خطاب الملك والاستقرار الشامل - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم خطاب الملك والاستقرار الشامل - بوابة المدينة برس

جاء الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش غنيا بالدلالات السياسية والاستراتيجية، ومحملا برسائل تتجاوز الحصيلة الظرفية إلى تقديم رؤية متكاملة لمسار الدولة المغربية.

لم يكتف الخطاب باستعراض منجزات اقتصادية واجتماعية كما دأب على ذلك، بل أعاد تأطيرها ضمن مشروع استراتيجي ممتد، يقوم على التراكم، واستمرارية الاختيارات الكبرى، وتحصين المكتسبات، واستشراف المستقبل. وقد لخص جلالة الملك هذه الفكرة المحورية بقوله إن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

ومن خلال قراءة متأنية للخطاب الملكي، يتبين أن مفهوم الاستقرار الشامل يشكل الخيط الناظم لمختلف مضامينه، باعتباره الأساس الذي تقوم عليه التنمية والسيادة وصعود المغرب كقوة إقليمية ذات رؤية واضحة.

وانطلاقا من هذا الفهم، يمكن الوقوف عند سبعة مفاتيح أساسية تساعد على استيعاب مفهوم الاستقرار الشامل كما صاغه الخطاب الملكي، وتبرز كيف تحول هذا المفهوم إلى الإطار الناظم لمختلف الأوراش والإصلاحات الكبرى التي تعرفها المملكة:

أولا، توقف الخطاب عند إحدى أكثر عباراته دلالة عندما وصف الاستقرار بأنه “عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن” في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد والحساسية “مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات”. ولا يقتصر هذا الوصف على إبراز واقع يعيشه المغرب، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن الاستقرار أصبح اليوم موردا استراتيجيا نادراً في عالم تتزايد فيه الأزمات، وأن ما تنعم به المملكة هو ثمرة رؤية بعيدة المدى، تقوم على المبادرة، والاستباق، واستمرارية الدولة، وليس نتيجة ظروف

ثانيا، لم يفصل الخطاب بين الاستقرار السياسي والاستقرار المؤسساتي، بل اعتبرهما وجهين لعملة واحدة. فقد أكد أن المغرب “دولة أمة” تضطلع فيها المؤسسات بأدوارها في إطار من الانسجام والتكامل، بما يضمن نجاعة الدولة واستمرارية أدائها. ويبرز هذا المعطى في قدرة المؤسسات على تدبير الأزمات، بما يعكس صلابة النموذج المؤسساتي الوطني.

ثالثا، من أبرز رسائل الخطاب أنه لم يعد ينظر إلى الاستقرار باعتباره مجرد هدف سياسي، بل أصبح رأسمالا استراتيجيا ومحركا للتنمية. فالنتائج الاقتصادية التي حققتها المملكة، من تسجيل معدلات نمو مرتفعة، وتعزيز مكانتها كأول مصدر للسيارات في إفريقيا، والتقدم في صناعات الطيران والبطاريات الكهربائية، وإطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر، كلها قدمت باعتبارها ثمرة مباشرة لبيئة مستقرة وقادرة على استقطاب الاستثمار، وحسن تدبير التحولات العالمية.

رابعا، يربط الخطاب بين الاستقرار واستمرار الورش الاجتماعي، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، ومواصلة برامج التنمية البشرية، والتنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة. فاستقرار الدولة لا يكتمل إلا باستقرار المجتمع، ولا يتحقق إلا عندما يشعر المواطن، أينما كان، بأنه شريك في ثمار التنمية، وهو ما يجعل العدالة الاجتماعية والمجالية ضمانة أساسية لاستدامة الاستقرار.

خامسا، وسع الخطاب مفهوم الأمن ليشمل الأبعاد الدفاعية والتكنولوجية، من خلال التأكيد على بناء قاعدة صناعية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني. ويعكس هذا التوجه إدراكا للتحولات التي يشهدها العالم، إذ أصبحت السيادة تقاس أيضا بامتلاك القدرات الصناعية والتكنولوجية الكفيلة بحماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للمملكة.

سادسا، لعل الرسالة السياسية الأبرز في الخطاب هي تأكيد جلالة الملك أن المكاسب الوطنية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، بما يعني أن المشاريع الكبرى للدولة لا ترتبط بتعاقب الحكومات، وإنما تستند إلى رؤية استراتيجية مستمرة، تشكل المؤسسة الملكية كفاعل استراتيجي في القرار السياسي إطارها الضامن، بينما تضطلع الحكومات بمهمة التنزيل والتسريع وتحقيق النجاعة في التنفيذ.

سابعا، لم يقف الخطاب الملكي عند حدود الاستقرار الداخلي، بل وسع دائرته ليشمل الاستقرار في علاقات المغرب الخارجية، باعتباره أحد أهم مقومات صعود المملكة على الساحة الدولية. فقد أكد أن المغرب تمكن، بفضل تراكم اختياراته الاستراتيجية، من ترسيخ مكانته كـ”فاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع”، وهي عبارة تختزل التحول الذي عرفته الدبلوماسية بقيادة جلالة الملك خلال السنوات الأخيرة، من دبلوماسية تفاعلية تكتفي بتدبير الملفات، إلى دبلوماسية مبادرة تطرح الرؤى وتقود المبادرات وتبني الشراكات.

ويعكس تأكيد الخطاب على أن المغرب أصبح “شريكا مطلوبا” في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، قدرة المملكة على بناء علاقات دولية قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، بعيدا عن منطق التبعية أو الاصطفاف. كما أن اختيار تنويع الشراكات يعكس رؤية استراتيجية تجعل من الانفتاح على مختلف القوى الدولية وسيلة لتعزيز السيادة الوطنية، وتوسيع فرص الاستثمار، ودعم المكانة الجيوسياسية للمغرب.

وفي هذا السياق، لا يظهر الاستقرار الدبلوماسي باعتباره نتيجة للاستقرار الداخلي فحسب، بل يصبح عاملا من عوامل تعزيزه أيضا، إذ يفتح آفاقا أوسع للاستثمار، ويعزز الثقة الدولية في الاقتصاد، ويدعم قدرة البلاد على الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية وقضاياه الوطنية.

وهكذا تتكامل أبعاد الاستقرار السياسي والمؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي والدفاعي والدبلوماسي، لتشكل جميعها منظومة واحدة تجعل من المغرب كدولة صاعدة، تمتلك رؤية واضحة، وتتحرك بثقة في محيط إقليمي ودولي شديد التحول.

إن الرسالة المركزية لخطاب العرش لسنة 2026 هي الانتقال من منطق “الحفاظ على الاستقرار” إلى منطق “استثمار الاستقرار”، أي تحويله إلى رأسمال استراتيجي لإنتاج التنمية، وتعزيز السيادة، وتوسيع النفوذ الدبلوماسي، وترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة ذات رؤية بعيدة المدى.

لقد قدم خطاب العرش رؤية استراتيجية متماسكة تؤكد أن ما حققه المغرب لم يكن نتيجة قرارات ظرفية أو حصيلة ولاية حكومية، بل ثمرة تراكمات متواصلة واختيارات كبرى ثابتة، جعلت من الاستقرار والسيادة والتنمية مرتكزات لمشروع وطني طويل النفس. لكن الظاهر ان نجاح هذه الرؤية يطرح سؤالا جوهريا: هل تتوفر المملكة على نخب سياسية وإدارية واقتصادية تمتلك الحس الوطني والكفاءة الاستراتيجية القادرين على استيعاب هذا المشروع ومواكبة وتيرة تحوله؟ فالرؤية مهما بلغت قوتها تحتاج إلى نخب مؤمنة بها، قادرة على تحويلها إلى سياسات عمومية ناجعة، وإلى مشاريع تلامس انتظارات المواطنين.

إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد في إنتاج الرؤية، وإنما في جودة النخب التي تتولى تنزيلها. فالمغرب في حاجة إلى نخب تجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وتؤمن بأن المسؤولية تكليف لخدمة الوطن وليست مجالا لتحقيق المصالح الخاصة أو البحث عن الامتيازات. فكلما ارتفعت كفاءة النخب وترسخت قيم النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تسارعت وتيرة الإصلاح وتعززت المكتسبات. أما إذا غلبت الحسابات الضيقة وسوء التدبير واستغلال مواقع المسؤولية، فإن ذلك يهدد بإضعاف أثر الأوراش الاستراتيجية مهما كانت قوة الرؤية التي تقودها الدولة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق