عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الفيلسوف آلان دونو يفكك "بنيات الكراهية" على ضوء المنافسات الرياضة - بوابة المدينة برس
قال الفيلسوف الكندي آلان دونو إن وسائل التواصل الاجتماعي، وتجزئةَ أشكال التخاطب الرقمي، من حيث كونها شبكية ومحكومة عن بُعد من لدن شركات كبرى متعددة الجنسيات قادرة على المتابعة، وممارسة الرقابة، والتحفيز، وتأطير السلوكيات، ساهمت في تضخيم النزعات الشوفينية وخطابات الكراهية التي تستند في أساسها إلى الولاء الرياضي لمنتخبات دولية أو أندية عالمية.
دونو الذي ألف الكتاب الشهير “نظام التفاهة”، أضاف بمناسبة مشاركته في مهرجان “ثويزا” الثقافي بمدينة طنجة في دورته العشرين أن ما تعانيه اليوم كثيرٌ من الصورِ الرائجة، والأشكال الجديدة للتبادل والتواصل والتعبير، بما في ذلك تصريف العواطف، هو افتقادها إلى قيمة جوهرية تتعلق بالتطهير كآلة لتنظيف الذات من المشاعر السلبية والضارة، أي “الكاثارسيس” (Catharsis) باللغة اليونانية.
وذكر المشارك في المهرجان الثقافي “ثويزا”، في مداخلة عن بُعد قدمها خلال ندوة “الحب والكراهية في زمن الرقمنة”، أن الأنظمة التكنولوجية باتت تُذكّي استعدادات عاطفية غالبا ما تكون غير مفكر فيها، أو مندفعة على نحو شوفيني إلى انحياز مسبق، مستحضرا في هذا السياق الرياضة التي أضحت شكلا ونموذجا لهذا التعاطي مع التقنية.

وتابع قائلا: “الملاحظ أنه في الرياضة، يُحكى الكثير عن رياضيٍّ أو فريقٍ يغلب، أو يسيطر، أو يفوز، أو يقصي فريقا أو رياضيا آخر”، مبرزا أنه “حتى على مستوى النقاش السياسي، ينتهي بنا المطاف، لمجرد معاينة الطريقة التي تعرض بها شبكات التواصل الاجتماعي أوجه المنافسات، إلى الشعور بأننا أمام بنيات التوتر ذاتها، والمفردات ذاتها، والانفعالات ذاتها”.
وأوضح دونو أن الأمر لا يتطلب انتقاء جهة للاصطفاف فيها، لكون الخوارزميات تتولى أساسا وضع الإنسان حبيسا في غرفة جماعية مغلقة، أي في “غرفة صدى” (Echo chamber)، وتابع: “سيسمع كل فرد أن فريقه البطل قد ألجم خصمه، وأهانه، ومحقه وسحقه وأخرجه ذليلا… إلخ، كأن الأمر يوظف معجم النزالات الحقيقية”.
وتساءل: “ما الذي يميز هذا “التشكيل/التأطير الرياضي” (Sportivisation) للنقاش العام، الذي يحمل في جوهره بنية كراهية أكثر منها فكرية، بل وحتى سياسية أحيانا؟”، وزاد: “ليس الجميع على المستوى نفسه في هذه النقطة، ولكن يتعين النظر بعمق في المعاملة التي يخصصها رواد الإنترنت لبعض المشاهد، فيأخذون مقاطع ولقطات بعينها، ويعدلونها، ويجزئونها ويطلقونها في قالب موجز وموضّب”.

وخلص الفيلسوف إلى أن “ما يميز هذه المنظومة التي تنبني أساسا على الصورة ذات الطابع الرياضي هو أنها بلا تطهير (بلا كاثارسيس)”، وقال: “إن التطهير لحظة جمالية. والرياضة لديها هذا الشق الجمالي كأي لحظة أخرى على غرار عرض سينمائي، أو تراجيديا، أو قطعة موسيقية أو حتى حوار مسرحي؛ لكونها عناصر تفرز شعورا نفسيا إيجابيا، فهي تُريح، بنوع ما، من الانفعالات النفسية وتطهّر منها”.
وذكر أن الفكر الرياضي أو المفكرين الذين اهتموا بمفعول الرياضة في الشعوب استحضروا قوتها كلحظة تجلٍّ وتواصل كبرى، بل وحتى كلحظة حب، يمكن للجميع فجأة أن يغيروا دفّتها لصبّ كراهيتهم على الخصم والأمل في انتصار فريقهم، أي السيطرة عليه، وتابع: “إذا سارت الأمور على ما يرام، فسيتم سحق الخصم، وإلجامه وطرحه أرضا”.
واعتبر دونو أن “كل هذه السلسلة من الصور الوصفية والمجازية هي شبيهة بنمط الحرب، لكنها ليست حقيقية بالضرورة ولا مبنية على مواجهة مسلحة، وإنما حرب محاكاة غير معلنة”، وأضاف: “من هذا المنظور نرصد الصراخ بكراهية واضحة في الملاعب، والتعبير بصوت عال عن الفرح، والصيحات بعد تسديدة ضائعة، والانهيار بعد الهزيمة”.

وقرأ المفكر هذه السلوكيات بوصفها “استخراجا وتفريغا لسلسلة كاملة من الأهواء والانفعالات التي تُوجَّه وتُنظّم في شبه إناء مغلق، بدلا من التعبير عنها اجتماعيا”. ولهذا، فإن فكرة التراجيديا، عندما تكون تطهيرية، تكمن في جعلنا نتقاسم أخطاء الآخرين، لكونهم بشرا مرشحين بالضرورة لذلك أيضا، لكن تصفية الحساب التصقت بالرياضة، ولم تعد مجرد خلاف فحسب، بل صارت عبارة عن صراع جيو-سياسي أحيانا.
وأنهى دونو مداخلته قائلا: “ثمة غياب لمنظومة مؤهلة للقيام بعملية التطهير؛ فتغيب تلك اللحظة التي نفهم فيها فكريا ما يحدث حقا”، فلا نجد أمامنا سوى الكراهية التي تتقوى وتشتد وتتفاقم ثم يُخلَط بينها وبين الحب للفريق المفضل أو المنتخب الوطني، وبالحقد على الفريق الخصم. وفور فهمنا لذلك، سنتمكن من إدراك السبب الذي يجعل الأمور تتدهور وتخرج عن السيطرة بمناسبة مواجهة رياضية.








0 تعليق