عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عودة جنرالات المصاطب! - المدينة برس
في كتابه الرائع خلف خطوط العدو، الذي أهداني نسخة منه قبل سنوات، صاغ اللواء أسامة المندوه -وكيل أول جهاز المخابرات العامة الأسبق وأحد أبطال حرب أكتوبر- مصطلحًا عبقريًا التقط به ببراعة شديدة آفة مجتمعية متكررة في بلادنا، حين أطلق على هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم خبراء في كل شيء دون علم أو دراية لقب: جنرالات المصاطب..
كان يقصد أولئك المتشدقين الذين لم تطأ أقدامهم أرض المعركة يومًا، لكنهم يملكون الجرأة والوقاحة لتوزيع صكوك الوطنية ورسم الخطط الاستراتيجية من فوق المصاطب في قريته أبو ذكري بمحافظة الدقهلية بعد هزيمة 67، الحلاق والبقال كانوا يحللون الحرب وكأنهم جنرلات وهم لم يمسكوا بأيديهم يومًا سلاحًا ولم يخوضوا حربًا.
وبعد الخروج المشرف، بل والموجع، لمنتخبنا المصري بقيادة العميد حسام حسن ومحمد صلاح ورفاقه أمام الأرجنتين في منافسات كأس العالم، لم نجد أنفسنا فقط في مواجهة ظلم تحكيمي أو إقصاء متعمد، بل فوجئنا بأننا أمام غارة جديدة ومباغتة شنها أحفاد هؤلاء الجنرالات، الذين عادوا سريعًا ليحتلوا الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، ليطلقوا نيرانهم الصديقة على صدور لاعبينا بدلًا من دعمهم في محنتهم والإشادة بهم.
لم تكن مباراة الأرجنتين مجرد مواجهة كروية عابرة يمكن تجاوزها بسهولة، بل كانت ملحمة حقيقية سُطرت بالإرادة، نزل أبناء مصر إلى المستطيل الأخضر وهم يحملون على أكتافهم أحلام ملايين المصريين والعرب، وقاتلوا بشراسة الرجال حتى اللحظة الأخيرة، لكن كرة القدم، كما هي الحياة، لا تبتسم دائمًا للمجتهد والأكثر كفاءة، خاصة عندما تتداخل عوامل خارجية، وقرارات تحكيمية بدت وكأنها كُتبت مسبقًا في غرف مغلقة لإقصاء الفراعنة عمدًا وتعبيد الطريق للخصم لأسباب كثر الحديث عنها.
وفي تلك اللحظات القاسية، التي كان فيها اللاعبون يمسحون دموع القهر والإحباط على العشب الأخضر، كانت المصاطب الافتراضية تتجهز بسرعة جنونية، فاقت سرعة هيثم حسن في الهدف الملغى، لاستقبال قاطنيها من مدعي المعرفة.
خرج علينا جنرالات المصاطب الجدد، لم يكونوا مسلحين ببنادق أو خوذات، بل بهواتف ذكية ولوحات مفاتيح.. لم يلتفتوا ولو للحظة إلى الجهد الاستثنائي الذي بُذل على أرض الملعب، ولم يقدروا حجم الضغوط النفسية والبدنية الهائلة التي تحملها الفريق طوال مسيرته.
بدلًا من ذلك، سارعوا إلى نصب المشانق الفنية، وتحولوا في ليلة وضحاها إلى مدربين عالميين ومحللين استراتيجيين يفتون في التشكيل، والتكتيك، وأسباب الإخفاق، لقد نسوا، أو تناسوا عن عمد، أن الجلوس أمام الشاشات المضيئة واحتساء شاي المصاطب بلا أي خبرات لا يشبه أبدًا الجهد لمدة تسعين دقيقة تحت ضغط نفسي يكفي لكسر الجبال الرواسي.
لقد مارس هؤلاء المدعون هوايتهم المفضلة في تكسير المجاديف بلا رحمة. فالجنرال الذي لم يمارس الرياضة يومًا في حياته، يهاجم بشراسة لياقة اللاعبين، والمنظر الذي لا يعرف أبسط قوانين اللعبة، ينتقد خطة اللعب وتكتيكات المدرب، إنها حالة مزرية من الإسهال الفكري الذي لا يهدف إطلاقًا إلى البناء أو تقويم الأخطاء الفنية..
بل يهدف فقط إلى لفت الانتباه وتصدر المشهد وركوب موجة التريند على حساب مشاعر أبطالنا، الذين كانوا في أمس الحاجة إلى كتف يستندون إليه بعد هذا الخروج الدراماتيكي والمجحف الذي تابعه العالم بأسره.
في النهاية، سيسجل التاريخ أن هذا الجيل من اللاعبين لم يخذل وطنه، بل أدى ما عليه وقاتل حتى الأمتار الأخيرة ضد خصم عنيد وضد ظروف قاهرة ليست عادلة أبدًا!
أما جنرالات المصاطب، فسيظلون أسرى لأوهامهم وانتصاراتهم الزائفة، يثرثرون في الفراغ المطلق دون أن يتركوا أثرًا حقيقيًا أو قيمة تذكر، إن الانتماء الحقيقي لا يُختبر أبدًا في لحظات الانتصار والاحتفالات الصاخبة، بل يظهر معدنه الأصيل في لحظات الانكسار والشعور بمرارة الظلم والقهر وغياب العدالة.
دعوهم في مصاطبهم يعمهون، وليقف أبناء الوطن صفًا واحدًا، كما هي عادتنا دائمًا، خلف هؤلاء الرجال وتستقبلهم الجماهير صباح غد الجمعة بما يليق بما بذلوه وما واجهوه، لنرسل برسالة للعالم أننا مؤمنون إيمانًا راسخًا بأن من يقاتل بشرف يستحق منا كل الدعم والاحترام، وأن شمس الوطن في كل محفل ستشرق، بعيدًا عن ضجيج المدعين وثرثرة جنرلات المصاطب!








0 تعليق