عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المدرسة العمومية بين مشروعين - بوابة المدينة برس
ونحن نواكب إصلاح المدرسة في مختلف محطات الإصلاح، على امتداد ثلاثة عقود من الزمن، ومن زوايا نظر متنوعة، نخلص إلى أن المدرسة العمومية، اليوم، معلقة بين مشروعين متناقضين، يختلفان من حيث الخلفيات والأهداف والمآلات:
مشروع العدالة الاجتماعية الذي يراهن على المدرسة العمومية كأداة لتكافؤ الفرص والإنصاف والارتقاء الفردي والمجتمعي، القائم على التنشئة على الثوابت الجامعة وقيم المواطنة والمشاركة والانتماء والالتزام، وعلى التربية على الاختيار والمسؤولية، كما هو قائم على تنمية الكفايات وتنمية مهارات التفكير المتوسطة والعليا والمهارات الحياتية. وهو مشروع يقوم على التراكم والنماء والتطور والتحسين المستمر، ومن ثم يرتبط بالمدى الزمني الممتد؛
مشروع الكفاءة الاقتصادية الذي يختزل الإصلاح في مؤشرات كمية، ويركز، أساسا، على المعرفة لتحسين الفهم وعلى المهارات لإتقان الفعل، وهو مشروع له أولويات أخرى تجعل من المتعلم موضوعا لا غاية. ومن ثم فهو، على الأقل في الوقت الحالي، يخضع لإيقاع الزمن السياسي المتحول وخلفياته.
بين هذين المشروعين تتردد المدرسة العمومية، تعاني تمزقا في هويتها، وتشتتا في أدوارها، وارتباكا في قيادتها وتدبيرها، وهشاشة في ثقتها بنفسها وبمحيطها الاجتماعي.
فأين يكمن الخلل إذن؟
أهو في النص المؤسس للمدرسة الجديدة وحده، فالرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي تعد النص المؤسس للمدرسة المغربية الجديدة، لا تزال تحمل في طياتها إمكانات لم تستنفد بعد؛ والقانون الإطار الذي نقلها من حالة الرؤية إلى حالة القاعدة القانونية الملزمة، كثيرة هي أحكامه التي لم تعرف طريقها للتفعيل بعد، إن لم نقل تم تجاهلها وتعطيلها، وقد مضى من عمره أكثر من ست سنوات؛ والتعاقد الجديد بين الأمة ومدرستها الذي دعا إليه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2024 لتجاوز معيقات التنزيل والأخذ بعين الاعتبار رهانات المستقبل لم يتم ترجمته بعد إلى فعالية للتعبئة المجتمعية.
أيكمن الخلل في فرضيات الإصلاح التي بدأت منذ سنة 2015 مع الإطار المحدد للتدابير ذات الأولوية، وانتهت بخارطة الطريق 2022-2026 وضمنها ما سمي بمشروع “مدارس الريادة”، مرورا بحافظة المشاريع المندمجة لتفعيل الرؤية الاستراتيجية سنة 2016، والبرامج الوطني للتعليم الأولي سنة 2018، والبرامج الوطني للتربية الدامجة سنة 2019، وبرنامج العمل الملتزم به أمام صاحب الجلالة سنة 2019، وحافظة المشاريع لتفعيل أحكام القانون الإطار 51.17 سنة 2020، وعقود نجاعة الأداء السنوية، كلها حققت نتائج إيجابية، وكان لها أثر، وإن كانت قد اتسمت بالبطء والتعثر والمحدودية، واتسمت، في غالب الأحيان بالاختزالية وضعف في مأسسة الحكامة وقيادة التغيير، وافتقدت إلى الرؤية النسقية الواقعية التي تنطلق من الحاجات الحقيقية وذات الأولوية ، وتُقَعِّد للإصلاح انطلاقا من المؤسسة التعليمية باعتبارها البؤرة المحورية للإصلاح.
أم يكمن هذا الخلل في الإرادة السياسية وحدها، فهي في مستواها الاستراتيجي ما فتئت تؤكد على الجدية وضرورة الخروج من دوامة إصلاح الإصلاح، لكنها ظلت تعاني في بعدها التنفيذي من بعض التوترات والانزياحات بل والتعثرات، إن على مستوى تدبير السياسات العمومية أو على مستوى القيادة التدبيرية الإجرائية.
في اعتقادنا، يكمن الخلل في شبكة العلاقات المعقدة بين هذه العناصر جميعها، في الفجوة بين النص والتنزيل، وبين الخطاب وتأويله، وبين مسؤولية التصريح ومساءلة الالتزام. ومن ثم في تردد المستوى التنفيذي وانزياحه عن مرجعيات الإصلاح، في غياب رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار أن المدرسة كائن حي لا يمكن فهمه من خلال النماذج الخطية. وأن إصلاح المدرسة لا يحتاج إلى مجرد مشاريع أو برامج وإجراءات بقدر ما يحتاج أولا إلى استهداف جوهر عمل المدرسة وقيامها بوظائفها الشاملة، وهو ما يتطلب وضوحا في رؤية الإصلاح ذاتها، ومن ثم إلى جرأة في إصلاح فكر الإصلاح نفسه، ومأسسته، وترسيخه كثقافة قابلة للاستبطان، وكممارسات قابلة للتحليل، وكأداء قابل للقياس، وكأثر قادر على استنبات وصيانة مقومات التحول الممكن، دون التوقف عند البحث عن توافق مرن أو هش يضمر من ” لكن” ما تضمره “حتى” في قاموس مبررات الإرجاء.
إن إصلاح فكر الإصلاح نفسه، في بعده النظري والتنفيذي، لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار تعاقد وطني حقيقي، غايته التعبئة الوطنية المستديمة، ورهانه المستقبل الذي تتطلع إليه الأمة المغربية، وأرضيته هذه المرة، ليست الرؤية الاستراتيجية باعتبارها النص المؤسس للمدرسة الجديدة وحسب، وإنما أحكام القانون الإطار 51.17 باعتباره كان، وما يزال، تعاقدا قانونيا يؤسس للالتزام والديمومة، ويخرج الإصلاح من دوامة إصلاح الإصلاح الفارغة.
وعليه، فإن تجاوز هذه الأزمة المركبة، ونحن نقترب من محطة الاستحقاقات الانتخابية التشريعية التي ستنظم يوم 23 شتنبر 2026، لا يتطلب إصلاحا تقنيا آخر، وإنما يتطلب إرادة سياسية وإدارية تنفيذية ملائمة للإرادة السياسية الاستراتيجية وداعمة لها، تنطلق من تقييم وطني لمجمل ما تم اتخاذه من إجراءات لتفعيل خارطة الطريق 2022-2026. وهذا التقييم يجب أن تقوم به الهيئة الوطنية للتقييم التابعة لمؤسسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في إطار اختصاصاتها الدستورية. على أن يتم إجراء هذا التقييم الشامل في ضوء النص المؤسس للمدرسة الجديدة وأحكام القانون الإطار، وليس وفق المعايير التي وضعتها خارطة الطريق لنفسها. حتى يكون تقييما علميا نتعلم منه ونستثمره لا تقييما سياسيا مرتبطا بشرعية الإنجاز السياسي. وهذا يعني أن هذا الإصلاح في مرحلته القادمة يتطلب تحولا نسقيا عميقا، لا يتخذ من خارطة الطريق وإجراءات تفعيلها، وما تحقق ميدانيا من مكاسب، إلا تراكما في فرضية الإصلاح، وليس في خلفيات الإصلاح وغاياته. لهذا يجب العودة إلى النص المؤسس، وإلى أحكام القانون الإطار الملزمة، وإلى التعاقد المجتمعي الجديد، من أجل تجاوز المعيقات، وإعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية، واستعادة روح التوافق والمشاركة، وتجاوز التناقض بين العدالة والكفاءة نحو صيغة تركيبية جديدة تجمع بينهما. إنه يتطلب، قبل كل شيء، أن تدرك الدولة والمجتمع معا أن أزمة المدرسية هي أزمة نموذج الإصلاح، وأن هذه الأزمة بنيوية وعميقة لا يمكن النظر إليها كما ينظر إلى مشكلة عابرة يمكن معالجتها بحافظة مشاريع أو برامج وإجراءات، في المدى الزمني القصير، وإنما هو عملية مستمرة من التعلم (تعلم الإصلاح واكتسابه واستبطانه)، والتصحيح (تصحيح وتعديل فرضيات الإصلاح)، والتطوير (تجديد وتطوير فرضيات الإصلاح الممكنة). وهي سيرورة ترتبط بالمدى الزمني الحضاري الممتد. وتستلزم تعبئة مجتمعية مستدامة، كما تستلزم بناء رؤية مندمجة تستهدف أربعة نماذج مترابطة ومتفاعلة ومتكاملة لا يمكن أن يختزل الإصلاح في واحد منها أو تأجيله وهي:
النموذج البيداغوجي بمختلف مكوناته، الذي لا يمكن اختزاله في مقاربات لتجاوز وضعية الاستثناء بغاية التصحيح، ولا بنماذج بيداغوجية معزولة لا تستند إلى إطار مرجعي موجه وناظم؛
النموذج التدبيري الذي لا يمكن اختزاله في منظومة معايير للأداء والإنجاز، من دون دلائل مرجعية تحدد الكفاءات والوظائف، ومن دون مأسسة الحكامة التدبيرية التي تجعل المدرسة بؤرة الإصلاح لا آخر حلقة في جهاز تنفيذي؛
النموذج الرقمي الذي لا يمكن اختزاله في العدة الرقمية دون أن يتم تأطيره برؤية استشرافية تستوعب آفاق اقتصاد الانتباه، وآفاق التفاعل الرقمي، وآفاق تأطير الذكاء الاصطناعي في النشاط المدرسي في أبعاده الثلاثة: التفاعل البنائي، التقييم الفردي المواكب، الدعم الفردي والجماعي المخصص؛
النموذج التمويلي الذي لا يمكن اختزاله في مصادر تمويل استثنائية، أو مرتبطة بشراكات خارجية وتعاون دولي فقط، وإنما يجب مأسسة التمويل الوطني متعدد المصادر بما يضمن التمويل الذاتي والاستدامة.
وعليه، فإن المدرسة العمومية هي مشروع مجتمعي، يعكس رؤية الدولة، ليس فقط للمدرسة وأدوارها التنموية، وإنما يعكس كذلك رؤيتها للأدوار الوظيفية للطبقة الوسطى والطبقات الدنيا في النموذج التنموي الجديد، وفي التحول المجتمعي النوعي. لذلك لا يمكن إصلاح المدرسة دون إعادة توجيه بوصلة الإصلاح نحو بناء مستلزمات النهضة التربوية الحقيقية في بعدها البيداغوجي والتدبيري والرقمي والتمويلي من جهة، وإعادة توجيه بوصلة الدولة الاجتماعية في اتجاه تطوير وترسيخ مستلزمات العدالة الاجتماعية والمجالية في إطار رؤية تنموية ترابية مندمجة تتمحور حول مدرسة القرب، وتتخطى مطبّ التفاوت، ومغرب تعدد السرعات، في التربية كما في التنمية.








0 تعليق