عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم دراسة علمية جديدة تعيد ترتيب الفرضيات حول نشأة الحياة على الأرض - بوابة المدينة برس
أعادت دراسة دولية حديثة فتح واحد من أقدم الأسئلة التي شغلت العلماء: كيف بدأت الحياة على الأرض؟ فالنتائج الجديدة تشير إلى أن أقدم فرعين معروفين في شجرة الحياة، وهما البكتيريا والعتائق، ربما انتقلا إلى حالة الحياة الحرة بصورة مستقلة، بعدما انحدرا من سلف مشترك عاش قبل نحو أربعة مليارات سنة، واعتمد بدرجة كبيرة على البيئة الكيميائية المحيطة به.
ونشرت الدراسة في مجلة “Science Advances”، وقادها باحثون من جامعة هاينريش هاينه في دوسلدورف بألمانيا، وخلصت إلى أن السلف المشترك الأخير لجميع الكائنات الحية، المعروف علميا باسم “LUCA”، لم يكن على الأرجح خلية مستقلة مكتملة الوظائف كما نعرف الخلايا اليوم، وإنما كان مرتبطا ببيئة الفتحات الحرارية المائية في أعماق المحيطات، حيث وفرت المعادن والغازات جزءا من العمليات الكيميائية التي احتاج إليها للبقاء.
والعتائق كائنات مجهرية وحيدة الخلية تشبه البكتيريا في مظهرها العام، لكنها تختلف عنها في تركيبها الكيميائي وبعض آلياتها الجينية، ولذلك يصنفها العلماء في مجموعة مستقلة؛ وقد اشتهر بعضها بالعيش في البيئات القاسية مثل المياه شديدة الملوحة والينابيع الحارة وأعماق المحيطات، مع أن وجودها لا يقتصر على هذه البيئات.
وتحتاج النتيجة إلى قدر من التوضيح، فالدراسة لا تقول إن الحياة نشأت مرتين بصورة مستقلة من مادة غير حية، وإنما تقترح أن الشفرة الجينية تعود إلى أصل مشترك واحد، في حين حدث الانتقال إلى حياة خلوية مستقلة مرتين، مرة لدى السلالة التي قادت إلى البكتيريا، ومرة لدى السلالة التي قادت إلى العتائق.
وقال وليام مارتن، أحد الباحثين الرئيسيين المشاركين في الدراسة، إن المعطيات الجديدة تقود إلى استنتاج مفاده أن سلالتي البكتيريا والعتائق انتقلتا إلى حالة الحياة الحرة بصورة مستقلة، مضيفا أن النتائج تشير إلى “أصل واحد للشفرة الجينية، لكن أصلين للحياة”؛ إذا جرى تعريف الحياة هنا بقدرة الخلية على الاستقلال عن البيئة التي كانت توفر لها جزءا من وظائفها الأساسية.
معادن أعماق المحيطات أدت دور الإنزيمات
بدأ الباحثون من مشكلة طالما أربكت محاولات تفسير نشأة الحياة، وتتعلق بالطريقة التي استطاعت بها الخلايا الأولى إجراء تفاعلاتها الكيميائية قبل امتلاك الإنزيمات المتطورة التي تعتمد عليها الكائنات الحالية.
فالخلايا الموجودة اليوم تحتاج إلى الإنزيمات لتسريع التفاعلات الكيميائية الضرورية لإنتاج مكونات الحياة، غير أن تصنيع هذه الإنزيمات يحتاج بدوره إلى منظومة حيوية معقدة، وهو ما يطرح سؤالا بسيطا في صياغته وصعبا في الإجابة عنه: كيف بدأ الأيض إذا كانت الأدوات اللازمة لتشغيله لم تكن قد ظهرت بعد؟.
وللبحث عن جواب أعاد الفريق بناء شبكة مبكرة لعمليات الأيض، وحدد نحو 420 تفاعلا كيميائيا يمكنها تحويل مواد بسيطة، من بينها الهيدروجين والأمونيا وثاني أكسيد الكربون، إلى مكونات أساسية للحياة مثل الأحماض الأمينية والفيتامينات وقواعد الحمض النووي الريبي “RNA”.
وأظهرت الدراسة أن السلف المشترك “LUCA” ربما كان يمتلك إنزيمات قادرة على تشغيل نحو نصف هذه التفاعلات، في حين كان النصف الآخر يعتمد على المعادن الموجودة في البيئة المحيطة.
وهنا تبرز أهمية الفتحات الحرارية المائية، وهي منافذ ساخنة في قاع المحيطات تقذف مزيجا من المعادن والغازات، إذ يرجح الباحثون أن هذه البيئة لم تكن مجرد مكان احتمت فيه أشكال الحياة الأولى، وإنما شاركت بصورة مباشرة في تشغيل الكيمياء اللازمة لاستمرارها.
وقالت ناتاليا مرنيافاتس، الباحثة في جامعة دوسلدورف والمشاركة في قيادة الدراسة، إنه لو أمكن العودة أربعة مليارات سنة إلى الوراء لمراقبة هذه المرحلة فمن المحتمل أن يظهر نوعان من الخلايا البدائية، أسلاف البكتيريا وأسلاف العتائق، وهما يبدآن أولى محاولاتهما للعيش خارج حدود الفتحات الحرارية المائية.
ويؤكد هارون تويْسوز، الكيميائي غير العضوي في معهد “IMDEA Materials” بمدريد ومعهد ماكس بلانك، أن المعادن الموجودة بصورة طبيعية في هذه البيئات تستطيع أن تحل محل عدد لافت من الإنزيمات في بعض التفاعلات الأيضية.
ويرى جوزيف موران، الباحث في جامعة أوتاوا والمشارك في الدراسة، أن النظر إلى البدايات الأولى للحياة يكشف مزيجا بين محفزات إنزيمية وأخرى معدنية، وهو ما يعني أن الكيمياء الجيولوجية أدت دورا أساسيا قبل أن تتمكن الخلايا من تنفيذ جميع وظائفها بنفسها.
من أين حصلت الحياة الأولى على الطاقة؟
لم تكن الإنزيمات المشكلة الوحيدة، إذ احتاجت التفاعلات الكيميائية الأولى أيضا إلى مصدر للطاقة، بينما تستخدم الخلايا الحديثة جزيئا يعرف باسم “ATP” بوصفه أداة رئيسية لتخزين الطاقة ونقلها داخل الخلية.
وتكمن الصعوبة في أن إنتاج “ATP” نفسه يحتاج إلى منظومة من الإنزيمات، الأمر الذي دفع الباحثين إلى البحث عن مصدر أبسط للطاقة يمكن أن يكون متاحا في بيئة الأرض المبكرة.
واختبرت الباحثة مانون شليكر، من فريق جامعة دوسلدورف، تفاعلات يدخل فيها الفوسفيت، وهو أحد أشكال الفوسفور الموجود طبيعيا في الفتحات الحرارية، إلى جانب معدن البلاديوم. ووجد الفريق أن هذه الظروف قادرة على دفع تفاعلات مرتبطة بالفسفرة في الماء خلال فترة قصيرة.
وبحسب شليكر يمكن للفوسفيت والبلاديوم في مثل هذه الظروف أن يؤديا بعض الوظائف التي يقوم بها “ATP” والإنزيمات في الخلايا الحديثة، وهو ما يقدم للباحثين سيناريو محتملا لكيفية حصول الأنظمة الحيوية الأولى على الطاقة قبل تطور الآليات المعقدة المعروفة حاليا.
وتقود هذه النتائج إلى تصور تكون فيه أولى أشكال الحياة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبيئة الجيولوجية، إذ كانت الصخور والمعادن والغازات تؤدي جزءا من الوظائف التي تولتها الخلايا لاحقا بعد تطورها.
وفي هذا التصور لم يكن “LUCA” خلية حرة تستطيع الابتعاد عن البيئة التي نشأت فيها، وإنما كان مرتبطا بالفتحات الحرارية المائية ويعتمد على مواردها المعدنية والكيميائية لإنجاز جزء من وظائفه الحيوية.
طريقان مختلفان نحو الحياة المستقلة
تأتي أبرز نتائج الدراسة عند بحث المرحلة التي انفصل فيها السلف المشترك إلى فرعين رئيسيين، البكتيريا والعتائق، فرغم أن المجموعتين قد تبدوان متشابهتين تحت المجهر فإن الاختلافات بينهما واسعة على مستوى البنية الداخلية والكيمياء الحيوية.
ووجد الباحثون حالات طورت فيها أسلاف البكتيريا وأسلاف العتائق، كل على حدة، إنزيمات مختلفة في بنيتها لأداء التفاعل الكيميائي نفسه، وهو ما اعتبره الفريق علامة على أن الاستقلال عن البيئة الحرارية لم يحدث قبل انقسام السلالتين.
وتشير مرنيافاتس إلى أن هذه الابتكارات المتوازية ربما مهدت لظهور البكتيريا والعتائق القادرة على العيش بصورة حرة، بعدما تمكن كل فرع من تعويض الوظائف التي كانت المعادن في قاع المحيط تؤديها سابقا.
وبذلك تقدم الدراسة صورة أكثر تعقيدا لشجرة الحياة، فالسلف المشترك يظل نقطة الأصل للشفرة الجينية التي انتقلت إلى الكائنات اللاحقة، غير أن الخلايا لم تصبح مستقلة بالكامل في لحظة واحدة، وإنما تحقق هذا الاستقلال عبر مسارين تطوريين منفصلين.
ومازال هذا التصور بحاجة إلى دراسات وتجارب إضافية قبل أن يتحول إلى صورة مستقرة لبدايات الحياة، إلا أنه يمنح العلماء نموذجا جديدا يربط بين الجيولوجيا والكيمياء والتطور، ويقترح أن أعماق المحيطات لم تكن مجرد مسرح ظهرت فيه الحياة، وإنما شاركت كيميائيا في خطواتها الأولى.
وإذا دعمت الأبحاث المقبلة هذه النتائج فقد تتغير الطريقة التي يرسم بها العلماء المراحل الأولى لشجرة الحياة، إذ سيبقى الأصل الجيني واحدا، بينما يصبح الانتقال إلى الخلايا المستقلة حدثا وقع مرتين في مسارين منفصلين، وهو ما يفسر التعبير الذي استخدمه الباحثون عن “أصل واحد للشفرة الجينية، وأصلين للحياة” بمعناها الخلوي الحر.








0 تعليق