عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم حظر شبكات التواصل على القاصرين يسقط أمام المجلس الدستوري في فرنسا - بوابة المدينة برس
ألغى المجلس الدستوري الفرنسي، الجمعة، المادة الأساسية من قانون كان ينص على حظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة، معتبرا أن الإجراء يمس حرية التعبير والتواصل بصورة غير متناسبة، فيما كلّف الرئيس إيمانويل ماكرون الوزير الأول سيباستيان لوكورنو العمل على إعداد صياغة جديدة تراعي الملاحظات الدستورية والقواعد الأوروبية.
وكان مقررا أن يدخل القانون حيز التنفيذ في الأول من شتنبر المقبل، وأن يشمل منصات واسعة الاستخدام من بينها تيك توك وسناب شات وإكس وإنستغرام، فضلا عن بعض الخصائص الاجتماعية في يوتيوب وتطبيقات المراسلة، مثل واتساب ومسنجر، وعدد من ألعاب الفيديو عبر الإنترنت.
وجاء قرار المجلس بعد إحالتين تقدم بهما نواب في 23 و24 يوليوز الماضي، وطعنتا في دستورية المادة الأولى من القانون المتعلق بحماية القاصرين من المخاطر المرتبطة باستخدام شبكات التواصل، إذ اعتبر أصحاب الطعن أن النص يفرض حظرا عاما على جميع من هم دون الخامسة عشرة من دون تمييز بين المنصات بحسب طبيعتها أو خصائصها أو مستوى المخاطر المرتبطة بها.
وأكد المجلس، في القرار رقم 2026-911 DC الصادر في 14 غشت 2026، أن حرية التعبير والتواصل، كما يكفلها إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789، تشمل في ظل الانتشار الواسع لخدمات الاتصال الرقمي وأهميتها في التعبير عن الأفكار والمشاركة في الحياة العامة حرية الوصول إلى هذه الخدمات والتعبير عبرها، مع إقراره بحق المشرع في فرض قيود لحماية القاصرين متى كانت ضرورية وملائمة ومتناسبة مع الهدف المنشود.
حظر واسع لا يميز بين المنصات
أقر المجلس بأن حماية المصلحة الفضلى للطفل تشكل مطلبا دستوريا، وأن المخاطر المرتبطة ببعض شبكات التواصل، ومن بينها الإدمان والعزلة والتعرض للمحتوى الإباحي والتنمر والاحتيال، يمكن أن تبرر تدخل المشرع، غير أنه رأى أن الصياغة التي اعتمدها البرلمان ذهبت أبعد مما تسمح به متطلبات التناسب.
وأوضح القرار أن الحظر كان سيشمل كل منصة تتيح للمستخدمين الاتصال بعضهم ببعض والتواصل وتبادل المحتوى واكتشاف مستخدمين أو مواد أخرى، من دون ربط المنع بطبيعة الوظائف التي تقدمها المنصة أو محتواها أو مستوى الخطر الذي قد تسببه للقاصرين أو مدى كفاية وسائل الحماية الموجودة فيها.
واعتبر المجلس أن الاستثناءات التي تضمنها القانون بقيت محدودة، إذ شملت الموسوعات الإلكترونية والأدلة التعليمية والعلمية وبعض منصات تطوير البرمجيات مفتوحة المصدر ذات الطابع التعليمي، لكنها لم تمتد إلى خدمات تعاونية أخرى لمشاركة المحتوى أو المساعدة، ولا إلى تطبيقات الاتصال أو الألعاب الإلكترونية التي تتضمن وظائف اجتماعية، ولا إلى شبكات مرتبطة بأنشطة تعليمية من دون أن تكون تعليمية بطبيعتها.
وخلص المجلس إلى أن الحظر كان قابلا للتطبيق على خدمات اتصال عبر الإنترنت لم تثبت مخاطرها على صحة القاصرين أو سلامتهم، وهو ما جعله، في نظره، غير متناسب مع الهدف الذي استند إليه المشرع.
وتوقف القرار أيضا عند تطبيق المنع على جميع القاصرين دون الخامسة عشرة، من دون مراعاة سن كل مستخدم ودرجة نضجه ووضعه الأسري وطبيعة الخدمة التي يريد استخدامها، كما لم يمنح أصحاب السلطة الأبوية أو الممثلين القانونيين إمكانية رفع الحظر أو تقييده أو السماح باستخدام بعض الخدمات بعد الاطلاع على طبيعتها ومخاطرها.
ورأى المجلس أن المشرع لا يمكنه فرض منع عام يحرم القاصرين من الوصول إلى عدد كبير من خدمات الاتصال من دون النظر إلى وضع كل قاصر وإلى مستوى الخطر الخاص بكل خدمة، وقرر تبعا لذلك أن المادة الأولى تمس حرية التعبير والتواصل على نحو غير ملائم وغير ضروري وغير متناسب.
التحقق من العمر يثير مخاوف الخصوصية
لم يقتصر اعتراض المجلس الدستوري على اتساع نطاق الحظر، إذ أثار كذلك مسألة التحقق من أعمار المستخدمين، معتبرا أن تطبيق المنع على من هم دون الخامسة عشرة يستلزم عمليا مطالبة كل شخص، بمن فيهم البالغون، بإثبات سنه قبل استخدام الخدمات المشمولة بالقانون.
وأشار المجلس إلى أن النص لم يحدد الشروط والحدود التي سيتم في إطارها إثبات العمر، ولم يوفر الضمانات القانونية الضرورية لحماية الحق في احترام الحياة الخاصة، وهو ما شكل سببا إضافيا للحكم بعدم دستورية المادة الأولى.
وكان النص قد عرف نقاشا مطولا بين الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، الذي أعاد صياغة جزء واسع منه واقترح في مرحلة سابقة إعداد قائمة محددة بالمنصات التي يشملها الحظر لتقليص نطاق تطبيقه، غير أن الصيغة النهائية التي أقرها البرلمان في 21 يوليوز تخلت عن هذا الخيار، في ظل مخاوف من عدم توافقه مع القانون الأوروبي.
وسعت الحكومة من خلال القانون إلى مواجهة جملة من المخاطر التي تربطها باستخدام القاصرين شبكات التواصل، من بينها القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والتنمر الإلكتروني، وهي قضايا دفعت عددا من جمعيات حماية الطفولة إلى المطالبة بتشديد القيود المفروضة على وصول صغار السن إلى هذه المنصات.
وبحسب دراسة نشرتها هيئة تنظيم الاتصال السمعي البصري والرقمي الفرنسية «أركوم» في يوليوز، فإن أكثر من ثلثي الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و14 عاما أبدوا تأييدهم للحظر، وفق المعطيات الواردة في المادة الصحافية التي تناولت القرار.
ماكرون يتمسك بالإصلاح وصياغة جديدة قبل ربيع 2027
عقب صدور الحكم، كلّف ماكرون الوزير الأول سيباستيان لوكورنو العمل «في أسرع وقت ممكن» على صياغة جديدة للحظر تكون أكثر صلابة من الناحية القانونية، وتأخذ في الاعتبار قرار المجلس الدستوري والإطار الأوروبي.
وأكدت الرئاسة الفرنسية أن عزم ماكرون على إقرار الإصلاح «بحلول ربيع 2027» ما زال قائما، بما يعني أن قصر الإليزيه لا يتجه إلى التخلي عن مبدأ الحد من وصول القاصرين إلى شبكات التواصل، وإنما إلى إعادة صياغته على نحو ينسجم مع القيود الدستورية والأوروبية.
كما أعلنت المفوضة العليا لشؤون الطفولة سارة الحيري أنها أخذت علما بقرار المجلس، مؤكدة استئناف العمل بالتنسيق مع المفوضية الأوروبية من أجل إعداد صيغة قانونية جديدة، ومشددة على أن الحكم أغلق الطريق أمام النص بصيغته الحالية من دون أن ينهي مسار الإصلاح.
ويأتي النقاش الفرنسي في سياق دولي متزايد بشأن استخدام القاصرين شبكات التواصل، بعدما أصبحت أستراليا في نهاية 2025 أول دولة تفرض حظرا على استخدام هذه المنصات على من هم دون السادسة عشرة، بينما اتجهت دول أخرى، من بينها البرازيل وإندونيسيا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا، إلى اعتماد قيود مماثلة أو دراسة إمكان تطبيقها.
وأظهرت التجربة الأسترالية نتائج متباينة، إذ أشارت دراسة منشورة في المجلة الطبية البريطانية إلى تغييرات محدودة لدى المستخدمين الذين تراوح أعمارهم بين 12 و13 عاما، مع تسجيل تراجع طفيف لدى الفئة بين 14 و15 عاما وارتفاع في الاستخدام لدى من يبلغون 16 عاما فما فوق، فيما تمكن بعض القاصرين من تجاوز القيود باستخدام حسابات مسجلة بأسماء أشخاص أكبر سنا أو عبر شبكات افتراضية خاصة.
وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية خلال يوليوز الماضي توجهها نحو إقرار وصول تدريجي للقاصرين إلى شبكات التواصل، فيما أوصت لجنة خبراء بمنع من هم دون الثالثة عشرة، مع ترك هامش لكل دولة لتحديد السن الدنيا المناسبة داخل إطارها القانوني.
ولم يشمل حكم المجلس الدستوري باقي مواد القانون، إذ اقتصرت الإحالة على المادة الأولى، وأوضح المجلس أنه لم يثر من تلقاء نفسه أي مسألة تتعلق بدستورية الأحكام الأخرى، ومن بينها حظر استعمال الهاتف المحمول في المدارس الثانوية ابتداء من الأول من شتنبر.
ويعيد القرار النقاش الفرنسي إلى كيفية بناء نظام لحماية القاصرين يميز بين طبيعة المنصات ودرجة مخاطرها، ويمنح الأسرة دورا أوضح، ويضع قواعد دقيقة للتحقق من العمر من دون المساس بالخصوصية، وهي عناصر ستحدد فرص نجاح الصياغة الجديدة التي تعهدت الرئاسة بإعدادها قبل ربيع 2027.








0 تعليق