عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم التوجيه الجامعي ومغادرة الأسرة .. تحديات تنتظر الناجحين في البكالوريا - بوابة المدينة برس
بمجرد الإعلان عن نتائج امتحانات البكالوريا، وقبل أن تهدأ موجة الفرح التي تجتاح بيوت الناجحين، يجد التلاميذ المغاربة أنفسهم أمام استحقاق جديد لا يقل أهمية عن الامتحان، وهو اختيار التوجيه الجامعي الأنسب لمستقبلهم.
هذا القرار المصيري لا ينفصل، في كثير من الأحيان، عن تحد آخر لا يقل تعقيدا، وهو ضرورة مغادرة البيت العائلي والانتقال للسكن في مدينة أخرى، رغبة في دراسة تخصص جامعي لا يتوفر في المدينة الأصلية.
وبهذا، ينتقل التلميذ الناجح بسرعة قياسية من فرحة النتيجة إلى مواجهة واقع تتقاذفه فيه اعتبارات الطموح الأكاديمي من جهة، وتحديات الاستقلالية والبعد عن الأسرة من جهة أخرى، في تجربة تختبر قدرته على تحمّل المسؤولية في سن مبكرة.
محطة انتقالية
في هذا الصدد، يرى عادل الحساني، خبير في علم النفس الاجتماعي، أن هذه الفترة الانتقالية تمثل “أزمة نمو طبيعية” ومحطة انتقالية حاسمة نحو النضج، موضحا أن الخوف الذي يعاني منه الحاصلون على البكالوريا هو رد فعل طبيعي تجاه “المجهول”، حيث إن العقل البشري يميل للراحة في المنطقة المألوفة (Zone de confort)، ومغادرتها تفرز لديه قلقا مشروعا.
وأضاف الحساني، في تصريح لهسبريس، أن هذا الانتقال يتطلب مسؤولية، وسيواجه من خلاله التلاميذ لحظات من الوحدة، التعب والضغوط، مشيرا إلى أن فهم هذا الواقع وتقبله يمثل جزءا من رحلة النضج والخطوة الأولى لتفكيك الخوف، نظرا لكون الصدمة تحدث غالبا عندما يصطدم سقف التوقعات المثالي بواقع الحياة المستقلة.
وتابع المتحدث ذاته أن الشباب في هذه المرحلة العمرية يمتلكون قابلية هائلة ومرونة نفسية لاستيعاب المتغيرات، مبرزا أن هذه القابلية أشبه بعضلة تحتاج إلى تمرين؛ إذ إنها لا تعمل تلقائيا بمجرد تغيير السكن، بل تحتاج إلى تدريب ومرافقة حتى يصبح الشباب قادرين على تدبير أمورهم، وذلك بشكل تدريجي قبل “رميهم” في عمق التجربة.
ولفت الخبير في علم النفس الاجتماعي إلى الدور المحوري الذي يلعبه الآباء في هذه المرحلة الانتقالية، من خلال التدريب العملي الاستباقي، بحيث لا يجب انتظار يوم السفر لتعليم أبنائهم الاعتماد على النفس. يجب أن يبدأ التدريب عبر تسليمهم بعض المهام اليومية التي قد تخلق لديهم “الكفاءة الذاتية” التي تقتل الخوف.
وشدد المصدر نفسه على ضرورة الاستماع الاستيعابي، معتبرا أن من أسوأ الممارسات التي يقدم عليها الآباء تجاه أبنائهم، تسخيف الشعور بالخوف بعبارات مثل “أنت كبرت الآن” أو “لا يوجد ما يخيف”، داعيا في المقابل إلى احتواء الشعور بالقول: “من الطبيعي جدا أن تشعر بالقلق، إنها مرحلة جديدة، وحتى نحن قلقون قليلا، لكننا نثق في قدرتك على تجاوزها”.
ووقف الخبير ذاته عند أهمية بناء شبكة أمان نفسي للتلميذ، مؤكدا أنه يتوجب على الآباء أن يحرصوا على إيصال رسالة مفادها أنه بالرغم من بعدهم الجغرافي، فهم متاحون نفسيا وعاطفيا في أي وقت، مبرزا أن هذا الدعم غير المشروط يخفف من قلق الانفصال.
وخلص عادل الحساني إلى أن الانتقال إلى مدينة أخرى للدراسة يشكل أكبر فرصة لتبلور شخصية الشاب وانتقاله من التبعية إلى الاستقلالية، مجددا التأكيد على أنه بالقليل من التدريب والكثير من الدعم، تتحول هذه المخاوف إلى ذكريات وبدايات لقصص نجاح.
توجيه حاسم
في سياق أهمية اختيار المسار الأمثل بعد مرحلة البكالوريا، يرى عبد العزيز سنهجي، خبير تربوي، أن التوجيه المدرسي والمهني لا يقتصر على تزويد المتعلم بالمعلومات المتعلقة بالشعب والمسالك والتخصصات والمؤسسات، بل يجسد عملية تربوية وتنموية تساعده على بناء مشروعه الدراسي والمهني انطلاقا من معرفة ذاته وفهم محيطه بما يتيحه من فرص ومسارات وجسور.
وقال سنهجي، في تصريح لهسبريس، إن الاختيار السليم للتوجيه بعد البكالوريا يتمثل في ثلاثة عناصر، هي: معرفة الفرد لذاته من حيث قدراته وميولاته وقيمه، ومعرفته بعالم التكوين والمهن، علاوة على قدرته على الربط بينهما بشكل عقلاني ومرن، مع استحضاره للتحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.
ونبه المصرح عينه إلى أن الاختيارات الدراسية لا تتم دائما في ظروف متكافئة، بل تتأثر في أحيان كثيرة بالرأسمال الثقافي والاجتماعي للأسرة والمحيط، مشددا على أن هذا الأمر يجعل من التوجيه أداة لتحقيق قدر أكبر من الإنصاف وتكافؤ الفرص، من خلال تمكين جميع المتعلمين من الولوج إلى المعلومات الدقيقة والاستفادة من المواكبة اللازمة لاتخاذ قرارات واعية ومستقلة.
أما فيما يخص المعايير التي وجب أن يعتمدها التلاميذ في اختيار تخصصهم في التعليم العالي، فأورد الخبير التربوي أن المقاربات الحديثة في مجال التوجيه بينت أن الاختيار الجيد لا يقوم على عامل واحد، بل على التفاعل بين مجموعة من العوامل والأبعاد الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وتابع في السياق ذاته أنه ينبغي على المتعلم أن يأخذ بعين الاعتبار ميولاته واهتماماته الحقيقية وقدراته واستعداداته، لافتا إلى أن النجاح والرضا الدراسي والمهني يرتبطان بدرجة الانسجام بين شخصية الفرد والمسار الذي يختاره.
وحذر من الوقوع في مجموعة من الأخطاء من قبيل اتخاذ القرار بناء على الصور النمطية المرتبطة ببعض المهن أو المؤسسات، وتقليد الأصدقاء أو الأقارب دون دراسة شخصية للميولات والقدرات، إلى جانب الخضوع للضغوط الأسرية أو الاجتماعية، والاعتماد على المعدلات الدراسية وحدها في اتخاذ القرار، وأيضا التأخر في البحث عن المعلومات والاستعداد للمباريات.
وفي الختام، أكد عبد العزيز سنهجي أن التجارب الميدانية كشفت أن النجاح في التوجيه يرتبط بدرجة كبيرة بثقة المتعلم في قدراته وإيمانه بإمكانية النجاح. فكلما كانت صورة الفرد عن ذاته إيجابية، كان أكثر استعدادا لبذل الجهد ومواجهة الصعوبات والتحديات.








0 تعليق