ضرائب التضامن غير المعروفة - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم ضرائب التضامن غير المعروفة - بوابة المدينة برس

ضرائب التضامن غير المعروفة في قانون 2026

قراءة في شفافية المنظومة الجبائية وحماية المال العام

ليست الضرائب مجرد أرقام تُسدَّد للخزينة، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، تقوم على مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة. غير أن ما نلمسه في القانون العام للضرائب لسنة 2026 يطرح إشكاليات حول مدى وضوح المنظومة الجبائية، ومدى فعالية آليات التواصل بين الإدارة والمكلفين، التي تعد ركيزة أساسية لأي نظام ضريبي عادل.

ففي قطاع النقل الجوي، تبقى الضريبة الجوية للتضامن والترويج السياحي نموذجاً للضرائب غير المعروفة لدى عامة المسافرين، حيث يتحملونها دون أن ينتبهوا إليها، إذ تدمج في ثمن التذكرة. وقد حدد المشرع هذه الضريبة في مائة درهم للدرجة الاقتصادية وأربعمائة درهم لدرجة الأعمال، مع إعفاء فئات محددة تشمل أفراد الطاقم والأطفال دون سن الثانية والمسافرين العابرين والرحلات الداخلية. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تظل هذه الضريبة خارج دائرة الوعي الجبائي للمواطنين؟ ولماذا لا يتم إدراجها كبند مستقل في تذاكر الطيران، أسوة بالعديد من الدول التي تفرض ضرائب مماثلة؟

أما المساهمة الاجتماعية للتضامن على التسليمات لنفسه في بناء السكن الشخصي، فإنها تثير إشكالية تتعلق بغياب آليات التواصل الكافية. فبينما تظل المساحات الأقل من ثلاثمائة متر مربع معفاة، تبدأ الضريبة من ستين درهماً للمتر المربع للمساحات المتوسطة، لتصل إلى مائة وخمسين درهماً للمتر للمساحات الكبيرة. وتطال هذه المساهمة الأشخاص الطبيعيين والشركات المدنية العقارية والتعاونيات السكنية والجمعيات السكنية على حد سواء. غير أن غياب آليات واضحة للتوعية بهذه الضريبة، وعدم إدراجها ضمن حسابات التكلفة الإجمالية للبناء، قد يجعل المواطن يكتشفها بعد فوات الأوان، مما يستدعي تعزيز آليات التواصل والإعلام الجبائي.

كما فرض المشرع مساهمة اجتماعية للتضامن على أرباح مقاولات ألعاب الحظ بنسبة اثنين في المائة من صافي الربح الخاضع للضريبة، وهي ضريبة تستهدف الكازينوهات ووكالات المراهنات.

وفي سوق العقارات، يثير حق التسجيل الإضافي بنسبة اثنين في المائة على عقود بيع العقارات التي تتجاوز ثلاثمائة ألف درهم، إشكالية أخرى، خاصة فيما يتعلق بتباين المعاملة حسب وسيلة الدفع. فبينما يُعفى الجزء المدفوع عبر القروض البنكية من هذا الحق، يطبق على الجزء المدفوع نقداً. ويبدو أن هذا الإجراء يهدف إلى تشجيع الشفافية والمعاملات البنكية، غير أنه يطرح تساؤلات حول مدى وضوحه بالنسبة للمواطنين غير المختصين.

أما على صعيد الشركات العقارية، فقد تم تخفيض نسبة حق التسجيل على أسهم الشركات العقارية الشفافة وذات الهيمنة العقارية من ستة في المائة إلى خمسة في المائة، كما تم تحديد نسبة 0.1 في المائة لحقوق التسجيل الخاصة بصفقات الصفقات العمومية.

وفيما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، فقد صاحبت الإعفاءات الجديدة تدابير موسعة للاقتطاع من المنبع، حيث سيتم تطبيق هذا الإجراء تدريجياً على المقاولات حسب رقم معاملاتها، ابتداء من يوليوز 2026 للمقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها خمسمائة مليون درهم، ثم مائتين مليون درهم اعتباراً من يناير 2028. وتصل نسبة الاقتطاع إلى خمسة وسبعين في المائة من مبلغ الضريبة إذا قدم المزود شهادة تثبت وضعه الجبائي المنتظم، وإلى مائة في المائة في حالة عدم تقديمها، مع استثناء قطاعات مثل الاتصالات والكهرباء والماء والتأمينات من هذا الإجراء.

كما تضمنت تدابير قانون المالية 2026 تخفيضاً تصاعدياً للاقتطاع من المنبع على أرباح الأسهم والمساهمات، حيث سيتراجع تدريجياً من 12.5 في المائة سنة 2025 إلى 10 في المائة اعتباراً من سنة 2027.

إن ما يجمع هذه الضرائب جميعاً، هو أنها تظل بعيدة عن متناول غير المتخصصين، مما قد يجعل المواطن يكتشفها بعد فوات الأوان، ويُحمَّل أعباء إضافية لم يكن يتوقعها. وهذا قد يُضعف ثقافة المواطنة الضريبية، ويُعزز شعوراً بغياب التواصل الكافي.

إن حماية المال العام لا تقتصر على محاربة التهرب الضريبي والفساد، بل تتعداه إلى ترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة، وجعل المعلومة الجبائية في متناول الجميع. فالمعرفة بالالتزامات الضريبية ليست مجرد وسيلة لتجنب الغرامات، بل هي حق أساسي للمواطن، وركيزة لتكريس مبدأ المساواة في تحمل الأعباء الجبائية. ومن هذا المنطلق، فإن إدراج هذه الضرائب ضمن منهجيات التوعية المواطنية، وإلزام الإدارة بنشر المعلومات الجبائية بطريقة مبسطة وواضحة، يشكل خطوة ضرورية لتحقيق العدالة الضريبية، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

فالشفافية الجبائية ليست ترفاً، بل هي شرط أساسي لضمان عدالة المنظومة الضريبية، وحماية المال العام من أي هدر أو سوء استغلال. وهي أيضاً مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، تقوم على مبادئ الثقة والمساءلة والشفافية.

-باحث في قضايا حماية المال العام ومكافحة الفساد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق