"أغار من مدينة الرباط" .. مالكة العاصمي تستعيد الذاكرة المسرحية لمراكش - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "أغار من مدينة الرباط" .. مالكة العاصمي تستعيد الذاكرة المسرحية لمراكش - بوابة المدينة برس

تعترف الشاعرة والأديبة مالكة العاصمي أنها “تغار من مدينة الرباط، ولا تخجل” من هذا الشعور، غير أن غيرتها لا تنطلق من باب المفاضلة بين المدن، وإنما من حرصها على أن تحظى مراكش بما يليق بتاريخها الثقافي والفني.

وفي مقال من جزأين توصلت به هسبريس بعنوان: “أغار من مدينة الرباط… لا أخجل”، تستعيد العاصمي جانبًا من الذاكرة المسرحية للمدينة الحمراء، متوقفة عند المكانة التي احتلتها في تاريخ المسرح المغربي، من فضاءات الفرجة الشعبية في ساحة جامع الفناء إلى المسرح المدرسي والجامعي، مرورًا بتجارب الهواة والفرق التي أسهمت في تكوين أجيال من المبدعين.

وترى العاصمي أن هذا الإرث المسرحي العريق يجعل من مراكش إحدى الحواضن الأساسية للفن المسرحي بالمغرب، مستحضرة محطات تاريخية وأسماء كان لها دور بارز في ترسيخ هذا المسار، وذلك تمهيدًا للحديث عن المسرح الكبير الذي دُشن مؤخرًا بمدينة الرباط، وما يبعثه هذا الإنجاز من أمل في أن ترى المدينة الحمراء، بدورها، معلمة مسرحية توازي مكانتها الثقافية وتاريخها الفني.

الجزء الأول من المقال:

مراكش مدينة المسرح

عرفت مدينة مراكش بالتألق في فن المسرح والتشخيص والفرجة والتمثيل والفكاهة؛ فمراكش مدينة البهجة، تعبر ساحتها الرئيسية الكبرى (جامع الفناء) عما تحفل به المدينة ويتفاعل داخلها من هذه الفنون المسرحية والاستعراضية وغيرها.

التشخيص و(الرّْقي)

لم تكن مجالس النساء والرجال وغيرهم في مراكش منذ القديم تخلو من التمثيل و(الرّْقي)، أي تقليد الشخصيات وتشخيصها ومسرحتها، ولا من الحكي والرواية والغناء وعرض النصوص المشوقة التي كثيراً ما تتطور من النص الحكائي أو القصصي أو الروائي أو من الأغنية والأهزوجة إلى نهوض بعض الحاضرين أو الحاضرات لارتداء مسوح خاصة وملابس وأردية، ومفاجأة المجتمعين والمجتمعات بتشخيص المشهد أو الدور أو الشخصية أو النموذج الذي تتحدث عنه الحكاية أو الأغنية، أو لتقديم شخصية غائبة أو حاضرة، أو لتقديم عرض من الفكاهة والترفيه، وخلق أجواء الإمتاع والتنشيط.

موسم (هرّْمَة) في مراكش

وهناك موسم المسرح الذي كانت مراكش تقيمه في الأسبوع الأول لعيد الأضحى، والمسمى (هرمة)، ويسمى في مناطق أخرى في المغرب كمنطقة سوس بموسم بوجلود الذي صار يمارس اليوم خارج مفهومه الحقيقي. و(هرمة) في مراكش كذلك ضمن المواسم والاحتفالات والمناسبات الدورية السنوية، حيث يرتدي بعض رجال المسرح والفرجة بطانة الأضحية، ويكونون موكباً يجوب شوارع المدينة لفضح الطغاة أو الحكام الفاسدين، أو التجار المستغلين، أو القضاة المرتشين، أو رجال المال المبتزين، ونقد الآفات الاجتماعية، والتشهير بمن يتسببون في اختلال ميزان الحق والعدالة في المجتمع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأخلاقية. وهو موسم آخر لطرح القضايا والمشاكل التي يعاني منها المجتمع وإبلاغها للسلطة ولكل من يهمهم الأمر، خلافاً للتحريف الذي يمارس به موسم بوجلود هذه الأيام في سوس العالمة.

موسم سلطان (الطلبة)

وليس المسرح فعلاً مقتصراً على فئات أو شرائح أو طبقات معينة، بل هو فن المجتمع بفئاته وقطاعاته الشعبية والعالمة، إذ يساهم طلبة الجامعة اليوسفية (الكلية اليوسفية) أيضاً وخريجوها العلماء في الفعل المسرحي عند نهاية السنة الدراسية، احتفالاً بالتخرج بما أطلق عليه سلطان الطلبة، وهي أيام مسرحية سبعة، يمارس فيها أحد المؤهلين دور سلطان الطلبة، وآخرون أدوار الوزراء والحكام والقضاة والقواد والعبيد وغير ذلك من الأدوار التي تقتضيها دولة السلطان، ويقتضيها إقامة أسبوع من المرح والنزهات والأكل والشرب والمتع، بتمويل من السلطان وأعيان المدينة وكبرائها وتجارها، وتقدم للسلطان في آخر الاحتفال بهذه المناسبة مطالب الطلبة ومشاكلهم.

وكما هو الأمر في تحريف القيم الكبرى للبلاد، فقد تم في المرحلة الاستعمارية تحريف هذا الاحتفال بجعل الحصول على منصب سلطان الطلبة يتم بالمزايدة، فيحصل عليه أصحاب المصالح لمطالبة السلطان بمطالب شخصية بدل مطالب عمومية، وبدل تقديم الملف المطلبي المتعلق بتحسين أوضاع التعليم والمعلمين والمتعلمين وشؤونهم.

بذلك فإن مراكش عرفت دائماً بغنى الثقافة الشعبية والتراث الفني وتعدد أنواع الفنون والمسرح.

المسرح المدرسي والجامعي

ثم تميزت مع تكون الحركة الوطنية وتأسيس المدارس الحرة بكون نسبة من محفوظات الأطفال والكبار تتمثل في مسرحيات شعرية. مدرسة الفضيلة للبنات في مراكش مثلاً، حيث درست طفلة لم تكن تتخلف خلال الفترة الاستعمارية وما بعدها عن تقديم العروض المسرحية في المناسبات الوطنية والدينية وفي حفلات نهاية السنة، ولست أنسى الطفلة التي كنتها تشخص دور النرجسة في إحدى مسرحيات المنافسة بين أنواع الزهور.

ولا أنسى كذلك مسرحية (في سبيل التاج) التي عرضتها مدرسة الفضيلة للبنات بحضور صاحبة السمو الملكي الأميرة عائشة في أوائل الاستقلال بقاعة الزجاج بالحارثي.

كذلك أسس طلبة جامعة ابن يوسف خلال المرحلة الاستعمارية جمعيات اهتمت بالمسرح وقدمت مسرحيات ضمن نشاطها الثقافي. وأذكر منذ طفولتي الأولى وأنا طريحة الفراش، حيث ذهبت الأسرة لمشاهدة عرض مسرحي لابن عمتي المقاوم الأستاذ الصديق الغراس، الذي كان رجل مسرح بامتياز في حياته اليومية، وظف موهبته إضافة للأستاذية في الاشتغال بالمسرح والفنون ورعايتهما والتكوين فيهما صحبة زميله الأستاذ عبد النبي بلعادل، حيث نهض بعدد من المبادرات المسرحية والأنشطة الفنية قبل الاستقلال وبعده. وقد وقفت عند هذه الشخصية الوطنية المقاومة في بعض كتاباتي، وقد اشتغل بالتدريس وكان من ألمع رجال التعليم والإدارة التربوية وألمع رجالات المسرح والفنون، بنى أجيال الشباب ككاتب للشبيبة الاستقلال في أوائل الاستقلال. وواصل النضال بعد ذلك في صفوف اليسار، وتوفي وهو الكاتب العام لفرع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

مسرح الهواة والفنون

بعد الاستقلال ضجت مراكش بالفرق المسرحية لدرجة تعدد الفرق المسرحية في الحي الواحد. كما تأسست مثلاً فرقة الطالب وفرقة الأستاذ وفرقة العمال… وكذلك الفرق الفنية، وكان نادي الشبيبة الاستقلالية بعرصة المعاش خلية نحل للتكوين والممارسات في هذا الميدان لا تتوقف إلا بعد منتصف الليل.

لا أنسى تلك التظاهرة الفنية الاستثنائية ومجموعة الكورال الضخمة التي تصادت في جنبات ساحة المشور السعيد، حيث قدمت أمسية شهيرة رائعة احتشد أهل مراكش للاستمتاع بها في إحدى الأمسيات عند غروب الشمس، وصدحت فيها مجموعات الكورال بنشيد عند شمس الغروب تطمئن القلوب، في مشهد فني مثير مؤثر يقدم نوعاً من الفن الجديد.

أما شخصياً، فقد انخرطت منذ تجاربي الأولى في هذه الدينامية بتقديم مجموعة عروض فنية مسرحية بمناسبة يوم الأرض مثلاً، في إطار الجمعيات التي أسستها كجمعية صدى حواء.

بعد تنظيم ما سمي بمهرجان مسرح الهواة والإعلان عن مبارياته وجوائزه، كانت مراكش تتألق بفرقها المسرحية، وقد أحرزت فرقة كوميديا برئاسة وإخراج الأستاذ المرحوم عبد العزيز الزيادي ثلاث مرات متتالية على الجائزة الأولى في هذه المهرجانات. فرق كثيرة عرفت بصيتها ومكانتها، منها فرقة الأطلس وفرقة الوفاء وفرقة شبيبة الحمراء وغيرها كثير.

فنانو مراكش من دعائم الفن بالمغرب

وقد أمدت مراكش المغرب والإذاعة الوطنية في أول تأسيسها بمجموعة من دعائم هذا الفن بالمغرب، مثل الأستاذ حسن الجندي وآل الجندي وفاطمة بنمزيان ومليكة العمري ومحمد العمري وأبو الصواب وعبد الله العمراني ومصطفى تاتاه وغيرهم كثير ممن اشتهر مسرحهم في المغرب والعالم. كما أمدتها بمجموعة من الفنانين في تخصصات كثيرة، مثل الفنان العربي الكوكبي والماسترو عواطف وغيرهم كثير.

مسرح الرباط ومسرح مراكش

هذه مجرد مقدمة للحديث عن المسرح الفخم الذي دشن مؤخراً بمدينة الرباط بحضور مميز من أصحاب السمو الملكي ونساء ورجال المسرح والفنون وشخصيات المدينة وفعالياتها الثقافية.

ومقدمة للتذكير بكون مدينة مراكش كانت سباقة منذ سبعينيات القرن الماضي لإقامة مسرح جديد عصري كمعلمة من النوع الذي يشرف البلاد والمسرحيين والإبداع المسرحي ويساعد على نموه وتطوره، كما هو حال مسرح الرباط ومعلمته الكبيرة المميزة.

يتبع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق