عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الشيخ حمد بن خليفة... مهندس نهضة قطر وصانع نفوذها - بوابة المدينة برس
عن عمر يناهز 74 عاماً، رحل اليوم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي حكم دولة قطر بين عامي 1995 و2013، ويُنظر إليه بوصفه مهندس مرحلة التحول الاقتصادي والسياسي، التي نقلت الإمارة الخليجية الصغيرة إلى موقع أكثر حضوراً على المستويين الإقليمي والدولي.
ولد الشيخ حمد بن خليفة عام 1952 في مدينة الدوحة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي، قبل أن يلتحق بكلية ساند هيرست العسكرية في المملكة المتحدة، التي تخرّج فيها في يوليو 1971، لينضم بعدها إلى القوات المسلحة القطرية.
تدرّج الشيخ حمد في المناصب والرتب العسكرية حتى رُقي إلى رتبة لواء، وعُيّن قائداً عاماً للقوات المسلحة القطرية. وفي عام 1977، بُويع ولياً للعهد وتولى منصب وزير الدفاع، ليبدأ من موقعه الجديد دوراً متزايداً في إدارة شؤون الدولة ورسم توجهاتها المستقبلية.
وفي عام 1989، تولى رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط، الجهة المسؤولة عن وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، كما ترأس منذ إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الشباب عام 1979 حتى عام 1991، في إطار اهتمام مبكّر بقطاعات التنمية البشرية والشباب.
وتولى الشيخ حمد الحكم عام 1995، وبدأ منذ السنوات الأولى لعهده مشروعاً واسعاً لإعادة بناء مكانة قطر الاقتصادية وتعزيز حضورها الخارجي. وخلال فترة حكمه، أُقر الدستور الدائم للبلاد، وأُطلقت لاحقاً «رؤية قطر الوطنية 2030» التي هدفت إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتحقيق تنمية مستدامة قادرة على تقليل الاعتماد على الموارد الهيدروكربونية وحدها. عندما تولى الشيخ حمد الحكم، كانت قطر دولة صغيرة تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز، بينما كانت الإمكانات الهائلة لاحتياطياتها من الغاز الطبيعي لم تدخل بعد مرحلة الاستغلال الكامل. وخلال سنوات قليلة، قاد تحولاً اقتصادياً واسعاً جعل من الغاز الطبيعي المسال محوراً رئيسياً في صعود البلاد الاقتصادي، لتصبح قطر لاحقاً واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم. اعتمد هذا التحول على استثمارات ضخمة في تطوير حقل الشمال، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، وإنشاء صناعة متكاملة للغاز المسال، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الإيرادات الحكومية وتعزيز القدرة المالية للدولة. وارتفع الناتج المحلي الإجمالي القطري من نحو 8 مليارات دولار منتصف التسعينيات إلى أكثر من 200 مليار دولار في العقد الثاني من الألفية، فيما تحولت قطر إلى واحدة من أعلى دول العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي تجاوز في بعض السنوات 70 ألف دولار. وكان إنشاء جهاز قطر للاستثمار عام 2005 محطة أساسية في هذه السياسة الاقتصادية، إذ أصبح الذراع الاستثمارية للدولة لإدارة الفوائض المالية واستثمارها عالمياً. ووسع الصندوق محفظته لتشمل قطاعات متنوعة، من الطاقة والصناعة إلى العقارات والرياضة، مستثمراً في شركات ومؤسسات دولية بارزة، من بينها حصة في شركة فولكسفاغن الألمانية، وامتلاك متجر هارودز البريطاني، والاستثمار في نادي باريس سان جيرمان الفرنسي.

وبالتوازي مع تنمية قطاع الطاقة، شهدت قطر خلال عهد الشيخ حمد توسعاً عمرانياً واسعاً، شمل تطوير البنية التحتية وإنشاء مشاريع كبرى غيّرت ملامح الدوحة، كما ارتفعت الاستثمارات في قطاعات التعليم والصحة والتنمية البشرية، باعتبارها ركائز أساسية لبناء اقتصاد حديث. ساهمت هذه السياسات في تحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مع انخفاض معدلات البطالة وارتفاع مستويات المعيشة، كما انعكس ذلك على تصنيف قطر في مؤشرات التنمية البشرية الدولية. وبحلول نهاية عهد الشيخ حمد، كانت قطر قد تحولت من اقتصاد محدود الحجم إلى دولة ذات وزن مالي واقتصادي عالمي، تمتلك واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية، وتحتل موقعاً متقدماً في سوق الطاقة العالمي. وفي عام 2010، عندما كان الشيخ حمد لا يزال أميراً للبلاد، فازت قطر بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية تستضيف البطولة العالمية الأبرز.
اعتمد الشيخ حمد في سياسته الخارجية على مبدأ تنويع الشراكات والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وهو ما منح قطر مساحة أوسع للحركة الدبلوماسية، ورسّخ حضورها كطرف فاعل في ملفات إقليمية ودولية متعددة.
وفي إطار هذه السياسة، عزز الأمير الراحل العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي أقامت في قطر قاعدة العديد الجوية، إحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، التي تستضيف مقر القيادة المركزية الأميركية المتقدم، لتصبح إحدى ركائز التعاون الأمني بين البلدين.
وفي المقابل، حافظت الدوحة خلال عهده على قنوات اتصال مع أطراف مختلفة في المنطقة. ففي عام 1996، وفي سياق مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو ومحاولات توسيع الاتصالات العربية - الإسرائيلية، افتُتح مكتب تجاري إسرائيلي في الدوحة، قبل أن تقرر قطر إغلاقه في يناير 2009 عقب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (عملية الرصاص المصبوب)، وطلبت مغادرة ممثلي إسرائيل وإنهاء وجود المكتب.
وخلال عهد الشيخ حمد، شهدت العلاقات القطرية - التركية تحولاً لافتاً، إذ انتقلت من إطار العلاقات التقليدية إلى مستوى شراكة سياسية واقتصادية وأمنية متنامية.
ففي عام 2008، أسست اللجنة الاستراتيجية العليا القطرية ـ التركية، لتشكل إطاراً مؤسسياً لتعميق التعاون بين البلدين.
ومع اندلاع أحداث الربيع العربي عام 2011، برز التقارب السياسي بين الدوحة وأنقرة بشكل أكبر، إذ تقاربت مواقف البلدين حيال عدد من الملفات الإقليمية، خصوصاً في مصر وسورية، إضافة إلى التعامل مع صعود القوى الإسلامية في المنطقة.
ورأت تركيا في قطر شريكاً خليجياً يمتلك إمكانات مالية وإعلامية وسياسية متنامية، فيما وجدت الدوحة في أنقرة شريكاً إقليمياً صاعداً يمكن التعاون معه في ملفات عدة.
دعم القضايا العربية ودبلوماسية الوساطة
إلى جانب بناء شبكة تحالفات دولية وإقليمية، سعى الشيخ حمد إلى ترسيخ مكانة قطر كطرف مؤثر في السياسة العربية، من خلال الجمع بين أدوات الوساطة والدبلوماسية والتمويل، وهو النهج الذي جعل الدوحة حاضرة في عدد من الأزمات الإقليمية.
وكان إطلاق قناة الأخبار (الجزيرة) عام 1996 من أبرز أدوات القوة الناعمة القطرية، إذ تحولت القناة خلال السنوات التالية إلى مؤسسة إعلامية ذات تأثير واسع في المشهد العربي والدولي، وأصبحت جزءاً أساسياً من الحضور القطري الخارجي.
وأولى الشيخ حمد اهتماماً خاصاً بالقضية الفلسطينية، وفي 23 أكتوبر 2012، وصل إلى قطاع غزة في زيارة تاريخية، ليكون أول زعيم عربي يزور القطاع المحاصر. وكانت هذه الزيارة امتداداً لحضور قطري سابق، إذ سبق له أن زار غزة عام 1999، في مرحلة شهدت تعثراً في تنفيذ التزامات اتفاقيات «واي بلانتيشن» الموقّعة عام 1998، مما منح الزيارة آنذاك أبعاداً سياسية ودبلوماسية بارزة.
كما رعت قطر في عهده إعلان الدوحة عام 2012 بهدف إنهاء الانقسام الفلسطيني بين حركتَي فتح وحماس، ضمن جهودها للتقريب بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.
وبعد حرب لبنان عام 2006، سارع الشيخ حمد إلى زيارة جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، ليكون أول مسؤول عربي رفيع المستوى يصل إلى المناطق التي تعرّضت لدمار واسع جراء الحرب. كما أدت قطر دوراً بارزاً في جهود إعادة الإعمار هناك، عبر مشاريع ساهمت في إعادة بناء مناطق متضررة.
ولاكتسابها خبرة متزايدة في إدارة الأزمات، اضطلعت الدوحة لاحقاً بأدوار وساطة في ملفات عربية عدة، كان أبرزها رعاية اتفاق الدوحة عام 2008 بين الفرقاء اللبنانيين، الذي أنهى أزمة سياسية استمرت نحو عام ونصف العام، وأفضى إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
كما رعت قطر وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011 بين الحكومة السودانية وحركات متمردة في الإقليم، في إطار جهودها لتعزيز دور الوساطة الإقليمية.
ولم تقتصر جهود قطر خلال عهد الشيخ حمد على الملفات العربية، بل امتدت إلى قضايا دولية، إذ استضافت الدوحة في يونيو 2013 مكتباً لحركة طالبان الأفغانية، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى تسهيل الاتصالات والمفاوضات بين ممثلي الحركة والجهات الأفغانية المعنية بعملية السلام. وأعلنت قطر دعمها لهذه الخطوة باعتبارها مساراً لتسهيل الحوار السياسي.
دستور وانتقال سلس للسلطة
على الصعيد الداخلي، أطلق الشيخ حمد عدداً من الخطوات الإصلاحية التي هدفت إلى تطوير مؤسسات الدولة وتعزيز الإطار الدستوري والتنظيمي للحكم.
وفي عام 1999، أصدر قراراً بتشكيل لجنة لإعداد دستور دائم لدولة قطر، قبل أن تتم الموافقة على مشروع الدستور عبر استفتاء شعبي جرى في 29 أبريل 2003، حيث حظي بموافقة واسعة.
ونص الدستور على مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مؤكداً أن «الشعب مصدر السلطات»، مع استمرار تولي الأمير السلطة التنفيذية بالتعاون مع مجلس الوزراء.
كما نص الدستور على إنشاء مجلس الشورى، الذي أصبح يتولى السلطة التشريعية، مع انتقال تشكيله من التعيين الكامل من قبل الأمير إلى نظام يجمع بين الانتخاب والتعيين، بحيث يُنتخب ثلثا أعضائه ويُعيّن الأمير الثلث المتبقي. وتولت المحاكم ممارسة السلطة القضائية وفق أحكام الدستور.
وفي إطار هذا المسار، شهدت قطر أول انتخابات بلدية في مارس 1999، في خطوة اعتُبرت جزءاً من تطوير المشاركة المجتمعية في إدارة الشأن العام.
وفي 25 يونيو 2013، فاجأ الشيخ حمد الجميع بإعلانه نقل الحكم إلى نجله الرابع وولي عهده آنذاك، الشيخ تميم بن حمد، في خطوة هدفت إلى ضمان انتقال سلس للسلطة وتعزيز استمرارية الدولة ومؤسساتها.
ومنذ تنازله عن العرش، احتفظ الشيخ حمد بلقب الأمير الوالد، وظل بعيداً نسبياً عن الأضواء، مع حضور محدود في الحياة العامة، تاركاً إدارة الحكم للجيل الجديد.
وخلال ما يقارب عقدين من حكمه، ارتبط اسم الشيخ حمد بمرحلة تحول عميقة في تاريخ قطر، انتقلت خلالها الإمارة من دولة خليجية صغيرة محدودة التأثير إلى لاعب اقتصادي ودبلوماسي يمتلك أدوات حضور إقليمي ودولي، مستفيداً من ثروتها الغازية ومن سياسة خارجية اعتمدت على بناء شراكات متعددة والانخراط في ملفات المنطقة والعالم.








0 تعليق