عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم هجرة سبتة ومليلية المحتلتين تعرّيان تناقضات إسبانيا وتعيدان ملف الاحتلال إلى الواجهة
هبة بريس – عبد اللطيف بركة
أعادت موجات الهجرة الجماعية لآلاف المغاربة نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ملف السيادة على الثغرين إلى صدارة النقاش السياسي الدولي، في سياق إقليمي ودولي متوتر تتقاطع فيه رهانات الهجرة والأمن والشرعية التاريخية.
فالأحداث الأخيرة لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى ورقة ضغط سياسية كشفت هشاشة الموقف الإسباني وازدواجية خطابه في قضايا السيادة وحقوق الإنسان.
في خضم هذه التطورات، برزت مواقف لعدد من المسؤولين الدوليين، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر تدوينات وتصريحات غير رسمية، ذكرت الحكومة الإسبانية بأن المدينتين لا تزالان، من منظور القانون الدولي والتاريخ، أراض مغربية خاضعة للاحتلال, هذه الإشارات، وإن لم تصدر في إطار مواقف دبلوماسية رسمية، تعكس تحولا في الخطاب الدولي الذي بدأ يربط بين مواقف مدريد الخارجية، خاصة تجاه قضايا الشرق الأوسط، ووضعها القانوني في شمال إفريقيا.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تواجه فيه حكومة بيدرو سانشيز ضغوطا متزايدة بسبب مواقفها من الحرب في غزة، حيث اعتبر بعض المراقبين أن إسبانيا لم تعد في موقع يسمح لها بتقديم “دروس أخلاقية” في قضايا الاحتلال، وهي التي تحتفظ بمدينتين خارج مجالها الجغرافي الطبيعي.
هذا التناقض أعاد إلى الواجهة خطابا قديما جديدا يربط بين ملف سبتة ومليلية وقضايا تصفية الاستعمار.
من جهة أخرى، لم يقتصر التفاعل على المستوى السياسي، بل امتد إلى داخل الاتحاد الأوروبي، حيث أثارت موجات الهجرة الأخيرة، التي قدر عددها بأكثر من 50 ألف مهاجر مغربي في فترة وجيزة، مخاوف عدة دول أوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، التي دعت إلى مراجعة اتفاقية “شنغن” في علاقتها بإسبانيا، هذا الموقف يعكس قلقا متناميا من تحول المدينتين إلى بوابة غير محكمة نحو الفضاء الأوروبي، في ظل عجز مدريد عن احتواء التدفقات البشرية المتزايدة.
وتكشف هذه التطورات عن معادلة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، فالهجرة، التي كانت تعالج سابقا كملف أمني أو إنساني، أصبحت اليوم أداة لإعادة طرح قضايا السيادة والحدود، خاصة في مناطق ذات وضع قانوني ملتبس، كما أن تصاعد هذه الظاهرة يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية السياسات الأوروبية في تدبير الهجرة، وحدود التضامن داخل الاتحاد.
في السياق ذاته، يرى محللون أن الرباط، وإن التزمت الصمت الرسمي، تراقب هذه التحولات باهتمام، في ظل إدراكها أن الضغط الديمغرافي والهجرة قد يتحولان إلى عناصر تأثير غير مباشرة في ملف سبتة ومليلية. كما أن تنامي النقاش الدولي حول “ازدواجية المعايير” قد يفتح المجال أمام إعادة طرح الملف في محافل دولية بشكل أكثر قوة.
إن ما يجري اليوم على حدود سبتة ومليلية يتجاوز كونه أزمة هجرة عابرة، ليشكل لحظة سياسية فارقة تعيد ترتيب الأولويات وتكشف تناقضات الخطاب الأوروبي، وتفتح في الآن ذاته نافذة جديدة للنقاش حول أحد أقدم ملفات الاستعمار في شمال أفريقيا .



0 تعليق