عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الشباب بين الاندماج والهجرة .. دعوات إلى إبقاء الأمل والمقاربات التشاركية - بوابة المدينة برس
في سياق تخليد اليوم العالمي للشباب، الذي يصادف 12 غشت من كل سنة، تتجدد الأسئلة المرتبطة بواقع الشباب المغربي، بين صعوبات الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وتحديات المشاركة في الحياة العامة، وتغيرات عميقة مست منظومة القيم وتصورات الجيل الجديد للمستقبل.
ويبرز النقاش في وقت تفرض التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي إعادة النظر في موقع الشباب داخل السياسات العمومية، ليس فقط باعتبارهم فئة مستهدفة بالبرامج، وإنما لكونهم قوة اجتماعية واقتصادية يفترض أن تكون شريكا في صياغة الأولويات الوطنية.
“تسقيف السن”
انتقد عبد الواحد الزيات، رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، توجه عدد من السياسات والبرامج العمومية نحو تسقيف سن الاستفادة بالنسبة إلى الشباب، معتبرا أن اعتماد معيار عمري موحد لا يراعي الاختلافات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بين الدول، وقد يؤدي إلى إقصاء فئات واسعة.
وأورد الزيات لهسبريس أن الاحتفاء باليوم العالمي للشباب يمثل “لحظة جد مهمة” لجعل قضية الشباب حاضرة على المستوى الدولي، مبرزا أن الشعار القائم على “ظروف مختلفة وتطلعات مشتركة” يعكس الحاجة إلى استحضار واقع الشباب وتطلعاتهم عند إعداد السياسات العمومية، وأوضح أن تحديد سن الشباب في الفئة الممتدة بين 15 و24 سنة، كما هو معتمد على المستوى الأممي، لا يمكن أن يكون معيارا موحدا لجميع الدول، بالنظر إلى التفاوتات القائمة في القدرات الاقتصادية والاجتماعية وفرص الشباب بين الدول المتقدمة ودول الجنوب.
واعتبر المتحدث ذاته أن التطبيق الحرفي لهذا التصنيف في رسم السياسات العمومية قد يؤدي إلى إقصاء فئات من الشباب، خصوصا في البلدان التي تواجه تراكمات في مجالات التنمية والتعليم والتشغيل، داعيا إلى اعتماد معايير تراعي خصوصيات كل بلد وحجم التحديات التي يواجهها.
وتابع الفاعل المدني نفسه بأن توجه السياسات العمومية المغربية نحو تسقيف السن في عدد من البرامج والخدمات لا يأخذ بعين الاعتبار التأخر المسجل في الاستجابة لتطلعات الشباب، ولا ينسجم مع التفاوتات المجالية والاجتماعية التي يعرفها المغرب؛ كما دعا إلى مراجعة أوسع لطريقة إعداد وتنفيذ السياسات العمومية الموجهة إلى الشباب، مناديا باعتماد مقاربة تقوم على الاندماج والالتقائية، بدل التشتت بين البرامج، إلى جانب توسيع مشاركة الشباب في تدبير الشأن العام.
“مواقع القرار”
شدد الزيات على ضرورة توفير ضمانات قانونية لإشراك الشباب في مواقع القرار، منتقدا ما اعتبرها “ازدواجية في التعامل” مع عامل السن، وموضحا أنه لا يمكن وضع سقف عمري أمام شاب في الثلاثين من عمره، في وقت تظل إمكانية تولي أشخاص متقدمين في السن مناصب عليا قائمة.
وفي معرض حديثه عن المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي أكد الفاعل المدني الحاجة الماسة إلى “إرادة وطنية حقيقية” تجعل من الشباب فرصة وإمكانا للمساهمة في معالجة الإشكالات التي تواجه البلاد، مشددا على أن إشراكهم ينبغي ألا يظل حضوريا أو شكليا.
“خطاب سوداوي”
دعا ياسين ايصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني ورئيس المنتدى المتوسطي للشباب بالمغرب، إلى تجنب الخطاب السوداوي في تناول وضعية الشباب المغربي، معتبرا أن اختزال هذه الفئة في البطالة أو الهجرة أو العزوف السياسي لا يعكس طبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية التي يعيشها الجيل الجديد.
وأوضح ايصبويا، في تصريح لهسبريس، أن الشباب المغربي يواجه، في المقابل، صعوبات حقيقية في الانتقال من التعليم والتكوين إلى الشغل، ومن الحضور في المجتمع إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار.
وبخصوص البطالة أفاد المصرح عينه بأن معدل البطالة الوطني بلغ 13 في المائة سنة 2025، مقابل 13.3 في المائة سنة 2024، بينما وصل لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة، مقابل 36.7 في المائة سنة 2024، وبلغ لدى حاملي الشهادات 19.1 في المائة، مقابل 20.5 في المائة لدى النساء.
وفي المقابل أشار المتحدث إلى أن الاقتصاد الوطني أحدث خلال السنة نفسها حوالي 193 ألف منصب شغل صاف، منها 123 ألفا في قطاع الخدمات، و64 ألفا في البناء والأشغال العمومية، و46 ألفا في الصناعة، في حين فقد قطاع الفلاحة والغابة والصيد 41 ألف منصب.
واعتبر الباحث في قضايا الشباب أن المعطى الأكثر دلالة يرتبط بالشباب غير الموجودين في التعليم أو الشغل أو التكوين، مستحضرا تقريرا للمندوبية السامية للتخطيط صدر في أبريل 2026، قدر عددهم بحوالي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، أي ما يناهز شابا واحدا من كل ثلاثة في هذه الفئة العمرية.
وسلط رئيس المنتدى المتوسطي للشباب الضوء على الأحداث التي عرفتها سبتة المحتلة مؤخرا، معتبرا أن موجة العبور الجماعي التي شهدتها معابر المدينة لا يمكن اختزالها في أزمة أمنية أو دبلوماسية عابرة، بل تعكس، في تقديره، “أحد أقسى تجليات الأزمة البنيوية”.
وقال ايصبويا إن تفضيل جزء من الشباب مواجهة مخاطر العبور نحو الضفة الأخرى، رغم ما يعرفه المغرب من مشاريع واستثمارات، يطرح أسئلة تتجاوز البعد الأمني إلى “قلب الثقة والانتماء والأفق”، داعيا إلى مقاربة حقوقية وتنموية متعددة الأبعاد تعالج الأسباب العميقة لهذه الظاهرة.
وأكد الفاعل المدني ذاته أن المقاربة الأمنية وحدها لن توقف ما وصفه بـ”النزيف”، مناديا بتوفير فرص حقيقية للشغل والتكوين والمشاركة واستعادة الأمل داخل الوطن، حتى لا تتحول الهجرة غير النظامية إلى خيار لدى الشباب الذين يشعرون بانسداد الأفق.
وفي ما يتعلق بالمشاركة السياسية دعا المتحدث نفسه إلى الحذر من اختزال علاقة الشباب بالشأن العام في مفهوم “العزوف السياسي”، موضحا أن جزءا من الشباب قد لا ينخرط في الأحزاب، لكنه يشارك في مبادرات مدنية وحملات رقمية وأنشطة تطوعية وقضايا بيئية واجتماعية.
“أزمة ثقة”
أقر ايصبويا في المقابل بوجود أزمة ثقة وتمثيل، موردا أن الفاعل السياسي يتحمل مسؤولية كبيرة في معالجتها، وزاد: “لا يمكن أن نطالب الشباب بالمشاركة إذا كان حضورهم مطلوبا فقط أثناء الحملات الانتخابية أو لتأثيث اللقاءات”، داعيا إلى الانتقال من استدعاء الشباب إلى إشراكهم، ومن الاستماع إليهم إلى تقاسم القرار معهم.
وفي مواجهة هذه التحديات اقترح الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني الانتقال إلى جيل جديد من السياسات العمومية الموجهة إلى الشباب، يقوم على سبعة تحولات أساسية، في مقدمتها الانتقال من معالجة البطالة إلى بناء قابلية التشغيل، عبر ربط الجامعة والتكوين المهني بصورة أقوى بالاقتصاد الجديد، خصوصا الذكاء الاصطناعي والرقمنة والصناعات المستقبلية والاقتصاد الأخضر، مع إدماج المهارات الحياتية واللغات وريادة الأعمال.
ودعا المتحدث في هذا الإطار إلى إحداث “ضمان للشباب” على المستوى الترابي، يتيح مواكبة الشباب غير الموجودين في التعليم أو الشغل أو التكوين، واقتراح فرص للتكوين أو التدريب أو العمل أو دعم المشاريع، مع مراعاة الفوارق الجندرية والجهوية.
وشدد رئيس المنتدى ذاته على ضرورة الاستثمار في الثقة والانتماء، معتبرا أن مستقبل الشباب لا يبنى بالتشغيل وحده، وإنما يحتاج أيضا إلى المدرسة والثقافة والرياضة ودور الشباب والعمل الجمعوي والإعلام والأسرة، باعتبارها فضاءات لبناء المواطنة والثقة والقدرة على التفكير النقدي.
ولفت ايصبويا إلى أهمية إدماج الصحة النفسية ضمن السياسات الموجهة إلى الشباب، من خلال إحداث خلايا للاستماع والمواكبة داخل دور الشباب والمؤسسات التعليمية ومراكز التكوين، إلى جانب فتح قنوات قانونية وآمنة للتنقل والانفتاح الدولي عبر برامج التبادل الشبابي والتطوع والمنح والتكوين؛ كما اعتبر أن الاستثمارات الجديدة مع الاستعداد لكأس العالم 2030 تمثل فرصة لتعبئة جيل كامل من الشباب في مجالات التطوع والتكوين والاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والسياحة والرياضة وريادة الأعمال.
وختم ياسين ايصبويا بالتأكيد على أن المغرب “لا يعاني من نقص في طاقات الشباب”، وإنما يواجه تحدي تحويل هذه الطاقة إلى مشاركة وإنتاج وابتكار وثقة في المستقبل، مشددا على أن الشباب لا يحتاج فقط إلى القول إن المستقبل له، بل إلى إيجاد مكانه اليوم في صناعة هذا المستقبل.
” مجلس غائب”
مع حلول هذا الاحتفاء العالمي يتجدد النقاش حول تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، بصفته مؤسسة مستقلة ستُسند إليها مهمة الإسهام في إعداد دراسات وأبحاث تشكل مرجعا للسياسات العمومية الموجهة للشباب.
ونص الدستور المغربي في فصله الـ 33 على إحداث المجلس سالف الذكر، باعتباره مؤسسة عمومية دستورية من اختصاصاتها إبداء الرأي للملك في القضايا المحالة عليها، وتقديم اقتراحات للسلطات العمومية في ما يتعلق بمشاركة الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي يهم الشباب والعمل الجمعوي.
وكان القانون رقم 89.15 المحدث للمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي صدر في الجريدة الرسمية منذ دجنبر 2018، غير أنه لم يتم تفعيله إلى حدود الساعة.








0 تعليق