عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سبتة والمجتمع المدني الرقمي - بوابة المدينة برس
في دراسة علمية سابقة لنا بعنوان «المجتمع المدني الرقمي والديمقراطية المضادة: فضاءات جديدة للمشاركة والاحتجاج بالمغرب»، حاولنا تحليلَ الكيفية التي استعمل بها المواطنون المغاربة الأدوات الرقمية لمراقبة المسؤولين، وفضح التجاوزات، والضغط على المؤسسات العمومية خارج المسارات الانتخابية التقليدية. لكننا، ونحن نتابع تطوّر هذه الديناميات على أرض الواقع، وجدنا أنفسنا أمام تحوّل صامت يكاد يكون غير مرئيّ: تلك “الديمقراطية المضادة” التي وصفناها كرافعة للاحتجاج السياسي قد غيّرت وجهتها بالكامل. الأسلحة الرقمية ذاتها التي كانت بالأمس تُستعمل للمطالبة بالمحاسبة، صارت اليوم تُستعمل لتنظيم هروب جماعي نحو أوروبا. هنا الديمقراطية المضادة لم تختفِ، بل تحوّلت إلى جغرافيا مضادة.
الهاتف الذكيّ كدرعٍ مدنيّ
لفهم هذا التحول، لا بدّ من استحضار العقد الماضي. استنادًا إلى أعمال عالم السياسة الفرنسي بيير روزانفالون، تناولنا في بحثنا السابق بروز ما يُسمّى بـ “الديمقراطية المضادة” في السياق المغربي. هذا المفهوم لا يعني رفض الديمقراطية، بل يشير إلى ما أسماه روزانفالون بـ “ديمقراطية عدم الثقة”: أي قدرة المواطنين على مراقبة الحكّام (من الحكامة)، ومنع التجاوزات، وممارسة حقهم في إعمال فيتو أخلاقي.
حركة 20 فبراير (2011)، حراك الريف (2016-2017)، ثمّ المقاطعة الاقتصادية الكبرى (2018) التي حملت وسم #BoycottMaroc، كانت أبرز تجلّيات هذه المرحلة. في ذلك الوقت، كان المجتمع المدني الرقمي يستخدم فايسبوك وتويتر والعرائض الإلكترونية والصحافة المواطنة ليقول بصوت واحد: «نحن هنا، نراقبكم، ونطالب بحقّنا في الكرامة داخل هذا الوطن». كان الرقمي آنذاك محرّكًا للإدماج، يتيح للأصوات المهمّشة – من شباب وسكّان الهوامش – تجاوزَ الإعلام الرسمي وفرض أجندتها على النقاش العمومي.
الانعطاف الكبير: من إصلاح المنظومة إلى الهروب منها
غير أنّ هذه الدينامية اصطدمت بجدار صلب. دراستنا السابقة كانت قد كشفت عن التضييق التدريجي على الفضاء الرقمي المغربي بقوانين مقيدة متعلقة بالجريمة المعلوماتية، ومتابعات قضائية بتهمة “المسّ بالأمن العام”، وتكاثر محاكمات الرأي. أمام هذا “البانوبتيكون الرقمي” كما سماه ميشيل فوكو، استقرّت الرقابة الذاتية بشكل دائم.
وهنا بالضبط وقع التحوّل الأنثروبولوجي الذي نحاول توثيقه في أبحاثنا الحالية. الشباب المغربي، وقد أدرك أنّ الاحتجاج السياسي الرقمي يقود إمّا إلى طريق مسدود أو إلى السجن، أعاد توجيه طاقته. المعارضة المواطنة غيّرت طبيعتها: لم تعد سياسية، بل صارت هجرية.
مقاطعة المنتجات المحلية تحوّلت إلى مقاطعة التراب الوطني. الوسم (الهاشتاغ) لم يعد يُستعمل للمطالبة بمستشفيات، بل لمشاركة إحداثيات دوريات المراقبة على طريق سبتة. لاحظنا أن المجتمع المدني الرقمي احتفظ بأساليبه – التشبيك، التضامن الأفقي، الانتشار الفيروسي – لكنه غيّر غايته جذريًا.
سبتة والكتلة المهاجرة “المُسيَّرة” بالخوارزمية
ما يحدث اليوم أمام ثغري سبتة ومليلية يستدعي انتباهًا علميًا عاجلًا. لم نعد أمام حالات هجرة معزولة ويائسة، بل أمام كتلة مهاجرة منظَّمة، مُعلَّمة، و”مُسيَّرة” عن بُعد بواسطة شكل جديد من أشكال المجتمع المدني الرقمي.
هذه الشبكة العنكبوتية يصعب جدًّا رصدها من طرف السلطات، لأنها استخلصت دروس القمع الرسمي وانتقلت إلى اللامرئي:
فمجموعات واتساب وتيليغرام المشفّرة حلّت محلّ الصفحات العمومية على فايسبوك. يُتبادل فيها، في الوقت الحقيقي، حالة البحر، وأسعار المهرّبين، والثغرات في الأسلاك الشائكة، والمناطق المراقبة.
أما مؤثّرو الهجرة على تيك توك وإنستغرام حلّوا محلّ القيادات الحزبية، النقابية والجمعوية. لم يعودوا يبيعون حلمًا سياسيًا، بل “دروس بقاء” في أوروبا، يُطبّعون المخاطر ويخلقون ضغطًا اجتماعيًا هائلًا عبر العرض البصري لـ “نجاح” من سبقوهم.
في حين التمويل التشاركي (حملات التبرّع الإلكترونية) حلّ محلّ التضامن العائلي التقليدي لتمويل الرحلة، محوّلًا المغامرة الفردية إلى مشروع جماعي تموله الجالية الرقمية.
هذا المجتمع المدني الرقمي الخفي يعمل في آنٍ واحد كوكالة سفر سرّية، ومصلحة اجتماعية موازية، وخلية دعم نفسي. يوجّه المرشّحين للهجرة بدقة جراحية، محوّلًا مغامرة “الحريك” المميتة إلى مشروع جماعي، عقلاني، ومدعوم بالتكنولوجيا.
الحاجة المُلحّة إلى نظرة سوسيو-أنثروبولوجية
بصفتنا باحثين، نجد أنفسنا مضطرين للتنبيه إلى زاوية عمياء في التحليل المعاصر. المقاربات الاقتصادية البحتة (البطالة، التضخّم) أو الأمنية (شبكات الاتجار بالبشر) لم تعد كافية لتفسير حجم وتنظيم موجات الهجرة الحالية من شمال المغرب.
من الضروري إجراء دراسات سوسيو-أنثروبولوجية حقيقية حول هذه “الثقافة الرقمية للهجرة”. كيف يُبنى المتخيَّل الهجري في عصر الخوارزميات؟ كيف يتفاوض الشباب مع المخاطر عبر الشاشات؟ من هم فعلًا “المشرفون” على مجموعات واتساب الذين يُنسّقون التدفقات نحو سبتة؟ هل هم مناضلون سابقون خاب أملهم، أم مهربون من الجيل الثاني، أم فاعلون بأجندات أكثر غموضًا؟ كيف تشارك العائلات التي بقيت في الوطن، عبر هواتفها الذكية، في هذا المشروع الجماعي للرحيل؟
هذه الأسئلة، التي لا تزال قليلة الاستكشاف، تقع في صلب المرحلة القادمة من أبحاثنا. لأنّ فهم هذا التحوّل ليس مجرّد سوسيولوجيا للهجرة، بل هو جسٌّ لنبض مجتمع مدني، لمّا لم يعد يملك القوّة – أو الإمكانية – لإجبار مسؤوليه على الانصات، اختار أن يغادر، محمولًا بقوّة غير مفهومة.
خاتمة
مأساة الشباب المغربي اليوم تكمن في هذه المفارقة المطلقة: يملك أقوى الأدوات التكنولوجية في تاريخ البشرية للتحرّر والتنظيم وبناء المستقبل، لكنّ الظرفية السوسيو-سياسية دفعته إلى استخدام هذه العبقرية الرقمية لتنظيم اختفائه هو من التراب الوطني.
المجتمع المدني الرقمي المغربي لا يزال فاعلًا محوريًا في تحوّل البلاد. لكنّ مساره الأخير يعلّمنا درسًا مريرًا: حين تصبح الديمقراطية المضادة مستحيلة، لا تعود التكنولوجيا تُستعمل لبناء المدينة – بل تُستعمل لمغادرتها. فهم هذه الظاهرة، وتوثيقها بصرامة علمية، أصبح ضرورة علمية وسياسية وإنسانية ملحة.








0 تعليق