الكساد العظيم 1929، عندما انهارت الإمبراطوريات المالية وركع الاقتصاد العالمي - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الكساد العظيم 1929، عندما انهارت الإمبراطوريات المالية وركع الاقتصاد العالمي - المدينة برس

لم يكن الكساد العظيم الذي اندلع عام 1929 مجرد أزمة مالية عابرة أو انهيار مفاجئ في أسواق المال، بل كان نقطة تحول فارقة في التاريخ الاقتصادي العالمي، غيرت مسار الاقتصادات، وأعادت صياغة مفاهيم الإدارة المالية والنقدية، وكشفت هشاشة الأنظمة الاقتصادية أمام المضاربات وضعف الرقابة.

فمن قلب بورصة نيويورك، انطلقت شرارة الأزمة لتتحول في غضون أشهر إلى موجة كساد عالمية اجتاحت القارات، وأغلقت المصانع، وأفلست البنوك، ودفعت ملايين الأشخاص إلى البطالة والفقر، تاركةً آثارًا اقتصادية واجتماعية وسياسية امتدت لسنوات طويلة.

الكساد العظيم المرجع الأهم لفهم طبيعة الانهيارات الاقتصادية 

وفي ظل ما شهده العالم من أزمات اقتصادية لاحقة، ما زال الكساد العظيم يعد المرجع الأهم لفهم طبيعة الانهيارات الاقتصادية وآليات التعامل معها، إذ شكل تجربة تاريخية دفعت الحكومات إلى إعادة النظر في دورها داخل الأسواق، وأرست أسس السياسات الاقتصادية الحديثة الهادفة إلى تحقيق الاستقرار المالي وحماية الاقتصادات من الانهيارات ويستعرض هذا التقرير مفهوم الكساد الاقتصادي.

 ويرصد جذور الكساد العظيم عام 1929، وأبرز أسبابه ونتائجه، والدول الأكثر تضررًا منه، وآليات التعافي التي أعادت الاقتصاد العالمي إلى مسار النمو، فضلًا عن أهم الدروس المستفادة التي لا تزال تمثل حجر الأساس في تجنب تكرار واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في التاريخ.

الكساد العظيم - موقع مولانا 
الكساد العظيم - موقع مولانا 

أخطر أزمة اقتصادية شهدها العالم في العصر الحديث

من جانبه يقول الدكتور نبيل فرج خبير الاستثمار وادارة المحافظ بسوق المال لــ “ موقع مولانا”:  الكساد العظيم الذي بدأ عام 1929 هو أخطر أزمة اقتصادية شهدها العالم في العصر الحديث، إذ لم يكن مجرد انهيار في سوق الأسهم الأمريكية، بل تحول إلى كارثة اقتصادية عالمية امتدت آثارها لسنوات، وأدت إلى انهيار آلاف الشركات والبنوك، وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، كما غير الكساد العظيم طريقة إدارة الحكومات للاقتصاد، ورسخ مفاهيم جديدة في السياسات المالية والنقدية ما زالت تطبق حتى اليوم لتجنب تكرار مثل هذه الأزمات.

وتابع قائلا: بدأت الأزمة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت خلال عشرينيات القرن الماضي تعيش فترة من الازدهار الاقتصادي عُرفت باسم "العشرينيات الصاخبة" شهدت تلك الفترة توسعًا كبيرًا في الإنتاج الصناعي، وارتفاعًا في أرباح الشركات، وانتشارًا واسعًا للاستثمار في سوق الأسهم.

واشار الى انه مع تزايد التفاؤل، اندفع ملايين المستثمرين إلى شراء الأسهم، بل إن الكثير منهم اقترض الأموال من البنوك لتمويل استثماراتهم، اعتقادًا بأن أسعار الأسهم ستواصل الارتفاع بلا حدود. إلا أن هذا الارتفاع لم يكن يعكس القيمة الحقيقية للشركات، بل كان نتيجة مضاربات مالية خلقت فقاعة اقتصادية ضخمة.

24 أكتوبر 1929.. "الخميس الأسود"

وأضاف فرج أنه في يوم 24 أكتوبر 1929، المعروف باسم "الخميس الأسود"، بدأت موجة بيع واسعة في بورصة نيويورك، قبل أن تبلغ ذروتها في 29 أكتوبر، أو ما عُرف بـ"الثلاثاء الأسود" انهارت أسعار الأسهم بصورة حادة، وخسر المستثمرون مليارات الدولارات خلال أيام قليلة، لتبدأ بذلك أكبر أزمة اقتصادية عرفها العالم في القرن العشرين.

وقال: لم يكن انهيار البورصة السبب الوحيد وراء الكساد، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل المتراكمة فقد أدى الإفراط في المضاربة بالأسهم إلى تضخم قيمتها بعيدًا عن الواقع الاقتصادي، كما ساهم التوسع الكبير في الإقراض دون ضمانات كافية في زيادة حجم المخاطر وفي الوقت نفسه، كانت المصانع تنتج كميات تفوق قدرة الأسواق على الاستهلاك مما أدى إلى تكدس البضائع وانخفاض الأسعار وتراجع الأرباح. ومع انخفاض الدخول، تراجعت القوة الشرائية للمستهلكين، فتعمقت الأزمة أكثر.

وتابع: كما لعب النظام المصرفي دورا رئيسيًا في تفاقم الأزمة، حيث انهارت مئات البنوك نتيجة تعثر المقترضين وسحب المودعين لأموالهم خوفًا من الإفلاس. وعندما فقدت البنوك السيولة، توقفت عن منح القروض للشركات والأفراد، فتراجع الاستثمار والإنتاج بشكل أكبر، وازدادت البطالة بصورة متسارعة.

الكساد العظيم - موقع مولانا 
الكساد العظيم - موقع مولانا 

انتقال الأزمة إلى أوروبا وبقية دول العالم

وفى ذات السياق قال الدكتور محمد حسين نصر الدين لـ “موقع مولانا”: انتقلت الأزمة بسرعة إلى أوروبا وبقية دول العالم بسبب الترابط المالي والتجاري فقد كانت الولايات المتحدة أكبر مقرض للعديد من الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى، وعندما أوقفت القروض وسحبت استثماراتها، دخلت اقتصادات عديدة في أزمات حادة كما انخفضت التجارة العالمية بصورة كبيرة نتيجة فرض الرسوم الجمركية والسياسات الحمائية، وهو ما أدى إلى تراجع الصادرات والإنتاج في معظم الدول الصناعية.

ونوه الى أن الولايات المتحدة أكثر الدول تضررا، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، وارتفعت البطالة إلى نحو 25% من قوة العمل، وأغلقت آلاف المصانع أبوابها بينما فقد ملايين المواطنين مدخراتهم بعد انهيار البنوك كما تأثرت ألمانيا بشدة بسبب اعتمادها على القروض الأمريكية، وارتفعت فيها البطالة بصورة قياسية، وهو ما ساهم في اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة، وكذلك عانت بريطانيا وفرنسا وكندا واليابان وأستراليا ودول أمريكا اللاتينية من انخفاض الإنتاج والصادرات وارتفاع معدلات البطالة، وإن اختلفت درجة التأثر من دولة إلى أخرى.

امتداد الأزمة إلى المجتمع والسياسة

وتابع قائلا: لم تقتصر آثار الكساد العظيم على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتدت إلى المجتمع والسياسة فقد ارتفعت معدلات الفقر والتشرد، واضطر ملايين العمال إلى البحث عن أي فرصة عمل مهما كان أجرها منخفضًا، بينما هاجرت أعداد كبيرة من الأسر من المناطق الزراعية بعد تعرضها للجفاف وانهيار أسعار المحاصيل، كما ساهمت الأزمة في تصاعد التوترات السياسية في عدد من الدول، وأثرت في مسار العلاقات الدولية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، ومع تفاقم الأزمة أدركت الحكومات أن الأسواق لا تستطيع دائمًا تصحيح نفسها دون تدخل الدولة.

 ولفت الى أنه في الولايات المتحدة، وصل الرئيس فرانكلين روزفلت إلى الحكم عام 1933، وأطلق برنامجا اقتصاديا واسعا عرف باسم "الصفقة الجديدة" أو New Deal، والذي تضمن تنفيذ مشروعات قومية ضخمة لتوفير فرص العمل، وإصلاح النظام المصرفي، وإنشاء برامج للضمان الاجتماعي، ودعم القطاع الزراعي والصناعي، وتشديد الرقابة على أسواق المال وأسهمت هذه الإجراءات في استعادة جزء من الثقة داخل الاقتصاد الأمريكي وتقليل معدلات البطالة تدريجيًا.

 زيادة السيولة داخل الأسواق

واضاف نصر الدين ان السياسات النقدية الجديدة ساعدت على زيادة السيولة داخل الأسواق، وجرى إصلاح العديد من القوانين المنظمة للقطاع المالي لمنع تكرار المضاربات غير المنضبطة، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، ارتفع الطلب على الإنتاج الصناعي والعسكري بشكل كبير، ما أدى إلى تشغيل المصانع وخلق ملايين فرص العمل، وهو ما ساهم في إنهاء الكساد بصورة نهائية.

وبين أنه قد ترك الكساد العظيم العديد من الدروس المهمة التي أصبحت أساسًا لإدارة الاقتصادات الحديثة أول هذه الدروس أهمية الرقابة على الأسواق المالية لمنع تكوين فقاعات استثمارية تهدد الاستقرار الاقتصادي كما أثبتت الأزمة ضرورة وجود بنوك مركزية قوية قادرة على التدخل عند الأزمات وضخ السيولة في الأسواق، كذلك أكدت أهمية تنويع مصادر الدخل والإنتاج وعدم الاعتماد على قطاع اقتصادي واحد، إضافة إلى ضرورة وجود شبكات حماية اجتماعية لحماية المواطنين من آثار الأزمات الاقتصادية.

أبرز الدروس المستفادة 

يمكن القول إن من أبرز الدروس أن التدخل الحكومي في أوقات الأزمات قد يكون ضرورة للحفاظ على النشاط الاقتصادي، من خلال دعم الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحفيز الإنفاق، بدلًا من ترك الأسواق تواجه الأزمة بمفردها كما أثبتت التجربة أن التعاون الدولي والتنسيق بين الدول أكثر فاعلية من السياسات الحمائية التي تؤدي إلى تراجع التجارة العالمية وتعميق الأزمات.

وبعد مرور ما يقرب من قرن على الكساد العظيم، لا تزال هذه الأزمة تدرس في الجامعات ومراكز الأبحاث بوصفها نقطة تحول في الفكر الاقتصادي الحديث.

 وقد استفادت الحكومات والبنوك المركزية من دروسها عند التعامل مع أزمات لاحقة، مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا، حيث سارعت إلى تقديم حزم تحفيز اقتصادي وضخ السيولة ودعم القطاعات المتضررة لتجنب تكرار السيناريو الذي شهده العالم عام 1929.

يبقى الكساد العظيم مثالا واضحا على أن الاقتصادات، مهما بلغت قوتها، قد تتعرض لأزمات عميقة إذا غابت الرقابة، وانتشرت المضاربات، وضعفت السياسات الاقتصادية الرشيدة، كما يؤكد أن الإدارة الحكيمة للأزمات، والتخطيط طويل الأجل، والتعاون بين الحكومات والمؤسسات المالية، تمثل الركائز الأساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وضمان استدامة النمو.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق