بشعبية في زمن الانفعال، ليس لأنها خاطئة، ولكن لأنها تقترب من مناطق أصبح الاقتراب منها مكلفًا فكريًا. ومن بين هذه الأسئلة: لماذا تحول رفض التطبيع مع إسرائيل عند جزء كبير من الوعي العربي من موقف سياسي قابل للنقاش إلى موقف يشبه العقيدة التي لا يجوز الاقتراب منها؟

طرح هذا السؤال لا يعني الدفاع عن إسرائيل، ولا تبرير سياساتها، ولا إنكار معاناة الشعب الفلسطيني، فهذه قضايا قائمة بذاتها ولا تحتاج إلى مزايدات. لكنه يعني محاولة النظر إلى الصراع بعين سياسية وعقل نقدي، بعيدًا عن منطق الشعارات التي جعلت من الحرب حالة دائمة ومن العداء هوية موروثة.

لقد عشنا عقودًا طويلة ونحن نتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره قدرًا لا مفر منه. نشأت أجيال كاملة في بيئة ثقافية وسياسية ترى أن العلاقة مع الطرف الآخر لا يمكن أن تكون إلا علاقة صراع، وأن أي محاولة للتواصل أو الحوار أو بناء علاقة سياسية هي بالضرورة تنازل أو خيانة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه العقود: ماذا حققت هذه المقاربة؟ هل اقتربنا من حل القضية؟ هل أصبح الإنسان الفلسطيني أكثر أمنًا وحرية؟ هل اختفت الحروب؟ هل تراجعت الكراهية؟ أم أننا اكتفينا بإعادة إنتاج الصراع جيلاً بعد جيل، حتى أصبح جزءًا من وعينا وهويتنا السياسية؟

المشكلة ليست في وجود خلافات بين الشعوب والدول، فالتاريخ كله قائم على النزاعات والمصالح المتعارضة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع مقدس، وعندما يصبح الخصم ليس مجرد طرف سياسي له حساباته ومصالحه، بل يتحول إلى صورة مطلقة للشر لا يمكن التعامل معها إلا بالرفض الدائم.

عندما يصبح العدو فكرة مقدسة، يصبح السلام نفسه موضع شك.

وهنا تكمن إحدى أكبر أزمات المنطقة: أننا أحيانًا نخلط بين الدفاع عن الحقوق وبين تقديس الوسائل. فالحق في العدالة والكرامة والحرية لا يحتاج إلى نقاش، لكن الوسائل التي نختارها لتحقيق هذه الحقوق يجب أن تبقى دائمًا قابلة للمراجعة. فالمقاطعة وسيلة، والمفاوضات وسيلة، والعلاقات السياسية وسيلة، وكل وسيلة يجب أن تُقاس بقدرتها على تحقيق النتائج، لا بمدى انسجامها مع المشاعر الجماعية.

السياسة ليست عالم المبادئ المجردة فقط، بل هي فن الممكن. والدول لا تتحرك عادة وفق الحب والكراهية، وإنما وفق المصالح والقدرة على تغيير الواقع. لهذا السبب، فإن معظم النزاعات الكبرى في التاريخ لم تنتهِ بانتصار الكراهية، بل بانتصار السياسة عندما أدرك المتحاربون أن استمرار الصراع أصبح أكثر كلفة من البحث عن تسوية.

أوروبا لم تتجاوز قرونًا من الحروب بين شعوبها لأنها نسيت الماضي، بل لأنها قررت ألا تجعل الماضي سجنًا دائمًا للأجيال القادمة. واليابان والولايات المتحدة انتقلتا من حرب مدمرة إلى تعاون واسع، ليس لأن التاريخ اختفى، بل لأن الشعوب تعلمت أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى فقط على جراح الماضي.

لكن في منطقتنا، ما زال جزء من الخطاب السياسي يرى أن مجرد الحوار مع الخصم هو اعتراف بالهزيمة، مع أن الحوار لا يعني التبرير، والتفاوض لا يعني الاستسلام، والعلاقة السياسية لا تعني بالضرورة الموافقة على كل ما يفعله الطرف الآخر.

لقد ساهم الخطاب الديني والقومي المتشدد، لدى أطراف مختلفة، في تحويل الصراع من نزاع سياسي إلى مواجهة هويات. وعندما تدخل الهوية في الصراع، يصبح التراجع صعبًا، لأن الإنسان لا يشعر أنه يغير موقفًا سياسيًا، بل يشعر أنه يتخلى عن جزء من ذاته.

وهنا تظهر ظاهرة خطيرة: توريث العداء.

فالطفل الذي يولد في بيئة مشحونة بالصراع قد يرث صورة عن الآخر قبل أن يعرفه. وقد يتحول الإنسان إلى عدو في المخيلة قبل أن يكون عدوًا في الواقع. وهذا لا يعني أن التاريخ غير مهم، ولا أن المظالم تُنسى، لكنه يعني أن المجتمعات التي تعيش أسيرة الذاكرة وحدها قد تفشل في صناعة المستقبل.

لقد عرف التاريخ الإسلامي واليهودي، مثل كل تاريخ العلاقات بين الشعوب، مراحل من التعايش والتعاون كما عرف مراحل من الصراع. لكن الذاكرة الجماعية غالبًا ما تختار الاحتفاظ بلحظات المواجهة أكثر من لحظات التواصل، لأن الصراع أكثر قدرة على التعبئة من السلام.

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل نريد فعلًا إنهاء الصراع، أم أننا أصبحنا نحتاج إلى وجود الصراع للحفاظ على بعض صورنا عن أنفسنا؟

فبعض المجتمعات لا تبني هويتها فقط على ما تؤمن به، بل أيضًا على من تعاديه. وعندما يصبح العدو جزءًا من تعريف الذات، يصبح السلام مخيفًا، لأنه يفرض إعادة النظر في الكثير من الأفكار التي تشكلت عبر عقود.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة هو أن تصبح فوق النقد. فالقضايا القوية لا تخاف من الأسئلة، بل تزداد قوة عندما تسمح لنفسها بمراجعة الوسائل والاستراتيجيات. أما تحويل القضية إلى عقيدة مغلقة، فإنه قد يجعل الإنسان يدافع عن استمرار الصراع أكثر مما يدافع عن الوصول إلى حل.

لهذا فإن النقاش حول التطبيع لا ينبغي أن يكون نقاشًا أخلاقيًا مبسطًا بين الخيانة والوطنية، بل نقاشًا سياسيًا حول النتائج والمصالح والقدرة على تحقيق السلام. هناك من يرى أن التطبيع قبل حل القضية الفلسطينية يمنح تنازلات مجانية، وهناك من يرى أن العلاقات قد تكون وسيلة للتأثير وبناء الثقة. كلا الموقفين يستحق النقاش، لكن تحويل الخلاف إلى اتهامات متبادلة يغلق باب التفكير.

المشكلة الكبرى ليست في أن يختلف الناس حول التطبيع، فهذا أمر طبيعي، بل في أن يصبح السؤال نفسه ممنوعًا.

فالمجتمعات التي تخاف من الأسئلة هي مجتمعات تخشى اكتشاف أن بعض المسلمات التي ورثتها قد لا تكون قادرة على صناعة المستقبل.

ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل نحب إسرائيل أم نكرهها؟ وليس: هل نحن مع التطبيع أم ضده؟

السؤال الأعمق هو: هل نريد أن يبقى الصراع جزءًا من هويتنا إلى الأبد، أم نملك الشجاعة للبحث عن طريق يخرج الإنسان من دائرة الدم والكراهية؟

فالسلام لا يعني نسيان التاريخ، لكنه يعني رفض أن يكون التاريخ حكمًا أبديًا على المستقبل. والشعوب لا تُقاس فقط بقدرتها على مقاومة خصومها، بل أيضًا بقدرتها على تجاوز جراحها عندما يصبح التجاوز هو الطريق الوحيد لإنقاذ الإنسان.

وربما تكون الشجاعة الحقيقية ليست في رفع صوت العداء، بل في امتلاك الجرأة لطرح السؤال الذي يخشاه الجميع:

هل نحارب من أجل أن ننتصر على الآخر، أم من أجل أن نصل يومًا إلى لحظة لا يحتاج فيها أحد إلى الحرب؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق