حلف "الناتو 3.0" يراهن على التصنيع العسكري وتقليص الاعتماد على أمريكا - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم حلف "الناتو 3.0" يراهن على التصنيع العسكري وتقليص الاعتماد على أمريكا - بوابة المدينة برس

أطلقت قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة مرحلة جديدة في مسار التحالف الغربي، بعدما تعهدت الدول الأوروبية بإطلاق أكبر عملية إعادة تسليح منذ عقود، وزيادة الاستثمار في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتراجع الانخراط العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، وهو ما دفع قادة الحلف إلى الحديث عن مرحلة جديدة أطلق عليها اسم “الناتو 3.0″، تقوم على تحمل أوروبا قسطاً أكبر من مسؤولية أمنها الجماعي، وفق تقرير نشره “واشنطن بوست إنتليجنس”.

ويرى معدا التقرير، جوش روغين وكيندريك فرانكل، أن الرسالة التي خرجت بها القمة كانت واضحة، فالدول الأوروبية لم تعد تنظر إلى تعزيز قدراتها العسكرية باعتباره خياراً سياسياً، وإنما ضرورة استراتيجية فرضتها التحولات الدولية، وفي مقدمتها استمرار الحرب في أوكرانيا للعام الخامس، وتبدل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، حيث باتت واشنطن تطالب حلفاءها بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع عن القارة، بعدما ظلت لعقود تتحمل الحصة الأكبر من الإنفاق العسكري داخل الحلف.

وخلال القمة، شدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على أن أوروبا ستعمل على جعل الحلف “أكثر أوروبية حتى يبقى عبر الأطلسي”، بينما ربط الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بين زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي ومفهوم “الناتو 3.0″، معتبراً أن التحالف يشهد عملية إعادة توازن غير مسبوقة في توزيع المسؤوليات الأمنية، أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فكان أكثر صراحة عندما أكد أن الدول الأوروبية باتت تدرك أن عليها تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، ليس فقط لأن واشنطن تطالب بذلك، وإنما لأنها لم تعد قادرة على افتراض استمرار المظلة الأمريكية بالشكل الذي عرفته خلال العقود الماضية.

وأعلن الحلف خلال القمة عن سلسلة واسعة من الالتزامات المالية والصناعية، شملت صفقات تسليح جديدة تجاوزت قيمتها خمسين مليار دولار، تغطي أنظمة الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والدفاعات الجوية والصاروخية، والطائرات غير المأهولة، ومنظومات الاستخبارات، إلى جانب تخصيص سبعة وعشرين مليار يورو لتحديث البنية التحتية الخاصة بإمدادات الوقود العسكرية داخل دول الحلف، كما اتفقت اثنتا عشرة دولة أوروبية، بقيادة بريطانيا، على إطلاق تحالف للاستثمار في قدرات الضربات بعيدة المدى بقيمة خمسين مليار دولار خلال العقد المقبل، في حين تعهد الحلف بتقديم سبعين مليار يورو دعماً عسكرياً لأوكرانيا هذا العام، مع التزام مماثل لعام 2027.

ويشير التقرير إلى أن الضغوط التي مارسها ترامب على الحلفاء الأوروبيين طوال السنوات الماضية نجحت في دفعهم إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، لكنها في المقابل عززت قناعة متنامية داخل العواصم الأوروبية بضرورة تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة في المجالات العسكرية الحساسة، وهو ما انعكس في عدد كبير من الاتفاقيات التي أبرمت في أنقرة بعيداً عن الشركات الأمريكية، إذ أعلنت بريطانيا وهولندا وفنلندا وبولندا إنشاء آلية دفاعية متعددة الأطراف لتوحيد المشتريات العسكرية، بينما طرحت المفوضية الأوروبية خمسة مشاريع دفاعية مشتركة تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة مواجهة المسيّرات، والدفاع البحري، والأمن الفضائي، والدفاع الجوي والصاروخي، إضافة إلى تعزيز القدرات الدفاعية على الحدود الشرقية للقارة.

كما قرر الحلف اعتماد طائرات الإنذار المبكر الأوروبية “ساب غلوبال آي” بدلاً من بدائل أمريكية، فيما خففت فرنسا تحفظاتها السابقة على بيع منظومة الدفاع الجوي الفرنسية الإيطالية المشتركة “سامب/تي” إلى تركيا، ووقعت أنقرة بدورها اتفاقيات صناعية مع الحلف في مجالات الصواريخ والدفاع الجوي والفضاء والطائرات المسيّرة والمواد الخام الاستراتيجية، وهو ما يعكس توجهاً نحو تنويع مصادر التصنيع العسكري داخل أوروبا بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة.

ورغم هذا التوجه، يؤكد التقرير أن أوروبا لا تزال بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، إذ تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الأمريكية في مجالات القيادة والسيطرة والاستخبارات والاستطلاع والدفاع الصاروخي، وهو ما يمنح الشركات الأمريكية فرصاً واسعة للحفاظ على حضورها داخل السوق الأوروبية، ولكن عبر نماذج جديدة تقوم على التصنيع المشترك ونقل خطوط الإنتاج إلى أوروبا، بدلاً من الاكتفاء بتصدير الأسلحة المصنعة داخل الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة “لوكهيد مارتن” الأمريكية توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “راينميتال” الألمانية لإنتاج صواريخ “أتاكمز” داخل ألمانيا، في أول خط إنتاج من نوعه خارج الولايات المتحدة، كما تعتزم إنشاء مركز أوروبي لصيانة صواريخ “باتريوت” بالتعاون مع ألمانيا وهولندا وبولندا والسويد، بينما أعلنت شركة “آر تي إكس” دراسة إنتاج صواريخ “أمرام” الجوية في أوروبا، إضافة إلى توسيع إنتاج صواريخ “ستينغر”، في حين وقعت شركة “أندوريل” اتفاقاً لتصنيع صواريخ كروز منخفضة الكلفة في بولندا، وهو ما وصفه البيت الأبيض بأنه استثمارات بمليارات الدولارات تعزز الصناعة الدفاعية الأمريكية عبر شراكات أوروبية.

ويعتبر التقرير أن أوكرانيا خرجت أكبر المستفيدين من قمة أنقرة، رغم استمرار عدم انضمامها إلى الحلف، فقد حصل الرئيس فولوديمير زيلينسكي على تعهد أمريكي بالسماح لكييف بإنتاج صواريخ “باتريوت” الاعتراضية داخل الأراضي الأوكرانية، إلى جانب توسيع التعاون مع شركات أمريكية في مجال الطائرات المسيّرة، كما وقعت أوكرانيا اتفاقيات جديدة مع هولندا والدنمارك وإستونيا لإنتاج المسيّرات، وأعلنت لاحقاً تشكيل تحالف أوروبي يضم عشر دول لتطوير أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ الباليستية، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للقارة الأوروبية على المدى الطويل.

غير أن خبراء نقل عنهم التقرير يرون أن هذه الوعود لن تتحول سريعاً إلى قدرات عسكرية فعلية، إذ يتطلب إنشاء خطوط إنتاج صواريخ “باتريوت” سنوات من العمل، كما حدث سابقاً في ألمانيا واليابان، فضلاً عن وجود عقبات قانونية مرتبطة بقوانين تصدير التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، التي تفرض قيوداً صارمة على نقل المعرفة الفنية الخاصة بإنتاج الأسلحة المتقدمة، وهو ما قد يبطئ تنفيذ كثير من الاتفاقيات التي أُعلن عنها خلال القمة.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن التحول الأوروبي نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتراض، إذ تخطط ألمانيا لاقتراض نحو 838 مليار يورو بين عامي 2027 و2030 لتمويل برامجها العسكرية، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي آلية “SAFE” التي توفر قروضاً بقيمة 150 مليار يورو لتمويل المشاريع الدفاعية المشتركة، كما أعلنت كندا إنشاء بنك للدفاع والأمن والمرونة برأسمال مستهدف يبلغ 134 مليار دولار، غير أن خبراء يحذرون من أن هذه الأموال لم تصل بعد إلى كثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الصناعات الدفاعية، وهو ما قد يبطئ وتيرة تنفيذ المشاريع المعلنة.

وفي موازاة الملفات الأوروبية، شهدت القمة تطورات لافتة تخص تركيا وسوريا، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي استعداده للنظر في إعادة تركيا إلى برنامج المقاتلة “إف-35″، رغم الخلافات السابقة المرتبطة بشراء أنقرة منظومة “إس-400” الروسية، كما أبلغ الكونغرس عزمه رفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، وهي خطوة يرى التقرير أنها قد تفتح الباب أمام استثمارات غربية في قطاعات الطاقة والاتصالات وبعض الصناعات المرتبطة بالدفاع، إذا استكملت الإجراءات القانونية اللازمة.

ويخلص التقرير إلى أن قمة أنقرة لم تقتصر على إعلان زيادة الإنفاق العسكري، وإنما دشنت مرحلة جديدة في بنية الأمن الأوروبي، عنوانها بناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر استقلالاً، وتوسيع الشراكات داخل القارة، مع الإبقاء على التعاون مع الولايات المتحدة في المجالات التي يصعب الاستغناء عنها، ورغم أن الطريق نحو “الناتو 3.0” لا يزال محفوفاً بالعقبات المالية والسياسية والتقنية، فإن الرسالة التي خرجت بها القمة تؤكد أن أوروبا بدأت بالفعل إعادة رسم معادلة أمنها، استعداداً لعالم تتغير فيه موازين القوة والتحالفات بوتيرة غير مسبوقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق