عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الملك محمد السادس يوضح الحدود بين العمل الاستراتيجي والزمن الحكومي - بوابة المدينة برس
قرأ أكاديميون العبارة التي جاءت في النطق الملكي خلال خطاب الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، والقائلة إن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، باعتبارها “تأكيدا على التمييز بين السياسة العامة الاستراتيجية للدولة، التي تحدد الاختيارات الكبرى والأهداف بعيدة المدى وتتميز بالاستمرارية عبر تعاقب ولايات الحكومات، وبين السياسات العمومية ذات الصبغة المرحلية التراكمية”.
واعتبر الأكاديميون الذين تحدثوا إلى هسبريس في هذا الموضوع أن “السياسات التي تنتمي إلى الزمن الحكومي والتشريعي تشكل أدوات تنفيذية وبرامج قطاعية تتولى الحكومات المتعاقبة صياغتها وتنزيلها وتكييفها وفق أولوياتها وإكراهات المرحلة، بما يجعلها قابلة للمراجعة والتقويم والتغيير دون المساس بالإطار الاستراتيجي الناظم لمسار الدولة”.
وأفاد الملك محمد السادس، في الخطاب الذي ألقاه مساء أمس الأربعاء، بأن هذه المكاسب “هي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية؛ وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”، معلنا تطلعه، “بعد الانتخابات التشريعية المقبلة وانبثاق حكومة جديدة، إلى إطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.
“صعوبة الفصل”
قال عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، إن حديث الملك عن أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، باعتبارها ثمرة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية بفضل التوجه الاستراتيجي وصواب الاختيارات الكبرى للبلاد، يمكن قراءته من شقين: دستوري وسياسي.
وأوضح اليونسي، في تصريح لهسبريس، أنه من الناحية الدستورية ينص الفصل 49 صراحة على أن المجلس الوزاري يتداول في التوجهات الاستراتيجية للدولة، مشيرا إلى أن مصطلح “التداول” يفيد إمكانية بناء تصور جماعي بين مكونات هذا المجلس، أي المؤسسة الملكية ورئيس الحكومة والوزراء. وبذلك، فإن منطوق هذا الفصل يقطع مع أي تصور يفيد الاستئثار بوضع هذه التوجهات، باعتبارها نتاجا لعمل جماعي. كما أن الفصل 42 يؤكد صفة الملك كرئيس للدولة، بما يرتبط بها من صلاحيات تضمن دوام الدولة واستمرارها.
وأضاف الأستاذ الجامعي المتخصص في العلوم السياسية والقانون الدستوري أن الحكومات، من الناحية السياسية، تتعاقب كل خمس سنوات؛ غير أن جزءا مهما من برامجها الحكومية يرتبط بتنزيل السياسات العامة ذات البعد الاستراتيجي.
وفي هذا الصدد، أبرز المتحدث عينه أن الدولة الحديثة أرست آليات تميز بين المُنتخَب وبين جهاز الدولة الذي يضمن الاستمرارية ويحافظ على المصالح العليا للدولة؛ وهو ما يجعل تنفيذ التوجهات الكبرى ممتدا عبر ولايات حكومية متعاقبة.
وفي ما يتعلق بإشكالية المسؤولية، أكد الأكاديمي أن “القانون لا يميز بين المُنتخَب والمُعيَّن، لافتا إلى أن عددا من المسؤولين بالمؤسسات العمومية، الذين يعينهم الملك مباشرة ويتولون تنزيل استراتيجيات كبرى للدولة، سبق أن جرى إعفاؤهم ومتابعتهم قضائيا”.
وخلص اليونسي إلى أنه “لا يمكن تقديم أجوبة حدية للفصل بين ما هو استراتيجي وبين ما هو مرحلي؛ لأن هناك زمنا تدبيريا تتقاسم فيه المسؤولية كلٌّ من الجهات المعينة والمنتخبة، بحسب الثقافة المؤسساتية ومدى حضور حُكم القانون وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
“تكريس للاستقرار”
من جهته، قال حمزة جمومي، الباحث في العلوم الإدارية والمالية، إن تأكيد قول الملك يبرز أن “ما تحقق من منجزات هو ثمرة رؤية استراتيجية ممتدة تتجاوز الزمن الانتدابي، وتقوم على مبدأ التراكم والاستمرارية في تنفيذ الأوراش الكبرى”.
واعتبر جمومي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “التوجه الاستراتيجي يقوم على التقييم من أجل التقويم، ويظل هذا المنهج من بين المرتكزات الأساسية لضمان فعالية السياسات العمومية، في وقت لم تنجح فيه العديد من الحكومات المتعاقبة في ترسيخ ثقافة التقييم والمراجعة بالشكل الكفيل بتحقيق النجاعة المطلوبة في تدبير الشأن العام”.
وأكد الباحث في العلوم الإدارية والمالية أن “مغرب اليوم يحتاج إلى ترسيخ التفاؤل الإيجابي بين مختلف مكونات المجتمع”، لافتا إلى أن “الأمن الداخلي والاستقرار السياسي يشكلان رصيدا استراتيجيا يميز المملكة مقارنة بعدد من الدول في محيطها الإقليمي، وأن الحفاظ على هذا الاستقرار يظل شرطا أساسيا لاستمرار التنمية وجذب الاستثمار”.
وأوضح المتحدث ذاته أن مفهوم الاستقرار لم يعد يقتصر على البعد الأمني؛ بل أصبح مفهوما شاملا يرتبط بالأمن الغذائي والطاقي والسيبراني، وبالقدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية والتحديات المستجدة عبر مخططات استراتيجية واستباقية، لافتا إلى أن تدبير مخاطر الفيضانات خلال السنوات الأخيرة يعكس أهمية التنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين الترابيين.
وأشار الباحث إلى أن الخطاب الملكي وجّه رسالة إلى السلط الثلاث من أجل مواصلة التعاون والتوازن في إطار فصل السلط، بما يعزز النجاعة والفعالية في تنزيل السياسات العمومية، معتبرا أن هذا التوجه يعكس استمرارية الرؤية الاستراتيجية التي تتجاوز في أفقها البرامج الحكومية المرتبطة بطبيعتها بالولاية الحكومية.
وخلص جمومي إلى أن “تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع الكبرى يمثلان توجها وطنيا يتجاوز الزمن الحكومي؛ وهو ما يقتضي من الحكومة المقبلة مواصلة هذه الأوراش وإدماجها ضمن أولويات برنامجها الحكومي”، مشيرا إلى أن “المغرب عرف ست حكومات منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش”؛ غير أن خطابات العرش ظلت ترسم، في نظره، “معالم رؤية استراتيجية بعيدة المدى، بما يجعلها مرجعا لتوجيه البرامج والسياسات العمومية ومواكبة متطلبات التنمية”.








0 تعليق