عمرو منير دهب يكتب: جامل ولا تجامل.. الفصل الخامس والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة

اعلام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عمرو منير دهب يكتب: جامل ولا تجامل.. الفصل الخامس والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة

رأيْنا في "اعترف ولا تعترف" أن الصراحة ليست فضيلة وإنما هي طبع له ما له وعليه ما عليه، وذلك بصرف البصر عمّا ارتبط في أذهان ووجدان الناس من منزلة للصراحة مستقرة إن لم يكن بوضوح في خانة الفضائل فعلى الأقل لدى أدنى مسافة ممكنة منها.

وإذا كنّا قد ذهبنا إلى أن الصراحة هي الطبع والاعتراف هو الفعل، فإن المجاملة ونقيضها بمثابة الجزء من "كلّ" الاعتراف ونقيضه، وإن يكن الكلّ الأكبر على هذا الصعيد يبدو متجلّياً في مفارقة/متناقضة الصدق والكذب، مع الانتباه إلى معضلة تحديد مَن/ما هو صادق ومَن/ما هو كاذب باختلاف المعايير مع اختلاف الأزمنة والأماكن والمواقف إلى حدّ التضارب/التناقض.

بذلك، تبدو مفارقة جامل ولا تجامل أسهل بالنظر إلى كونها خياراً شخصياً بحتاً أقلّ ارتباطاً بالمرجعيات الأخلاقية على غير ما هو الحال مع مفارقتَي اكذب ولا تكذب واعترف ولا تعترف؛ وإن يكن الارتباط الأخلاقي غير منعدم تماماً مع مفارقة جامل ولا تجامل، فكون المسألة خياراً شخصياً لا يعني أنه ليست ثمّة مرجعية أخلاقية تبارك أحد طرفَي المفارقة وتذمّ/تلعن الطرف الآخر بدرجة ما مهما يكن مقام جامل ولا تجامل بسيطاً وعابراً.

في "اكذب ولا تكذب" ذهبنا إلى أننا "نكذب ابتداءً من "صباح الخير" نقولها في وجوه من نلاقيهم دون أن نتمنّى الخير لكلٍّ منهم بالضرورة؛ ولا يعني ذلك أننا نضمر الشرّ لقدر كبير من الناس، ولكننا غالباً نحتفظ بشعور محايد تجاه أغلب الناس ونرجو عميقاً الخير – بما يصل إلى درجة الدعاء كل صباح – فقط ضمن دائرة ضيقة من المقرّبين الأعزاء"؛ ورأينا أن "ما بعد "صباح الخير" من المجاملات العميقة (تعبير ملطّف للكذب/التمثيل) كثير ومتداخل بما يعكس إقرارنا بالحرص على تمرير شؤون حياتنا اليومية بأعلى ما يمكن من المرونة تجنّباً لاحتكاكات من شأنها أن تعرقل مصالحنا جميعاً".

المجاملة إذن تعبير ملطّف للكذب أو التحايل أو التمثيل أو غيرها ممّا على تلك الشاكلة من المصطلحات الدالّة إجمالاً على المراوغة تجنّباً للصراحة أو الإقرار بالحقيقة كما نراها. وبرغم أن المجاملة تبدو الأهون بين ما يشابهها أو يقاربها في الدلالة من المصطلحات التي أشرنا إليها على سبيل المثال، فإن تحدّي المجاملة لا يخلو من الصعوبة، بل قد يبدو الأصعب عندما نطلّ عليه من بعض وجهات النظر؛ فالمواقف الكبيرة الفاصلة في حياتنا لا تحتمل المراوغة في الغالب مما يجعل تحدّيها أيسر فيما يتعلّق باختيارَي الصدق/الصراحة/الاعتراف والكذب/الكتمان/الإنكار، وذلك مقارنة بتفاصيل حياتنا اليومية الكثيرة والمتشعّبة التي تغري بالتحايل/المراوغة/المجاملة وتظهرها كما لو كانت مسائل هيّنة على غير ما هي في الواقع بالضرورة، فمن تلك المسائل والمواقف الهيّنة مجتمعة تتشكّل مصائرنا العظيمة؛ وعليه فإن تلك "الصغائر" هي على الأرجح امتحاننا الأكبر إزاء اجتياز مطبّات المبادئ والمثل التي تعيقنا عن الإسراع والاكتساح في طرق النجاح والمجد على اختلاف الصعد والمقامات في الحياة.

مهما يكن؛ وإذا كان لا بأس – بل لا مناص – من أن نكذب ولا نكذب ونعترف ولا نعترف، فلا بأس - ولا مناص – من أن نجامل ولا نجامل.

جامل لأن من المستحيل أن تعيش بلا مجاملة؛ ابتداءً من "صباح الخير" أول النهار حتى تخلد إلى سريرك نهاية اليوم؛ ولن نفيض في الحديث عن تحدّيات المجاملة مع منعطفات الحياة الحادّة، فقد رأينا أن تلك المنعطفات أنسب لأن تكون تحدّيا إزاء مفارقات تبدو خطيرة مثل اكذب ولا تكذب أكثر من كونها تحدّياً مع مفارقة جامل ولا تجامل الأصغر والأعظم تأثيراً في الوقت نفسه.

المجاملة إذن ضرورة أشدّ إلحاحاً من ضرورة الكذب من حيث تكرارها في حياتنا اليومية؛ وهي بالنظرة العامة الخاطفة أخف وطأة، لكنّ النظرة الدقيقة الممعنة في التفاصيل تجعلها أشدّ خطراً من حيث تأثيرها المتعاظم بالتراكم. وعليه، فإن الحذر مع المجاملة يكمن في تحاشي أن تصبح عادةً مع كل شاردة وواردة في استجاباتنا لسلوك وانفعالات الآخرين فتنمحي بذلك الحدود بين ما هو مبدئي وما هو ذرائعي لمنطلقاتنا وأفعالنا.

ولكن ليس من السهولة بحال فضّ الاشتباك بين المبادئ والذرائع، حتى إن الاثنين لا يتداخلان أحياناً فحسب بل يبدوان في كثير من الأحيان كما لو كانا يتبادلان الأدوار، تماماً مثلما قلنا في سياق مستقلّ عن الخير والشر.

والحال على نحو ما رأينا، جامل ولا تجامل بحسب طبيعة الناس ومقتضيات المجتمع من حولك، فليست ثمة قواعد مطلقة كما هو شأننا مع كل المفارقات/المتناقضات.

أن تكون صادقاً باستمرار مهمة بالغة الصعوبة؛ ولكن المهمة الأصعب في الغالب هي أن تمرّر صدقك إلى الآخرين على نحو يرضيهم، أو على الأقل لا يزعجهم.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق