عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم جيل "زد" وسبتة - بوابة المدينة برس
︎ احتجاجات جيل “زد” والهجرة نحو سبتة
لا ينبغي أن ننظر إلى ما حدث في مشهدين متلاحقين، احتجاجات جيل “زد” ومحاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة، باعتباره أزمتين منفصلتين أو مجرد ردود فعل عابرة على أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، بل بكونهما حلقتين في سلسلة واحدة عنوانها الأبرز: أزمة الثقة بين المؤسسات الرسمية والطاقات الشابة، وأزمة الأمل في المستقبل.
ولعل السؤال الأكثر أهمية الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا أعددنا لشبابنا؟
الإجابة بكل بساطة أننا لم نعد شيئاً؛ فقد أعددنا استراتيجيات تنموية، وبرامج اجتماعية، وصناديق للدعم، ومشاريع مهيكلة، واستثمارات كبرى، لكن ما لم ننجح في إعداده بالقدر الكافي هو “المواطنة الفعلية”، أي أن يشعر الشاب بأنه ليس مجرد مستفيد من سياسات عمومية تصمم من أجله، وإنما شريك في صياغتها وتقييمها وتصحيح مسارها.
لقد أعددنا وعوداً بالتغيير، لكننا لم ننجح دائماً في توفير آليات المشاركة التي تجعل الشباب طرفاً في صناعة القرار، وأعددنا مشاريع ومخططات، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في بناء فضاء عام يشعر فيه المواطن بأن الكفاءة والاستحقاق هما طريقه الطبيعي إلى النجاح، بعيداً عن المحسوبية والزبونية وتعقيدات البيروقراطية.
بعد التدخل الملكي، جرى الإعلان عن إجراءات وإصلاحات همت قطاعات حيوية، في مقدمتها الصحة والتعليم والتشغيل. بيد أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بغياب السياسات، بقدر ما يرتبط بقدرتها على الوصول إلى المواطن وتحويل أهدافها إلى نتائج ملموسة.
فالشباب لا يقيس نجاعة السياسات العمومية بما يرد في التقارير الرسمية، وإنما بما يختبره في حياته اليومية: جودة العلاج في المستشفى العمومي، مستوى الدراسة، عدالة الولوج إلى فرص الشغل، سرعة الإدارة، شفافية المباريات، واحترام كرامته داخل المرفق العمومي… وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات: يمكن للدولة أن تنجز مشاريع كبرى وتعلن عن استراتيجيات طموحة، لكن أثر ذلك كله يتراجع في وعي المواطن إذا ظل يصطدم يومياً بمظاهر البيروقراطية أو ضعف الحكامة أو غياب تكافؤ الفرص أو عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة… فالثقة لا تبنى بالمشاريع وحدها، وإنما بالتجربة اليومية للمواطن مع الدولة.
لقد كشفت احتجاجات جيل “زد” أن مطالب الشباب لا تختزل في التشغيل أو القدرة الشرائية أو تحسين الخدمات العمومية، رغم أهمية هذه المطالب، بل إن خلف المطالب المادية يوجد سؤال أعمق يتعلق بالكرامة والاعتراف والمشاركة.
فالشاب يريد أن يشعر بأنه مسموع، وأن صوته له قيمة، وأنه قادر على التأثير في القرارات التي تحدد مستقبله. ومن هنا، فإن طريقة تدبير الاحتجاجات تصبح في حد ذاتها جزءاً من الرسالة السياسية التي تصل إلى هذه الفئة. وحين يشعر الشباب بأن التعبير السلمي عن المطالب يُنظر إليه أساساً باعتباره مشكلة أمنية، تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة ثقة سياسية. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن الفوضى أو تجاوز القانون، وإنما بالتأكيد على أن الاحتجاج السلمي ليس نقيضاً للدولة، بل يمكن أن يكون إحدى آليات تصحيح مسارها الديمقراطي.
وفي هذا السياق، تكتسب ظاهرة الهجرة الجماعية نحو سبتة دلالة تتجاوز بعدها الجغرافي والحدودي. ذلك أن الشاب الذي يخاطر بحياته من أجل عبور البحر أو الحدود لا يكون بالضرورة جاهلاً بصعوبة الحياة في أوروبا، بل إن وسائل التواصل الاجتماعي جعلته أكثر اطلاعاً على واقع الهجرة: العنصرية والنزعات اليمينية المتطرفة، وصعوبة الاندماج، وهشاشة العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومخاطر فقدان الاستقرار.
ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: لماذا يخاطر إذا كان يعرف كل ذلك؟
هنا تكمن المفارقة المأساوية: عندما يصبح المستقبل في الوطن بالنسبة إلى بعض الشباب أقل يقيناً من مستقبل مجهول في الخارج، تتحول الهجرة من بحث عن فرصة اقتصادية إلى احتجاج صامت على واقع لم يعد مقنعاً. وهنا تصبح سبتة، في المخيال الشبابي، أكثر من مجرد نقطة جغرافية؛ إنها تتحول إلى رمز لإمكانية أخرى، حتى وإن كانت تلك الإمكانية محفوفة بالمخاطر.
إن أخطر ما تكشفه الهجرة غير النظامية ليس فقط الرغبة في الوصول إلى أوروبا، وإنما فقدان القدرة على إقناع بعض الشباب بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل داخل الوطن.
إن الإشكال لا يتعلق فقط بمضمون السياسات العمومية، وإنما أيضاً بطريقة تصور الشباب داخلها. فحين يُنظر إلى الشباب باعتباره “موضوعاً للتنمية”، يصبح دوره في الغالب تلقي البرامج والاستفادة منها، أما حين يُنظر إليه باعتباره فاعلاً في التنمية، فإن العلاقة تتغير، ويصبح شريكاً في تحديد الأولويات، وفي مراقبة السياسات، وفي تقييم نتائجها.
نحن بحاجة إلى الانتقال من سياسة تنتج برامج للشباب إلى سياسة يصنع الشباب جزءاً منها. وهذا في نظري، يتطلب مدرسة تشجع على الإبداع والتفكير النقدي، واقتصاداً يوسع فرص المبادرة والاستحقاق، وإدارة أكثر مرونة وشفافية بعيداً عن الولاءات المصلحية والزبونية، ومؤسسات سياسية قادرة على استيعاب الطاقات الجديدة، وفضاء عاماً يسمح للشباب بالتعبير والمشاركة دون أن يتحول الاختلاف إلى مصدر للريبة.
إن إعادة بناء الثقة لا يمكن أن تتم بخطابات التهدئة وحدها، ولا بالمساعدات الظرفية، ولا بإطلاق برامج جديدة دون تقييم حقيقي لنتائج البرامج السابقة. كما أنها لا يمكن أن تتم بالمقاربة الأمنية، لأن هذه الأخيرة لا يمكنها أن تكون ناجعة في حل الأزمات.
فالأمل يحتاج إلى سياسات ملموسة تعزز دولة الحق والقانون والمؤسسات وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتواجه الفساد والمحسوبية بما يعيد الاعتبار لمبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص، كما تحتاج إلى إعادة بناء المدرسة بما يجعلها فضاءً للإبداع والابتكار والتفكير النقدي، مع ربط التكوين بالحاجات المتغيرة لسوق الشغل. ويتطلب الأمر أيضاً تفعيل الجهوية المتقدمة باعتبارها مدخلاً لتقريب القرار الاقتصادي من الشباب، وتوسيع المشاركة الشبابية في المؤسسات المنتخبة والهيئات الاستشارية والفضاءات العمومية، حتى يشعر الشباب بأن السياسة ليست مجالاً مغلقاً أمامهم.
كما أن حماية الحق في الاحتجاج السلمي والتعبير في إطار القانون تظل جزءاً من الحياة الديمقراطية وآلية طبيعية لتصحيح الاختلالات، وليس مجرد تهديد ينبغي احتواؤه.
ما يجب أن نستوعبه جيداً، أن صورة المغرب لا تهتز عندما نعترف باختلالاته ونعمل على إصلاحها، بل تهتز أكثر عندما نحاول إخفاء هذه الاختلالات أو الاكتفاء بتدبير أعراضها.
إن الرهان الحقيقي، اليوم، ليس فقط على تهدئة احتجاجات الشباب أو الحد من الهجرة، وإنما على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن الشاب، وعلى الانتقال من منطق تدبير الشباب باعتبارهم فئة مستهدفة بالسياسات إلى منطق إشراكهم باعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل.
فالشاب الذي يرى في وطنه فضاءً للكرامة والمشاركة والعدالة، لا يحتاج إلى البحث عن وطن بديل. أما حين يفقد الإحساس بأن مستقبله يمكن أن يصنع في بلده، فإن البحر والحدود يتحولان، في وعيه، من حاجز إلى فرصة.
وهنا تكمن المسألة الأعمق: الخاسر الأكبر من أزمة الثقة ليس الدولة باعتبارها مؤسسات، وإنما “الحلم المغربي” نفسه. ذلك الحلم الذي ينبغي أن نعيد بناءه بأيدٍ نظيفة وليست فاسدة كما نرى اليوم في بعض القطاعات، ومؤسسات أكثر إنصاتاً، وسياسات أكثر عدالة، وشباب لا يشعر بأن الوطن مكان ينتظر فيه مستقبلاً مجهولاً، ولا سجناً يبحث عن مخرج منه، وإنما مشروعاً جماعياً يشارك في صنعه ويؤمن بأن له مكاناً حقيقياً فيه.








0 تعليق