عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سرحان يروي "حكاية القلم والقدم" في ملاعب الكرة بين الشغف والخذلان - بوابة المدينة برس
بين القلم والقدم وشائج خفيّة لا يدركها إلا من خبر سحر الكلمة وسحر اللعبة معا؛ فكلاهما يطارد المعنى بطريقته، هذا على الورق وذاك على العشب. وإذا كانت الأقدام تصنع لحظات المجد في المستطيل الأخضر، فإن الأقلام وحدها تمنح تلك اللحظات خلودها، فتجعل من الهدف حكاية، ومن المباراة ذاكرة لا يطويها الزمن.
في هذا التماسّ العجيب بين الأدب وكرة القدم، يقودنا الشاعر سعد سرحان في رحلة تتقاطع فيها أسماء الكبار من الروائيين والشعراء مع نجوم المستديرة، لنكتشف أن الشغف باللعبة لم يكن يوما بعيدا عن أهل الكتابة، وأن بين دفاتر الأدب ومدرجات الملاعب نسبا قديما من العشق والخصام.
(القلم والقدم)
على الصفحات الخضراء للملاعب، وبحبرٍ من هواء، تدوّن الأقدام لحظاتٍ بديعةً تثير إعجاب الأقلام أو حفيظتها، فتنبري لها بمداد الإشادة أو مداد الحسد. ولأنّ ثنائية القلم والقدم ليست من الجناس التّامّْ، فلا بأس أحيانًا من نقص في الوئامْ.
حَمَلَة الأقلام ممّن يعرف العالم والناس، لم يكونوا كذلك منذ نعومة أقدامهم، فهم أيضًا كانوا صِبيةً بهواياتٍ ومواهبْ، وأترابٍ وملاعبْ، وليست الكرة ممّا يغيب عن هذا الجانبْ. لذلك، فالعديد من الكتّاب، ومن مختلف المشاربْ، يتعاطون مع اللّعبة شغفًا حدّ التأليف، أو نفورًا حدّ التّأليب.
فإذا كانت البرازيل قد أنجبت لكرة القدم ملكها بيليه، فإنّها أنجبت قبله الروائي العظيم جورجي أمادو، الذي كرّس أعماله لخشاش المجتمع، حيث كرة القدم هوية أكثر منها لعبة. لقد أسدى أمادو من كرة القدم إلى نسيجه الأدبي كما لم ولن يفعل غيره، حتّى ارتبط اسمه بها مرّة وإلى الأبد، إذ من سواه يحمل لقب “بيليه الرواية”؟
وإذا كانت الأرجنتين، الغريم التقليدي للبرازيل، قد أنجبت للّعبة أعجوبتها، فقد أنجبت قبلها لمملكة الأدب واحدة من ألمع درر التاج: بورخيس. صحيح أنّ العمى دبّ تدريجيًّا إلى بصره حتى أتى عليه كاملًا، فلم يشاهد منها ما شاهدنا، لكنّه كان يتمتّع ببصيرة أين منها الأبصارْ. فلماذا كان كاتبنا العظيم يكره كرة القدم لدرجة الاحتقارْ؟ ولماذا وضع نفسه في مواجهتها مباشرة حين برمج محاضراته سنة 78 في نفس توقيت مباريات بلاده في كأس العالم؟ لا بدّ أنّ للرجل مبرّراته. لكنّ اللّعبة التي أصرّ أن يفسد عليها حياتها بمواقفه منها ولم ينجح، إذ فازت الأرجنتين بذلك المونديال ضدًّا في مُماحكاته ونكاية فيه وفي محاضراته، هي نفسها التي نجحت في أن تفسد عليه موته. فحين رحل سنة 86 في جنيڤ، كانت الأرجنتين تحتفل بانتصاراتها المتتالية في الطريق إلى لقبها الثاني، فلم يكن لديها متّسع للحزن عليه… فهو ليس “مارادونا الرواية”.
أمّا ثالثة الأثافي التي تتأجج بينها نار اللّعبة فهي الأروغواي، البلد الذي نظّم أوّل دورة لكأس العالم وفاز بها في الذكرى المائوية لاستقلاله. صحيح أنّه أنجب مواهب أقل من جاريْه اللّدودين، لكنّ شغفه بكرة القدم لا يقلّ حرارة. ويكفيه شغفًا، أقصد شرفًا، أن أهدى للعالم كاتبًا استثنائيًّا هو إدواردو غاليانو. فغاليانو الذي ألّف عشرات الكتب مضيئًا فيها ذاكرة أمريكا اللّاتينية ومُشرّحًا شرايينها، هو نفسه الذي كان مهووسًا باللّعبة لدرجة أنّه كان يعلّق على باب بيته عبارة “مغلق لأجل كرة القدم”، حتى يتسنّى له أن يتفرّج من دون إزعاج، وهي العبارة التي جعلها لاحقًا عنوانًا لأحد كتبه، مثلما هو معدّ ومقدّم كتاب “جلالة كرة القدم” الذي هو عبارة عن مختارات لكبار الكتاب حول اللعبة. على أنّ كتابه الأشهر هو “كرة القدم في الشمس والظل”، الكتاب الذي لوْ لم يكن غاليانو قد ألّفه، لكان على جلالة كرة القدم شخصيًّا أن تتعاقد مع من يكتبه عنها… وقطعًا، لن يستطيع إلى ذلك سبيلا.
للإشارة، فغاليانو كان لاعبَ كرة قدم كبيرًا، في أحلامه طبعًا، ومثله كاتب هذه السطور الذي لم يسبق له أن سجّل أهدافًا تذكر، لا في كرة القدم ولا في غيرها، بسبب سوء تموقُعِه في ملاعب الحياة.
والآن، إلى كولومبيا.
ولا تظنّنّ بي الظنون أيّها القارئ الكريم، فوجهتي ليست مدينة ميديلين، وإنّما قرية ماكوندو، وفي الطريق إليها لا بدّ من إلقاء التحيّة على الجبّار فالديراما كما على العقرب الضخم هيغيتا، قبل التّرحّم على العقيد أورليانو بوينديا… أمّا غابو، فهو مبلغ همّ الرحلة. فمن غيره، من غير الكولومبي الأعظم غابرييل غارسيا ماركيز نجح، بالأدب فحسب، في أن يضع بلده في مقدّمة الخرائط، وأيّ ساحر سواه أهدى الأرض قرية من خياله ستصير واقعيّة بعد رحيله؟
لقد لعب ماركيز، أيضًا، كرة القدم في شبابه، وحتى حين توقّف عن الممارسة إثر إصابة موجعة، لم يتوقّف عن المتابعة والشغف، بل إنّه راهن مرة أحد أصدقائه على فوز كولومبيا بالمونديال، فخسر بسبب ذلك “ميرسديس”، السيارة طبعًا، السيارة وليس الزوجة. ومن حسن حظّ البشرية أنْ حدث معه ما حدث، فحتّى لو كان قد لعب مئة سنة من كرة القدم لما حقّق شيئًا يذكر أمام “مئة عام من العزلة”. ويكفي الآن أنّ ما من لاعب في الدوري الكولومبي إلّا ويتقاضى راتبه بعملة تحمل صورة ماركيز، وأنّ منتخب البلاد سيرتدي مونديال هذا العام 2026 قمصانًا بفراشات صفراء مستوحاة من روايته الخالدة، كما يكفي أنّ الملاعب الكولومبية لن تنجب أبدًا “ماركيز كرة القدم”.
وبعيدًا عن أمريكا اللّاتينية، قبّعة السحر لكرة القدم كما للأدب، هنالك عشرات الكتّاب ممّن بهم مسٌّ من اللّعبة، فارتبطت أسماؤهم بها ممارسةً، شغفًا، أو تأليفًا حتّى. أذكر منهم ألبير كامو ومحمود درويش ونجيب محفوظ وجان كوكتو وخيري شلبي وباولو بازوليني ورشيد بوجدرة وإبراهيم أصلان ويفغيني يفتوشينكو وت.س.إليوت.
أمّا في المغرب، حيث نسبة الشغف بكرة القدم لا تضاهيها سوى نسبة الكريات الحمراء في الدم، فإنّ معظم الكتاب لم يعبّروا عن شغفهم ذاك بأعمال أدبية ملموسة.
فالشاعر الراحل أحمد صبري، أكثر الأسماء الأدبية ارتباطًا بكرة القدم، مدرّبًا ومدرّسًا وصحافيًّا وناقدًا ومسيّرًا… لم يترك للمكتبة المغربية مؤلّفًا في الموضوع. فلو كان قد فعل، لكان “أهدانا كرة ومات”.
والراحل عبد الكبير الخطيبي كان في شبابه لاعب كرة قدم موهوبًا، ولو كان قد استمرّ في الملاعب لكان نجمًا للدفاع الحسني الجديدي، وأقصى ما كان سيصل إليه هو أن يصبح سلفًا صالحًا لرضا الرياحي. أما وأنّه أشاح عن اللّعبة لفائدة البحث العلمي، فقد وصل إلى ما وصل إليه من إشعاع في حقل السوسيولوجيا. ولعلّ مقال رولان بارث “هذا ما أدين به للخطيبي” أن يؤكّد قامة الرجل وقيمته. فالمعادل الكروي لإشادة بارث بالخطيبي هو بالضبط إشادة بيليه بالعربي بنمبارك.
أمّا عبد الكريم جويطي، صاحب الرواية الرائعة “المغاربة”، فمعروف عنه هوسه بكرة القدم وانشغاله بها حدّ تقلّد مسؤولية التسيير في نادي رجاء بني ملال. وقد نشر عن اللّعبة سلسلة من الأوراق البديعة، نتمنّى أن تنتهي إلى كتاب.
قليلون هم من يعرفون أنّ الوداد البيضاوي سمّي بهذا الاسم تيمّنًا بفيلم “وداد” لأم كلثوم، وأقلّ منهم بكثير من يعرفون أنّ لكوكب الشرق أختًا لا يطرب المراكشيين غيرُها، أختًا غير معروفة بكوكب الغرب، لأنّها تسعى دائمًا باسمها الحركي، الكوكب المراكشي. قلت “دائمًا” لأنّها جزء لا يتجزّأ من الاسم، ديما كوكب. ففي مراكش، الدّوام لله وللكوكب.
على ما أنجب الفريق من مواهب وما أنجبت المدينة من كتّاب، فما حظي به الكوكب حتى الآن من توثيق وتأليف جاء من طرف صحافيين هما عادل بالقاضي وسلام بلخير من خلال كتابيْ:
“الكوكب المراكشي، 76 سنة من الأمجاد” و”نادي الكوكب المراكشي الرياضي، تاريخ ومسار”، وهما الكتابان اللّذان أقترح أن يُعرضا بأعداد كافية في المتجر الرسمي للفريق.
مولودية مراكش، الفريق الثاني للمدينة، كان يضمّ بين صفوفه مدافعًا يلقّب بعزيز جحا، وهو ليس سوى عبد العزيز آيت بنصالح، الروائي المعروف، والذي، من موقعه كدارس للتاريخ ألّف كتابًا بعنوان “كرة القدم وحركة المقاومة، مولودية مراكش وأخلاق الوطنية”. ولعلّ من مقالب جحا أن يكون فريق المولودية يلعب الآن في الدرجة الرابعة، فيما هو يكتب ضمن صفوف النخبة.
لا تكتمل زيارة مراكش دون تحية أديبها المدهش، ياسين عدنان، فقد كتب عنها وأعلى من شأنها أدبيًّا كما لم يفعل أحد سواه. مبدع “هوت ماروك” يدرك تمام الإدراك أنّ حرارة البلد ترتفع بحلول كرة القدم. لذلك، غالبًا ما يكون حاضرًا في مناسباتها، كما دأبه مع غيرها، حضورَ المِحرار ساعة الحمّى، فيدوّن ما يدوّن من درجاتها ليقف منها عند حدود العَرَض من المرض. مشاهدو برامجه التلفزيونية الناجحة لا يعرف معظمهم أنّ لصاحب الوجه الإعلامي الجادّ قلبًا طاعنًا في اللّعب، فياسين عدنان شغوف بكرة القدم حتى النخاع: فُرْجَةً متى وحيثما أتيحت، وقراءةً إذ إنّي مدين لمكتبته العامرة بأكثر من كتاب عن اللّعبة، وكتابةً إذ نشر، في مناسبات متفرّقة، تدويناتٍ بديعةً عنها، نتمنّى عليه فقط أن يصدرها في كتاب. فكم ستكون “تدوينات العابر” سعيدة بأختها الصغرى وهي تشاكسها من على أحد رفوف المكتبة، أختها التي تحمل اسم “تدوينات المتفرّج”.








0 تعليق