لم أعدْ أفهم ما يحدث - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم لم أعدْ أفهم ما يحدث - بوابة المدينة برس

يُحكى أنّه طُلِبَ من ثلاثة عميان أن يصفوا الفيلَ لمساً، وبعد لمس الأول أذنَه بدا له مروحةً ضخمة. فيما بدا للأعمى الثاني جذعَ شجرةٍ بعد لمس ساقه. بينما بدا للثالث ثعباناً كبيراً بعد لمس خرطومه. وهذا يعني أمرين اثنين: أولهما أن العمى ليس عاهة بقدرما هو حجاب، وما أكثر الحجب التي تغلّف الحقيقة في ذهن المرء أنى كان. والثاني أن الحقيقة ملتبسة ونسبية، وغالباً ما تتغيّر دلالاتُها بتغيّر الزّوايا التي يُنظَرُ من خلالها إلى أشيائها ومظاهرها. وهذا ما نواجهه ونحن نعاين يوميا بعض مظاهر الحياة الجديدة في معيش الكتاب.

في الكتابةِ كما في الحياة، لا أخالني متعصّباً لكل قديم، ولا متحجّراً تجاه كل جديد ومحدث. كم يطيب لي أن أتكيّف مع الشروط الجديدة للحياة، وكم يعجبني كل جديد خلاق يساهم في الانفتاح على ما يحدث في العالم من طفرات تُصبح مواكبتُها ضرورةً، لا يعني تجاهلُها سوى إصرارٍ غيرِ مبرّرٍ على العجز والتخلّف عما يتطلّبه الواقع من قيم ومعارف تقوم بديلاً لما تهالك واندثر. لكن، ما كلّ ما يخلقه الواقع الجديد، ويوحي بأهميته يستحق الأخذ بقيمه وتمثلها، خاصّةً إذا كانت تخالف قيماً أخرى أصيلةً لا تعوق حركةَ التطور في ثقافتنا المعاصرة. وهذا ما يبسط أمامي يومياً عدداً من المظاهر التي يصعُبُ على المرء أن يجدَ لها معنى يسوّغُ سيادتها أو حتى القبول بها.

لم أعد أفهم ما يحدُثُ في السّاحة الثقافية المغربية في العقود الأخيرة، ولا ما أخذ يسودها من مظاهر غريبة تفاجئني كل مرّة، دون أن أدرك ضرورتها ولا مراميها ولا الأسباب الداعية إليها.

لا أقصد أحداً بعينه، ولا تعنيني سلوكاتٌ معزولةٌ لأفراد قد أعرفهم ويعرفونني، لكنني أكتفي بالإشارة بسبّابتي المتعبة إلى ما يشين ثقافتنا من مظاهر تتجاوز الفردي الخاص إلى الجمعي العامّ.

[1] فأنا لا أعرف مثلا كيف يستطيع بعض الكتاب اكتساب قوتهم المشحونة بالغرور والجسارة والنزق، فيسمحون لأنفسهم بكتابة أسمائهم مسبوقة بالصفة الإبداعية السامية (الشاعر/ة، القاص/ة، الكاتب/ة، الناقد/ة…) تيمّنا بالضابط الذي لا يذكر اسمه مهنيا إلا مسبوقا بالكولونيل أو الجنرال… أما كان من الحكمة واللياقة والتواضع أن يمهل الكاتب نفسه قليلا إلى أن تنضج التجربة على مهل فيصبح المنجز الأدبي نفسه قادرا على القيام بهذه المهمة، وتوكيد الصفة المومأ إليها بالفعل لا بالقوة، بعيدا عن النرجسية المفرطة.

وأنا أربأ بكاتبٍ عن تمريغ كرامته حين يستعطف رئيس جمعية أو مسؤولا عن مؤسسة ثقافية، ويطلب منه مستجدياً، بدون حياء، تنظيمَ توقيع لكتاب من كتبه، أو تكريمه تكريما تتوالى فيه خطبُ مدحٍ مملة لا معنى لها، يُتَوّج بإهداء المكرم الشامخ بورتري باهتاً لا يساوي ثمن قلم الرصاص الذي سوّده. في الحالة الأولى يبدو أن الكاتب أصبح شحاذا ثقافيا، وفي الحالة الثانية يبدو واهما حينما يكذب على نفسه ولا يبني قصورا شاهقة من رمال فقط، بل يورّط غيرَه في تشييدها وتلميعها في أعين الآخرين. وفي الحالتين معا، فإنّ الكاتب يتدنّى لدرجة يفقد معها أنفته وهو الأدهى والأمرّ.

[2] وأنا أتساءلُ عن العبقرية التنظيمية التي توحي للمنظمين أنْ يحشروا ثلاثين شاعرا في أمسية شعرية واحدة، ويتركوهم يختنقون في قاعة غير مكيفة تغصّ بجمهور جلّه لا يعرف أبسط معاني الشعر، وقد تورّط في سوقه بحسن نية، لذلك تراه ينام خلال القراءات ولا يستيقظ إلا على إيقاعات الطبلة والدفّ والرقّ في وصلات كان سحرُها وحده هو الذي قاده إلى هذه الاحتفالية.

أما في احتفاليات التكريم، فيثير انتباهي دائماً جيشٌ من الشعراء لا يضيّع فرصةً للمشاركة في عرس شعريّ بهيج، يتنافسُ مقاتلوه أمام المكرفون على إلقاء معلقاتهم احتفاءً بأنفسهم قبل الاحتفاء بغيرهم. وحسبي أنهم يعتقدون في قرارة أنفسهم، أنهم أولى بالتكريم من المحتفى به الجالس أمامهم منصتاً لإرغائهم وإزبادهم، مع أنه كان المفروض إلقاءُ الضوء على تجربته الأدبية، وإعطاؤه الوقت الكافي للقراءة والحوار وتأمّل منجزه من خلال تفاعله مع الحضور.

في هذه السياق، أؤكد أنّ ثمة جمعياتٍ ثقافيةً جادّة قليلة تُخلص لرسالتها النبيلة، ويضحي مؤطّروها تضحياتٍ جسيمةً لتوسيع إشعاعها ومضاعفته، غير مبالين بأمجاد كاذبة، ولا بوجاهة أو جني ريع ما. لكن بالمقابل، تبدو السّاحة مليئة بجمعيات ثقافية كثيرة تهتم بكل شيء إلا الثقافة. ما أكثر ما يغريني إعلان عن مهرجان شعري أو قصصي يُنعت بالعربي أو حتى الدولي، وحين ألقي نظرة على الأسماء العربية أو الدولية المشاركة فيه، غالبا ما تفاجئني أسماء باهتة، ونكرات لا قيمة أدبية لها في بلادها. وحين أتساءلُ عن مبرّر وجودها في هذه التظاهرة أو تلك، لا أجد مبررا ثقافيا واحدا يسوّغ دعوتها، فيما تبرز حقيقتان صادمتان تفضحان الحكاية من أولها، وتؤكدان كون النية منذ البداية لم تكن ثقافية.

الأولى هي رغبة فاعلي الجهة المنظمة في إعطاء جمعيتهم هالة ما، وإيهام الجهات المانحة باتساع إشعاعها وامتداده إلى مثقفين ومبدعين خارج الوطن، مما يعطيها مصداقية أكثر.

والحقيقة الثانية هي تسهيل تبادل الزيارات الأخوية بين الفاعلين محليا وعربيا، وتيسير سبل تنقّلهم، وتسهيل الحصول على التأشيرات، مما يعطي هذه اللقاءات طابعا سياحيا طاغيا.

هذا الاستهتار تنعكس عنه بوضوح نتيجتان مختلفتان، إحداهما هي ضحالة المنتوج الثقافي المقدّم للمتلقّي المتعطّش، وتكريس التفاهة نتيجةً لاضطراب الأهداف وغموض البرامج وارتجال المواقف تبعاً لما تمليه اللحظة. والثانية هي افتقادُ العمل الثقافي لشرعيته نتيجة ابتعاده عن خدمة أهدافه الحقيقية. والشكلان معا يقدّمان صورة رديئة للعمل الثقافي تساهم في تدنّيه، إن لم أقل انحطاطه، بدل تطويره وتنميته.

[3] وفضلاً عن ذلك، فقد كان عليّ أن أبذل جهداً كبيراً لفهمِ الأسباب الداعية إلى وجود جمعيات ومنظمات واتحادات بل و(أكاديميات ورابطات) مهتمة بالثقافة والعلوم، ما أكثر ما تجدها تحشر الغثّ والسّمين في سلة واحدة، وتزكّي كائنات لا علاقة لها بالأدب والثقافة تزكيةً تسمح لها بالانتماء إليهما بالقوة. وهي إذ تمارس ممارستها تلك لأهداف ريعية وسلطوية، فإنها تعلم أو لا تعلم أنها تزكّي رداءة ثقافية تنتشر انتشار النار في الهشيم وتأتي على الأخضر واليابس مدمّرةً الماضي والحاضر والمستقبل.

في سياق هذا التسيب، كثيرا ما أفاجَأُ في بعض القراءات للأعمال الأدبية، شعرية كانت أو قصصية أو مسرحية، أن هناك قارئا يتدخّل، فيتضح أنه لم يقرأ العمل موضوع النقاش أصلا، لكن ما يدفعه إلى المساهمة بزعيقه هو الرغبة في تسجيل حضوره بالقوة، واستعراض عضلاته في فضاء ليس حلبة لكمال الأجسام. في هذه الحال، غالبا ما تتحمّل النصوص ما لا يحتمل، ويخوض البطل في المدح والتمجيد، وكأنه ما حضر إلا لتشغيل الطبول والمزامير، ورش النص بألوان زاهية، ونثر الزهور على صفحاته والحال أن مهمة النقد مهمة أخرى غير هذه المهمة، إنه توليد لدلالات النص، وقول ما قاله خياليا وجماليا بأدوات تنتمي لمخبر رقيق لا يقلّ جمالا وتأملا.

والحقيقة أنني حينما أتأمّل هذه الظاهرة المتفشية، فإنني أجدُها تفضح أحدَ أمور ثلاثة تخفيها شخصية (الناقد) أو القارئ: إما خواءً معرفياً لا يسعفه على توليد دلالات النص. وإما ضعفاً ما أمام سلطة خارجية قد تكون سلطة صديق أو خليل تحتّم المداراة والمجاملة والمداهنة. وإما قيامه بأداء خدمة أدبية مقابل خدمةٍ أدبية، أو خدمةٍ مدفوعةِ الأجر بصريح العبارة، أو خدمةٍ أدبية يتوخّى صاحبها من وراء تقديمها تحقيقَ خدمات نفعية أو ريعية إذا كان هذا الطرف الآخر متنفذا ثقافيا وإداريا.

[4] من جانب آخر، أستغرب من بعض الكتاب تصديقهم لأكاذيب شتى لا تخدم إلا الكسل والشعور بعلو الكعب، والانتشاء بوهم التحليق عاليا، منها أكذوبة “شهادات الاعتراف بالكفاءة” و”شهادات التقدير والتمجيد” التي تمنحها (مراكز أكاديمية للشعر والنقد والفنون وكل شيء)، تُنعت أحيانا بأنها وطنية وحتى دولية، وهي إن دقّقنا البحثَ ليست سوى مراكزَ وهميةٍ لا وجود ثقافي لها، ولا مصداقية لها إنْ وُجِدتْ. والغريب أن كثيراً من النرجسيين ينشرون هذه الشهادات مبتهجين في صفحاتهم منتظرين الاحتفاء بها بمئات اللايكات والتبريكات والتعليقات، جاهلين أن الاعتراف يكمن في ما تنجزه أنت لا في ما يأتي من الخارج كيفما كان.

ومما يلابسُ هذه الظاهرة، وجود شريحة من المثقفين تنفق ثلاثمئة دولار أو أكثر للحصول على “دكتوراه فخرية” صادرة عن أكاديمية لا وجود لها إلا في الورق الصقيل المختوم الذي لا يصلح إلا لتزيين بقعة فارغة على جدار مليء بالصور واللوحات. هذا، مع العلم بأن “الدكتوراه الفخرية” الحقيقية تمنحها جامعات معترف بمصداقيتها العلمية بناء على مواصفات وشروط معلومة. ومع ذلك لا يستحيي “الدكتور الشّرفي” من تضمين فتحه المبين ضمن سيرته الشخصية.

[5] وأخيرا، ومع احترامي لكثير من الأساتذة الباحثين، فأنا لا أفهم اليوم إقدامَ بعضهم على نشر إعلانات عن مناقشة أطاريح جامعية يشرفون عليها، أو يشاركون في مناقشتها على صفحاتهم الخاصة، ثم نشر صورهم مع الطالب الباحث وأعضاء اللجنة الموقرة، وأسرة الطالب وأصدقائه. أفهم دلالة هذه التغطية حينما يقوم بها الطالب الباحث رغبة في توثيق لحظة فرح لا تتكرر، لكنني أستغرب تولي الأستاذ الباحث القيام بهذه الخدمة المجانية بالنيابة.

في هذا السياق، لا أفهم ابتزاز كثير من الأساتذة لطلابهم، وإكراههم على حضور الفعاليات الثقافية والعلمية التي يساهمون فيها، واقتناء إصداراتهم وتوقيعها رغم أنها قد لا يكون لها أي علاقة مع دروسهم أو اهتمامات طلابهم، بل والكتابة عنها في الصحف والمجلات، وتضمين فصول أطاريحهم قهرا لنتف لا معنى لها أحيانا من آراء الأستاذ الكبير ووجهات نظره، ولا يكون ذلك الحرث في الأراضي البعيدة عن مواضيع بحوثهم إلا نفاقا وتزلّفا لضمان مرضاة الشيخ الجليل، واكتساب حظوةٍ من المفروض أن يكون الطالب الجامعيّ في غنى عنها.

لا يختلف اثنان في أنّ لكلّ واحد منا انطباعات عابرة حول قضية أو حدث أو واقعة كيفما كانت طبيعتها، قد تتجاوز اهتماماته واختصاصه لكنها تثير انتباهَهُ فيهتبل الفرصة إذا سنحت للإدلاء برأيه في سطر أو ثلاثة، في جملتين أو أربع، دون أيما ادعاء لامتلاك الحقيقة كاملة، ولا مقاربتها مقاربة الجهبذ المتخصّص. لكن، من المضحك المبكي أنّ شريحة من جامعيّينا لا تقل غرابةً عن الشرائح السابقة، وأصبحت تغير نظاراتها في كل حدث أو مناسبة، وفقا لتغيّر الظروف والمناسبات، لاعبةً على الخصوص أحد دورين أو هما معا. فتارةً تلعب دور المفتاح السّحري الطيّع Passe-partout المناسب لفتح كل الأبواب المغلقة في النقاشات العمومية كيفما كانت، تناقش كلّ المواضيع بدون استثناء، وتحلّلها وتقترح لها حلولا بثقة عالية لا يملكها المتخصصون. وتارة أخرى تلعب دور البوق (بمعناه الموسيقي والصوتي معا)، فتكون تحت تصرف مايسترو سياسيّ أو ماليّ أو إعلاميّ، مستهدفةً توجيه الرأي العام وتحنيط الحقائق تارة والتشويش عليها أخرى، وذلك ليس بدافع المساهمة في نقاش عام، ولا استجابة لنزوع موسوعي داخلي مشروع، مما يجعلها نغمات مصطنعة ينقصها ثابتٌ أساسي يضفي عليها الشرعية والمصداقية هو ثابت الأصالة التي تقوم على قاعدةٍ ثلاثيةٍ صلبةٍ هي مزيج من المعرفة والعمق والصدق.

[6] لم أعد أفهم كل هذا، وهو غيض من فيض، إما لأنني ظللتُ أسيرَ نوستالجيا تشدّني مثل أهل الكهف إلى زمن آخر غير زماني، تختلفُ قيمُهُ. وإما لأن هناك خللاً ما تسبّب فيه التقدم التكنولوجي وسرعة إيقاع الحياة المعاصرة وجعلا الذات الثقافية الفردانية أكثر نرجسية واستعراضية بقدرما تلتصق بالوسائط الاجتماعية وتذوب فيها، فأصبحت قنوات العمل الثقافي أكثر رحابة من حيث التواصل، وأصبح انتشار المعلومة أنّى كانت قيمتها أيسر، مثلما أصبح استمراء الأكلات السريعة من طاكوس وهمبرغر وتشيز بورغر أسهل من هضم الأكلات القديمة ذات القيمة الغذائية التي يحتاج إنضاجُها على نار هادئة إلى وقتٍ أطولَ، وإلى جهد وأناة ومعرفة، وإلى ثقافة جمالية عميقة.

أعرف أنني عاجزٌ حتى عن فهم كثير مما يحدثُ من أمورٍ جادة لصيقة بتخصصي واهتماماتي، وبالأحرى فهم قضايا معقدة لا علاقة لي بها، أو سلوكات مستجدّة لم تشهدها العقود الثلاثة أو الأربعة التي عشتُها ثقافيا وجامعيا، مما يجعلُ لها معنى لدى بعض الفاعلين الطارئين لا يستطيع وعيي أن يرتقي إلى تأوّله وهو يتبخّرُ أمام عينيّ ويفقدُ دلالاته.

من المؤكد أن هناك ما هو أدهي، لكن لنغلقْ حلقة الدائرة بحكاية من حكايات جحا الذي سقط معطفُه على الأرض مرةً، فبادر أحد مرافقيه إلى مناولته إياه، وما زال المعطف يتطاير بسبب الريح، وما زال مرافقوه يحاولون تثبيته على ظهر جحا، فقال لهم: “دعوه وشأنه، إنه يتدرّب على الطيران”. وأنا أيضا لا أملك إلا أن أقول لأمثالي من الكتاب: دعوا أصدقاءَنا وشأنهم، فهم أيضا يتمرّنون على الطيران”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق