عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم اللوازم المدرسية تقتحم العطلة وتربك الإيقاع النفسي للأطفال بالمغرب - بوابة المدينة برس
قبل نهاية الثلث الأول من شهر غشت بدأت الأسواق المغربية عرض المحافظ والدفاتر وسائر اللوازم المدرسية، إيذانًا بانطلاق فترة الاستعداد للعودة إلى مقاعد الدراسة، رغم أن العطلة الصيفية مازالت في بدايتها نسبيًا، وأن الدخول المدرسي لن يحل إلا بعد أسابيع.
ويعيد هذا التبكير في طرح المحافظ واللوازم المدرسية إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز البعد التجاري المرتبط بالاستعداد للدخول المدرسي، ليمتد إلى أثره المحتمل في الحالة النفسية للأطفال والتلاميذ، خلال فترة يفترض أن تظل مخصصة للراحة والاستجمام والاستمتاع بالعطلة الصيفية.
تشويش وبراغماتية
سامي دقاقي، باحث في علم النفس والنوروتربية، قال إن “ظاهرة طرح المحافظ والأدوات المدرسية في الأسواق منذ بداية غشت، على نحو يتكرر في السنوات الأخيرة بشكل لافت، رغم أن الدخول المدرسي يظل دائمًا بعيدًا، لا ينبغي أن نتجاهل قراءتها داخل السياق السيكولوجي، في محاولة لمقاربة الأثر الذي تخلّفه على نفسيات الأطفال/التلاميذ بالخصوص”.
وأضاف دقاقي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “أولى التداعيات النفسية في هذا الصدد هي التشويش على الخبرة الذاتية وحرية الاستمتاع وتحقيق الهدف من العطلة، بمعنى تقييد كينونة الطفل وقطع ذلك التدفق في اكتشاف العالم لحظة بلحظة، كما تدعو إلى ذلك السيكولوجيا الإنسانية تحديدًا”.وأوضح المتحدث ذاته أن “رؤية الأدوات المدرسية على نحو مبكر تنقل ذهن الطفل بشكل قسري من حالة التدفق والمتعة إلى تذكر الإنجاز والالتزام وصرامة الجداول الدراسية، وهو أمر كفيل بأن يشعره أولاً بتهديد لاحتياجاته الأساسية المتعلقة باللعب والاستقلالية، وتاليًا بالضغط وتضارب الانفعالات، كالفرحة القصيرة بقرب لقاء الزملاء مثلاً، ثم السخط جراء تذكر زمن ما هو مفروض عليه أو متوقع منه، وأخيرًا القلق الصامت الذي قد يترجم إلى سلوكيات أو استجابات جسدية غير محمودة”.
وحذّر الباحث والمختص في السيكولوجيا من “هذا الجشع التجاري والتفكير البراغماتي المتوحش الذي يفرضه منطق سوق الاستهلاك اليوم، الذي لا يلقي بالا لما ينجم عنه من انتهاك صارخ للملاذ الآمن للطفولة، سواء في الزمن الذي من حق الطفل أن يعيشه (العطلة) أو الفضاءات التي يغشاها رفقة والديه أو أقربائه”.
وضرب دقاقي مثالاً بـ”المكتبات والأسواق التجارية التي من المفروض أن تظل بالنسبة للطفل مصدرًا للمتعة والفرح (ألعاب، قصص، ترفيه)، لكنها أضحت في السنين الأخيرة تلتهب بعروض مكثفة للمحافظ والأدوات المدرسية قبل أوان الزمن المدرسي، بشكل يقصف أذهان هذه الفئة الهشة (الأطفال)، ويخلق انزعاجًا وقلقًا مستمرين أكثر من أي شيء آخر”.
وهْم إدراكيّ
إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “عرض المحافظ والأدوات المدرسية في الواجهات التجارية والمساحات الكبرى خلال شهر غشت، في وقت يعيش الأطفال ذروة انفصالهم عن الروتين اليومي واستمتاعهم بالحرية الصيفية، قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إستراتيجية تسويقية بريئة أو استباقًا تنظيميًا، لكنه يحمل في طياته ارتدادات سيكولوجية عميقة على البناء النفسي للطفل، ويدفعنا كمتخصصين إلى طرح تساؤلات جوهرية حول الحق في الإجازة النفسية داخل السياق المغربي”.
وأوضح الحسناوي أن “الإدراك الطفولي، من الناحية النمائية، يتسم بالتمركز حول اللحظة الحالية (Hic et Nunc)، كما أن العطلة الصيفية ليست مجرد توقف عن الدراسة، بل هي مساحة زمنية ضرورية لتفريغ الشحنات وتجديد الطاقة”، مضيفًا أن “مواجهة الطفل بجبال من الدفاتر والمحافظ في عز استرخائه الصيفي تحول هذا المشهد إلى مثير بصري ضاغط يخرجه بعنف من حالة الاستمتاع باللحظة، ليزج به في دائرة قلق الترقب”، مبرزًا أن “هذا التحفيز المبكر لآليات التفكير في الواجبات والالتزام وضغط التقييم يعمل على مصادرة حق الطفل النفسي في استكمال عطلته، ما يولد لديه شعورًا خفيًا بالتهديد وبأن حريته انتهت فعليًا”.
وأبرز الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن “سيكولوجية الزمن لدى الطفل تختلف جذريًا عنها لدى البالغ؛ ففي حين يدرك الأب أو الأم أن الدخول المدرسي مازال يبعد بأسابيع فإن العرض المبكر للأدوات المدرسية يخلق لدى الطفل وهمًا إدراكيًا بأن المدرسة تفتح أبوابها غدًا”، منبهًا إلى أن “هذا التشوه في إدراك المسافة الزمنية يحرم الطفل من الاستعداد التدريجي، ويضعه أمام صدمة انتقال حادة من أقصى درجات الاسترخاء إلى استنفار ذهني غير مبرر، ما يفسر حالات الانفعال، أو اضطرابات النوم الخفيفة، أو تراجع الرغبة في اللعب التي تظهر على بعض الأطفال في منتصف غشت”.
وأضاف الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “هذا المعطى لا يمكن فصله عن واقعه السوسيو-اقتصادي في المغرب، إذ غالبًا ما يتزامن شهر غشت مع إنهاك مالي للأسر، بسبب تكاليف السفر والمناسبات الصيفية وتداعيات سابقة”، موضحًا أن “ظهور الأدوات المدرسية في هذا التوقيت يوقظ ‘القلق المالي’ لدى الآباء، الذي يُترجم غالبًا إلى تذمر من غلاء الأسعار أو نقاشات حول الميزانية أمام الأبناء”.
وأكد الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن “الطفل، بوصفه كائنًا عالي الحساسية للمناخ العاطفي الأسري يمتص هذا التوتر فورًا، وهكذا يتوقف ارتباط المحفظة الجديدة بـ’فرحة البداية’ أو ‘دوبامين الاكتشاف’، لتصبح في لا وعيه رمزًا لثقل مادي ونفسي يرهق والديه، ما يؤسس لعلاقة سلبية ومفعمة بالذنب مع المدرسة قبل أن تبدأ”.
وأبرز المتحدث ذاته أن “الجهاز العصبي للطفل يحتاج، لكي يستعيد توازنه وقدرته على استيعاب معارف جديدة في شتنبر، إلى المرور بمرحلة انفصال تام عن كل ما يحيل على النسق المدرسي”، مضيفًا أن “الهجوم التسويقي يضع الدماغ في حالة تأهب منخفض الدرجة بشكل مستمر، والنتيجة المباشرة لهذا الوضع هي ظاهرة ‘الاحتراق المدرسي المبكر’؛ حيث نلاحظ أطفالاً يلتحقون بفصولهم في الأسبوع الأول من شتنبر وهم يعانون من إرهاق ذهني، وكأنهم لم يستفيدوا من أي عطلة”.
وبعدما أكد الحسناوي أن “التسويق المبكر للمستلزمات المدرسية ليس مجرد سلوك تجاري، بل هو تدخل غير مباشر في الإيقاع النفسي للأطفال”، شدد على “ضرورة أن يتبنى الآباء مقاربة واعية لحماية ‘الفضاء النفسي’ لأبنائهم من هذا الاختراق، وذلك يقتضي تأجيل الشراء المادي، من خلال تجنب اقتناء الأدوات أو الحديث عن المدرسة بشكل مكثف حتى الأيام العشرة الأخيرة من العطلة؛ والفلترة العاطفية، عبر تحييد الأطفال عن النقاشات المتعلقة بعبء المصاريف المدرسية؛ ثم التدرج الإيجابي، إذ عندما يحين وقت الاستعداد يجب أن يتم ذلك في إطار من التحفيز الإيجابي الذي يربط المدرسة بالنمو واكتشاف الذات، وليس بإنهاء متعة الصيف”.
وختم الأخصائي النفسي الإكلينيكي تصريحه بالقول: “لندع أطفالنا يعيشون صيفهم حتى قطراته الأخيرة، فصحتهم النفسية واستعدادهم الذهني يبدأ من جودة عطلتهم”.








0 تعليق