عمرو منير دهب يكتب: تردّدْ واحسِمْ.. الفصل السادس والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة

اعلام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عمرو منير دهب يكتب: تردّدْ واحسِمْ.. الفصل السادس والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة

للشخصية الحاسمة جاذبية واضحة، وهي من قبلُ شخصية ذات تأثير هامّ في مختلف المواقع الرسمية والاجتماعية والعائلية؛ وإن يكن الأدق أن صفة الحسم هي التي تبدو مهمة وآسرة على تباين المواقف واختلاف الصعد، وذلك بصرف البصر عن الطباع الغالبة على شخصية أيٍّ منّا؛ ومن الحكمة الانتباه إلى أن مقابل صفة الحسم ليس التردّد بالضرورة، فمن يتجنّب الحسم في موقف ما قد يعمد إلى المرونة أو حتى المراوغة في الحكم/الفعل لهذا السبب أو ذاك وليس إلى التذبذب بداعي الاضطراب في كل الأحوال.

جاذبية الشخصية الحاسمة - أو حتى فعل الحسم الذي يبادر به أحدهم على غير طبيعته في موقف بعينه - تبدو مستحقة بالفعل؛ ففضلاً عمّا هو داعي للانبهار في فعل الحسم نفسه الذي يبدو ساحراً، تقتضي بعض المواقف خياراً محدّداً لا يحتمل المخالفة أو حتى التأجيل؛ ويتضاعف سحر الحسم عندما يسفر القرار الحاسم عن خير عميم أو نصر مؤزّر؛ وإن يكن جديراً بالانتباه أن جاذبية الشخصية الحاسمة لا تتجلّى في نتائج قراراتها بقدر ما هي متضمّنة في الفعل نفسه، أي القدرة على اتخاذ القرار وإنفاذه تجاوزاً لكل ما سواه، حتى إذا كان "ما سواه" ذاك مغرياً بالوقوف عنده وتأمّله؛ بل إن سحر القدرة على الحسم يتجلّى على الأرجح بصورة أوضح في جرأة تخطّي الخيارات التي تبدو راجحة تطلّعاً إلى ما يراه الحاسم أشدّ رجحاناً من الخيارات الأخرى التي قد تَظهر للآخرين مضللة أو غيرَ واعدة على أهون الفروض.

الحسم إذن ليس بحاجة إلى مُحامٍ ولا إلى من يحضّ عليه - من حيث هو صفة نافعة عظيمة الأثر – بقدر ما عليه الحال مع ما يقابل الحسم من الصفات كالتمهّل والتأمّل والمرونة والمراوغة في إبداء الرأي والإقدام على الفعل؛ أمّا التردّد – الذي يبدو كما لو كان نقيض الحسم المباشر – فهو ما يحتاج بصورة ملحّة إلى إماطة اللثام عمّا عساه أن يكون كامناً فيه من الحكمة والخير.

ولكن التردّد - كما سلفت الإشارة - ليس نقيض الحسم في كل الأحوال، فالتردّد في اتخاذ قرار بعينه تأرجحاً بين خيارات عديدة لا يناقض الحسم إلّا إذا كان شديداً وأصبح عادة مع كل قرار يقف المرء حياله.

التردّد قبل اتخاذ القرار لا غضاضة فيه، بل هو ضرورة؛ إذ من الخير أن يجرّب الواحد أحد الخيارات في ذهنه فيتخيّل نفسه كما لو أنه حسم قراره مع هذا الخيار ويتبصّر ما يمكن أن يكون من عواقبه، ثم يَعدِل عنه إلى خيار آخر ويخوض التجربة الذهنية ذاتها مع الخيار الجديد، وهكذا إلى أن ينهي طوافه على الخيارات المتاحة، ولا غضاضة في أن يعود فيراجع تجربته الذهنية مع قرار سابق إلى أن يستقر على ما يراه الأفضل فيحسم أمره به على أرض الواقع.

ولكن الناس كثيراً ما تنظر إلى صفات كالتمهّل والتأمّل والمرونة والمراوغة في الرأي والفعل كما لو كانت مرادفات للتردّد، ولا مشكلة ابتداءً في ذلك أيضاً، فالحسم ليس فضيلة بحيث يُنظر إلى ما سواه – سواء أكان نقيضاً أو ما يشبه النقيض - بوصفه رذيلة أو فعلاً مشيناً؛ فمثلما أنّ للحسم جاذبيته فإن للتمهّل والتأمّل والمرونة والمراوغة – وحتى التردّد الصريح – جاذبيّتها؛ فقط تحتاج إلى أن تكون واضحاً وأن تعلن رغبتك الصريحة في التمهّل أو التأمّل أو المرونة إزاء فكرة ما أو الجنوح إلى المراوغة في التعبير عن رأيك أو حتى الإفصاح عن كونك لا تزال متردّداً ولم تحسم قرارك بعد على هذا الصعيد أو ذاك.

بل لا غضاضة في أن تعلن أنك متردّد بحيث إنّ عدم الحسم تجاه فكرة أو قضية أصبح هو موقفك النهائي من الفكرة أو القضية، فليس ضرورياً أن تتخذ قراراً حاسماً بشأن كل فكرة تُعرض عليك أو أية قضية تجد نفسك أمامها؛ دع ما يريبك من الأفكار والقضايا إلى ما تطمئن إليه، أو دع ما يريبك وكفى، فالمسألة ليست خياراً تركته وعليك أن تبحث بعدها فوراً عن البديل؛ لماذا تلزم نفسك باتخاذ رأي وموقف تجاه كل فكرة ومسألة في الوجود؟

لا تقلق من تردّدك إذا لم يكن مزمناً، فالأدعى إلى القلق قدرتك على الحسم السريع مع كل الأفكار والمواقف بحيث تغيب عنك الفوائد الممكنة في الخيارات التي تتجاوزها سريعاً. قدْرٌ قليل بالفعل مما يدور حولك هو ما يستدعي تورّطك فيه إلى درجة أن يصبح قرارك الحاسم بشأنه مسألة لا مفرّ منها، حتى إن المهارة الأجدر بالاهتمام توشك أن تكون قدرتك على أن تدَعَ القسمَ الأكبر مما يجري حولك يمرّ مرور الكرام.

تردّدْ واحسمْ كما تشاء؛ التحدّي الأجمل على هذا الصعيد ليس في مجرّد المفاضلة بين الفعلين في هذا الموقف وذاك، وإنما في ألَّا ترى غضاضة في معاودة النظر في أيٍّ من قراراتك المحسومة لجديد طرأ عليه مهما يكن أمَدُ حسمه قد طال ولا في حسم موقفك من قضية حرجة باتت تؤرّقك بشدّة بعد أن ظلّت طويلاً لا تعنيك في كثير أو قليل.

أن تحتفظ بثقتك واطمئنانك هو ما يهم إزاء تحدّي المفاضلة بين التردّد والحسم في أيٍّ من المسائل على اختلاف المقامات مهما يكن/يَطُلْ موقفك بين النقيضين.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق