النظام الجزائري يحول رواية غير مؤكدة إلى "قضية دولة" ضد المغرب - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم النظام الجزائري يحول رواية غير مؤكدة إلى "قضية دولة" ضد المغرب - بوابة المدينة برس

في مشهد يعيد إنتاج خلل مزمن في العلاقة بين “الإعلام” والسياسة تحولت قضية مشجع جزائري، قيل، وفق ما ورد في مقاطع فيديو تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، إنه تعرض لاعتداء من عشرات المشجعين المغاربة في إحدى مناطق المشجعين بمدينة بوسطن الأمريكية، عقب المباراة التي جمعت “أسود الأطلس” و”الطواحين الهولندية”، إلى أكبر حديث إعلامي في الجزائر. وتسلق هذا “الخبر” الذي لم تؤكده شرطة ولا قضاء في أمريكا، وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، سُلّم الخطاب الرسمي ليصبح “قضية دولة”، خاض فيه الرئيس الجزائري نفسه، الذي أكد تدخل السفارة الجزائرية في واشنطن لدى السلطات الأمريكية لضمان اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الملف.

المثير للدهشة في هذه الواقعة هو الطريقة التي أصبحت فيها الرواية أقوى حتى من الواقع، والطريقة التي تغلبت فيها الحاجة السياسية في الجزائر إلى هكذا أحداث على الحقيقة الميدانية التي تنتظر التأكيد أو النفي من جانب السلطات الأمريكية، وكذا التسارع في تبني رواية معينة غير مؤكدة إلى أعلى مستويات الخطاب الرسمي في الجزائر، ما يكشف بوضوح عن هشاشة منظومة التعامل مع المعلومات في سياقات التوتر السياسي، حيث يصبح الانفعال أقوى من التثبت، وتصبح الرغبة في توظيف الحدث أقوى من الرغبة في معرفة حقيقته.

وما إن انتشر خبر تعرض مشجع لـ”الاعتداء”، قيل إنه ذو أصول جزائرية ويحمل الجنسية الأمريكية ويبلغ من العمر 14 ربيعاً، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تلقفته وسائل الإعلام الجزائرية وبعض الأصوات المعروفة بحقدها على المغرب بزخم غير مسبوق، متحدثة، حتى في غياب قرائن ودلائل، عن مسؤولية مشجعين مغاربة في “هذا الاعتداء”، في اندفاع واضح وراء خطاب تهييجي يغذي مشاعر الجمهور، بدلاً من أن يقوم بوظيفته الأساسية في التمحيص والتدقيق.

ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد هو التغيرات المتلاحقة التي شهدتها الرواية ذاتها، وكذا غياب أي تأكيد رسمي من الجانب الأمريكي، إضافة إلى المواد البصرية المتداولة بشأن هذا الحادث المزعوم، التي تضمنت لقطات ومشاهد تجمع بين أزمنة وأمكنة مختلفة، أعيد ترتيبها لغاية مقصودة بهدف ضرب سمعة المشجعين المغاربة الذين قدموا للعالم، وفي عديد المناسبات الرياضية، دروساً قوية في الأخلاق والروح الرياضية.

هذا الفراغ، إن صح التعبير، كان بمثابة الفضاء الخصب لنمو الروايات غير المؤكدة التي تضخم معها المخيال الجماعي في الجزائر بتحريض من بعض الصفحات وأشباه الصحفيين والإعلاميين؛ وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه الهالة الإعلامية التي حظي بها هذا الحدث، الذي تحيط به الكثير من علامات الاستفهام، مجرد تسرع مهني، بل هي مؤشر خطير على رهان دولة بكاملها بثقلها الإعلامي والرسمي على رواية غير مثبتة لتحقيق مكاسب لحظية في سوق الانفعال الشعبي.

الواضح في هذا الملف، بغض النظر عن صحة الواقعة أو عدمها، أنها تكشف عن نمط مألوف في الحملات الإعلامية الموجهة ضد المغرب والمغاربة، التي تنطلق من حسابات مشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تتوسع عبر وسائل الإعلام ثم تبلغ المستوى السياسي، مدعومة بأحقاد بعض الأصوات التي تغذيها، على رأسها المسمى حفيظ الدراجي، المعلق الرياضي في قنوات “بي إن سبورت” القطرية، المعروف بسجله الأسود في استهداف المغرب، والذي استغل الواقعة المزعومة لتقديم صور مشوهة عن الجماهير المغربية، متخفياً خلف ثوب الإنسانية والروح الرياضية.

ورغم أنه لا يمكن الجزم بنفي وقوع أي حادث من هذا النوع، في انتظار تأكيدات رسمية من الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تتحدث وسائل إعلامها، بالمناسبة، عما تحدثت عنه نظيرتها في الجزائر، إلا أن الفجوة هائلة بين حادث بسيط يمكن أن يحدث في أي مدينة كبيرة، وبين رواية اعتداء جماعي منظم شارك فيه عشرات الأشخاص.

وبين هذه الفجوة تظهر نوايا من يريدون استغلال كون المشجع مجرد طفل في حملات التجييش الإعلامي ضد المغاربة، وتحويله إلى مجرد رقم في معادلة الكراهية، وقنبلة موقوتة تُزرع في قلوب الناس لتتفجر غضباً ضد الآخر، دون أي اكتراث بحقيقة ما حدث فعلاً.

“قضية اعتداء بوسطن” ليست الأولى ولن تكون الأخيرة على الأرجح في سلسلة الحملات الإعلامية الجزائرية التي تستهدف المغاربة، فالمتتبع للمشهد الإعلامي والسياسي في الجزائر من السهولة عليه أن يدرك أن هناك نمطا متكررا من هذا الاستهداف الممنهج، حيث يتم اختيار أي حدث مهما كان تافها، أو اختلاق رواية حتى من العدم، ثم تضخيمها إعلاميا وتصديرها سياسيا، بهدف التغطية على أزمات داخلية عميقة وتحويل الأنظار عن إخفاقات ظاهرة، وكأن كراهية المغرب صارت مهنة بديلة للبعض عن مواجهة الذات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق