اقتصاد فترات الذروة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم اقتصاد فترات الذروة - بوابة المدينة برس

اقتصاد فترات الذروة
يوسف اليوبيالجمعة 10 يوليوز 2026 - 23:58

لماذا ترتفع الأسعار كلما اشتد الإقبال؟ قراءة في علم النفس الاجتماعي لاقتصاد فترات الذروة

تزامناً مع فعاليات كأس العالم لكرة القدم، يعمد بعض أرباب المقاهي إلى الرفع المفاجئ لأسعار المشروبات خلال مباريات المنتخب الوطني مستغلين بذلك الإقبال الكبير للمواطنين. ويتكرر الأمر نفسه لدى بعض سائقي النقل، حيث ترتفع أسعار الرحلات مع اقتراب العطل والمناسبات بسبب تزايد الطلب. كما يُلاحظ السلوك نفسه لدى بعض الفنادق أو أصحاب الشقق المعدة للكراء، الذين يرفعون أسعار الإقامة بشكل كبير خلال فترات الذروة السياحية أو أثناء احتضان المدن لتظاهرات كبرى. فكيف يفسر علم النفس الاجتماعي ظاهرة الارتفاع المفاجئ لأسعار بعض الخدمات خلال فترات الذروة؟

تكشف ظاهرة ارتفاع أسعار بعض الخدمات خلال فترات الذروة، عن تفاعل معقد بين الآليات الاقتصادية والدوافع النفسية والاجتماعية. ورغم أن الاقتصاد يفسر هذه الظاهرة من خلال قانون العرض والطلب فإن علم النفس الاجتماعي يبين أن سلوك كل من مقدم الخدمة والمستهلك يتأثر أيضاً بإدراكاته وقيمه وتوقعاته، وليس فقط بالحسابات الاقتصادية المجردة.

فمن جهة، ينظر بعض مقدمي الخدمات إلى فترات الذروة باعتبارها فرصاً استثنائية لجني المزيد من الأرباح. ومن جهة أخرى، لا يقيّم المستهلك السعر من زاوية قيمته المالية فقط، بل من زاوية العدالة المدركة أي مدى اقتناعه بأن الزيادة مبررة أخلاقياً واقتصادياً. لذلك، قد يتقبل المستهلك زيادة في السعر إذا ارتبطت بارتفاع حقيقي في التكاليف أو بتحسن في جودة الخدمة، لكنه يشعر بأنه تم استغلاله عندما يدرك أن الزيادة جاءت فقط نتيجة استغلال ظرف مؤقت أو حاجة ملحة وقد تتراجع ثقته في مقدم الخدمة، حتى وإن استمر في التعامل معه مؤقتاً.

كما تلعب الظروف المحيطة دوراً أساسياً في تشكيل القرار الشرائي. يقبل بعض المستهلكين بأسعار كانوا سيرفضونها في الظروف العادية لسبب بسيط وهو قلة البدائل المتوفرة امامهم أو ضيق الوقت في البحث عن بديل اخر. غير أن هذا القبول لا يعني بالضرورة الرضا، بل يكون ناتجاً عن غياب الخيارات، وهو ما قد يترك أثراً سلبياً في العلاقة بين الزبون ومقدم الخدمة.

ومن زاوية اجتماعية، تساهم المعايير الاجتماعية في ترسيخ هذا السلوك؛ إذ قد يقوم بعض مقدمي الخدمات برفع الأسعار لأنهم يرون أن منافسيهم يفعلون الشيء نفسه، فيتحول السلوك الفردي إلى ممارسة جماعية لتصبح «أمراً عادياً” داخل القطاع.

وهنا يتجلى دور السلطات في ضمان أن يظل السوق فضاءً للمنافسة الشريفة، لا مجالاً لاستغلال ظروف استثنائية أو احتياجات المواطنين. فكلما نجحت الدولة في تحقيق التوازن بين حرية المبادرة الاقتصادية وحماية المستهلك، زادت ثقة جميع الأطراف في السوق، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع معاً.

وفي النهاية، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تعتمد فقط على القوانين أو آليات السوق، بل تتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة المسؤولية المهنية، إلى جانب رفع وعي المستهلك بحقوقه وتشجيع المنافسة الشريفة. فالسوق الناجحة ليست تلك التي تحقق أكبر قدر من الأرباح في أقصر وقت، وإنما تلك التي تنجح في بناء علاقة متوازنة ومستدامة بين مقدم الخدمة والمستهلك، قائمة على الثقة والشفافية والعدالة. هذه العلاقة هي التي تضمن استقرار النشاط الاقتصادي على المدى الطويل، وتحول الربح من مكسب ظرفي إلى شراكة دائمة بين جميع الفاعلين في السوق.

-باحث في علم النفس الاجتماعي – جامعة بن طفيل القنيطرة

النشرة الإخبارية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

اشترك

يرجى التحقق من البريد الإلكتروني

لإتمام عملية الاشتراك .. اتبع الخطوات المذكورة في البريد الإلكتروني لتأكيد الاشتراك.

لا يمكن إضافة هذا البريد الإلكتروني إلى هذه القائمة. الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني مختلف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق