البيداغوجيا .. الرهان المضمر - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم البيداغوجيا .. الرهان المضمر - بوابة المدينة برس

تأخذنا الفلسفة عامة إلى الغوص في ثلاث أسئلة كبرى، ومن ثم الى ثلاثة مداخل شغلت عقل الانسان وطورت تفكيره، هي مدخل الوجود، ومدخل القيم، ومدخل المعرفة. وكل مدخل تفرع إلى مباحث. أما فلسفة التربية فهي ذلك المبحث المركب الذي يستمد مقوماته من كل هذه المداخل، ويبحث في الأسس والخلفيات التي تقوم عليها التربية كمؤسسة اجتماعية. ومن ثم تقارب جملة أسئلة من قبيل: لماذا نربي؟ وما الانسان الذي نريد تكوينه، وما المعارف والقيم والمهارات التي يجب تعليمها؟ وما المقاربات البيداغوجية الأفضل والأكثر نفعا؟ وكيف يتحقق في المتعلم ذلك النماء المتوازن والمندمج لهذه المعارف والقيم والمهارات من حيث تعلمُها وتشغيلُها وتقييمُها ودعمُها؟ وكيف يتعلم هذا المتعلم التعلم ذاته، ويتحقق فيه، بما يجعله قادرا على تحقيق تعلمه الذاتي وتحقيق استمراريته مدى الحياة كآلية من آليات التطور على سلم النضج؟

التربية على هذا الأساس، وفي كل روافد الحضارة الانسانية، من العصر القديم إلى اليوم، كانت تنطلق من السؤال ذاته، وإن اختلف باختلاف الانسان الذي استهدف تحقيقه كل رافد من روافد هذه الحضارة الممتدة جذورها في الزمان والمكان، وما زال السؤال قائما بدوام حضور الإنسان في هذا الوجود.

التربية، كأداة مجتمعية شديدة الفعالية، انتقلت في مخاطبتها للكائن الإنساني عبر مراكزه الوجودية الثلاثة. فخاطبته ككائن روحاني بغاية توجيهه والتحكم في إرادته وتصرفاته وسلوكاته، بهدف استبطان خلاص الروح، وغرس الإيمان، والخوف من الله، واكتساب المعرفة المقدسة، وفق ما تقدمه النخب التي نصّبت نفسها وسيطة. وتجلى ذلك بشكل كبير في مرحلة القرون الوسطى. ثم خاطبته ككائن عقلاني بهدف تنوير عقله وتحريره من الخرافة والوصاية الدينية عن طريق الدعوة إلى تشغيل العقل، والانفتاح على المنطق، والتجربة، والفلسفة، والرياضيات، وغيرها وفق ما تقدمه مؤسسة الدولة ومؤسسة العلم ومؤسسة المواطنة في نسق متكامل. وتجلى ذلك مع مرحلة النهضة الأوربية المتأخرة، وبشكل أعمق مع مرحلة الأنوار. ثم خاطبته ككائن مادي جسدي عبر ثلاث مقومات: مقوم الصناعة والرأسمالية التي سعت إلى تحويل الإنسان إلى موارد بشرية، وجسد عامل ينتج داخل دورة لا تنتهي. ثم مقوم الاستهلاكية التي سعت إلى تحويله إلى كائن غريزي راغب، إمامه جسده، وغايته الدخول في دورة الارتواء التي لا حدود ولا أفق لها. ثم مقوم النزعة المادية حيث صار النجاح يقاس بالقدرات الإنتاجية والمادية، لا بالروح أو العقل النقدي. كل هذا وفق ما تقدمه سلطة المؤسسة الاقتصادية بمختلف روافدها، والتي تمكنت من احتواء باقي السلط بما في ذلك سلطة الدولة نفسها. ويتجلى ذلك في المرحلة الراهنة، مرحلة الخوارزميات و “الأنوار المظلمة” التي حولت العقل من أداة تحرير إلى أداة للسيطرة والاستغلال.

وهكذا تحولت التربية كفعل للتنشئة عن طريق نقل التراث وإعادة إنتاج وإدماج الذوات في البنى الاجتماعية، إلى فعل للتوجيه والتحكم عن طريق تغيير مركز الاهتمام وتسييجه داخل دائرة مغلقة مظلمة لا يشتغل فيها البعد الروحي ولا العقلي، وإنما فقط البعد المادي الجسدي الفاقد لطاقة الإرادة المنتجة للاختيار الحر، وجعلت الباقي يدور في فلكه.

في نفس السياق انتقلت التربية المدرسية المعاصرة، من سؤال التعميم والتوحيد في اللغة والثقافة وسرديات الهوية والاختيارات الوطنية في القيم، إلى سؤال تربية الإنسان المواطن باعتباره فردا حرا مستقلا ومسؤولا عن اختياراته تتحقق فيه المواطنة في درجة من درجات نمائها، المؤهل للارتقاء الفردي والمجتمعي والاندماج في المجتمع والتكيف مع خصوصياته، بذات مستقلة قادرة على مواجهة التحديات وكسب الرهانات، إلى سؤال تربيته باعتباره ذلك الفرد المنتج والمستهلك في ظل نظام اجتماعي يراد له أن يكون خاضعا لفلسفة السوق وحاجات الاقتصاد، ومن ثم تتحقق فيه المواطنة وفق نموذج جديد، ترسم معالمه فلسفة السوق، وفي أحسن الأحوال يصير هذا الكائن الإنساني مواطنا في خطاب مؤسسات الدولة وموردا بشريا نافعا ومنضبطا وفق ما يرسم له من أدوار ووظائف في خطاب مؤسسات الإنتاج، وزبونا في خطاب مؤسسات الخدامات بمختلف أنواعها. وهكذا استطاعت القوى المهيمنة فرض خطاب وسيط يجعل هذا الكائن الإنساني المنتمي إلى دائرة المواطنة موردا بشريا على وجه الاستعارة الرمزية، إلى جانب موارد أخرى لها دورها ووظيفتها، وبذلك تكون هذه الموارد المختلفة والمتنوعة، بشرية ومادية ورمزية، ذات قيمة استثمارية في تحقيق النمو والتنمية ومدخلها الأساس هو الاقتصاد وقوة الإنتاج. وبذلك يكون الفعل التربوي قد تم توجيهه، في ظل المراكز الثلاث للإنسان، للتحول من كتلة المركز الروحي فيه، إلى كثلة المركز العقلي في سياق تاريخي مختلف، لينتهي به الأمر إلى التمركز حول الكتلة المادية المرتبطة بالجسد ككتلة توجهها الغريزة والرغبة ذات النزعة الاستهلاكية غير محدودة القدر ولا الأفق، فصار الإنسان يسير في اتجاه لا إنسانيته.

بهذا التحليل ونحن نتقدم في النقاش نكون قد دخلنا دائرة علاقة الإنسان بالتنمية أو علاقة التنمية بالإنسان. وصار الجواب عن هذا السؤال يقوم على تناقض بين مشروعين أساسيين يختلفان في علاقة الإنسان بالتنمية، أهو وسيلتها، أم هو غايتها، ومن رحم هذا التناقض انبثق مشروع ثالث يرى أن العلاقة بين الإنسان والتنمية هي قائمة على التفاعلية التبادلية والحوارية الارتدادية بحيث تتطابق الغاية مع الوسيلة فيصير الإنسان غاية في ذاته، كما هو غاية التنمية ووسيلتها، إذ لا تنمية خارج منظومة الحق في التنمية، ولا يتحقق الحق في التنمية إلا عندما تتظافر مختلف الحقوق، بمختلف اجيالها، وتتكامل من أجل مواطنة أساسها الحرية والكرامة والمشاركة والمساواة والإنصاف والعدالة.

تقوم التنمية التي أساسها المواطنة الفاعلة على عدة دعامات، على رأسها دعامة التربية المدرسية من خلال النموذج البيداغوجي الذي يتم اعتماده لاشتغال المدرسة، وتعتبر المقاربات البيداغوجية مكونا من مكونات هذا النموذج البيداغوجي، لأنها تشتغل على العلاقة البيداغوجية كما تشتغل على الفعل البيداغوجي من حيث هو فعل للتعليم والتعلم، وفعل لقيادة كل منهما. ومن ثم فالعلاقة بين التنمية والمقاربة البيداغوجية علاقة جوهرية، لأنهما معا يلتقيان في رؤية نموذج الإنسان/ المواطن المستهدف من التنمية كما المستهدف من التربية المدرسية.

تعتبر المقاربات البيداغوجية مكونا من مكونات النموذج البيداغوجي الذي يُعَدُّ، حسب ما أقرته الرافعة الثانية عشر من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، “جوهر عمل المدرسة بمختلف مكوناتها، وأساس اضطلاعها بوظائفها في التنشئة الاجتماعية والتربية، في التعليم والتعلم، في التثقيف والتكوين والبحث والتأهيل”.

ويتشكل النموذج البيداغوجي ” من غايات المدرسة ووظائفها، ومن المناهج والبرامج والتكوينات، ومن المقاربات البيداغوجية والوسائط التعليمية، ومن الإيقاعات الزمنية للدراسة والتعلم، ومن التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي، ومن نظام الامتحانات والتقييم”. وبهذا تكون الرؤية الاستراتيجية قد أقرت بأن المقاربات البيداغوجية مكون من مكونات النموذج البيداغوجي، وليس مجرد آلية لتصريف المناهج والبرامج والتكوينات، أو تفصيل جزئي من تفاصيلها. وهو تمييز دقيق يقف في وجه كل اختزال يقلل من أهمية هذا المكون. ومن ثم فإن استهداف مكون المقاربات البيداغوجية بالإصلاح دون رؤية نسقية لمختلف مكونات النموذج البيداغوجي، ومن دون إطارات مرجعية ناظمة وموجهة يجعل فعل الإصلاح في حد ذاته اختزالا معيبا، تحركه رؤية قاصرة، تقوده وفق رهانات تنموية هي ذاتها غير نسقية وغير منتجة للعدالة بمفهومها العام بما في ذلك العدالة المدرسية.

تتحقق التربية المدرسية عبر المقاربات البيداغوجية التي تنقل هذه التربية من منظورها الفلسفي المجرد إلى ممارسات ممكنة موجهة للفعل البيداغوجي. لذلك فمهم جدا أن نميز بين ثلاثة أنواع من المقاربات البيداغوجيات التي تتنافس على توجيه التفكير البيداغوجي المدرسي وفاعليته وممارساته، هي: بيداغوجيا التعليم، وبيداغوجيا التعلم، ثم بيداغوجيا الفعل. على أساس أن ماهية وغاية الفعل البيداغوجي هو أنه فعل قيادة ومواكبة عن طريق اشتغال وتشغيل وسائط مختلفة تيسره وتواكبه وتسعى إلى تأمين حدوثه وتحققه، وعن طريق اعتماد عمليات تحكمها نماذج بيداغوجية تتلاءم وطبيعة موضوع التعلم من جهة، كما تتلاءم وخصائص المتعلم وخصوصياته من جهة ثانية، تستبطن في ذاتها، من حيث هي رؤية وتوجيه وفعل، نموذجا لإنسان ممكن، بخصوصية معينة، في أبعاد الاختيارات القيمية، ونموذج المواطنة، ونوعية الفاعلية الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن المقاربات البيداغوجية كإطار ناظم للفعل البيداغوجي لا تتحقق إلا من خلال نماذج بيداغوجية. وهي إطارات منهجية لتصريف هذه المقاربات. ومن ثم فالمقاربة البيداغوجية أوسع وأعم من النموذج البيداغوجي. ومن داخل كل مقاربة بيداغوجية يمكن أن يشتغل أكثر من نموذج بيداغوجي. وعليه فإن فلسفة التربية يتم تصريفها من خلال إطار مرجعي ناظم هو المقاربة البيداغوجية. والمقاربة البيداغوجية يتم تصريفها من خلال إطار منهجي قد يتم اختزاله أو تنميطه في نموذج بيداغوجي واحد، أو قد يتم تنويع النماذج البيداغوجية بحسب ما تقتضيه الحاجة البيداغوجية والوضعيات البيداغوجية. فمقاربة التدريس بالكفايات مثلا يمكن أن تعتمد أكثر من إطار منهجي لتصريفها (بيداغوجيا الإدماج، بيداغوجيا الوضعيات،…)، والمقاربة البيداغوجية المهيكلة يمكن أن تعتمد إطارا منهجيا لتصريفها (نموذج التدريس الهادف، نموذج التدريس الصريح، نموذج التدريس الفعال،….). ووجه الاختلاف الأساس بين هذه المقاربات البيداغوجية يكمن في تعاطيها مع مكونات المثلث البيداغوجي (المدرس باعتبارها وسيطا أو باعتبارها محورا- المتعلم باعتباره فاعلا أو متفاعلا أو منفعلا- موضوع التعلم باعتباره معرفة تكتسب أو مهمة تنجز)، وفي تعاطيها مع نوعية المنظومة العلائقية الثلاثية الأبعاد التي يقيمها هذا المثلث البيداغوجي، والتي هي العلاقة البيداغوجية متعددة الأطراف، والعلاقة الديداكتيكية المرتبطة بخصوصية موضوع التعلم وخصوصية الفئة المستهدفة، والعلاقة الإنتاجية التي تتحدد في طبيعة الفعل المكتسب والإنجاز المستهدف والأثر المتحقق.

تشتغل بيداغوجيا التعليم من داخل مقاربات إعادة إنتاج المعرفة في صيغة أجوبة مغلقة، تنقل كما تنقل الأموال في صناديق محروسة من وإلى البنوك، ذاك ما يجعلها حاملا من حوامل إعادة إنتاج نموذج السلطة القائمة، وإعادة إنتاج مستلزمات استقرار وترسيخ أنظمة الإنتاج وعلاقاتها، ومن ثم تحظى المدرسة بالحراسة اللازمة من الدولة والمجتمع لتأمين نقل المعرفة في مختلف أبعادها بين الأجيال، مما يستلزم تمكينها من مختلف الآليات التي تساعدها على القيام بوظيفتها، ومن أهم وأكثر هذه الآليات هي مكونات النموذج البيداغوجي الذي هو محرك اشتغال المدرسة وجوهر عملها وعلى رأس هذه المكونات تتربع المقاربات البيداغوجية.

أما بيداغوجيا التعلم فتشتغل من داخل إطار مقاربات الإنتاج، إنتاج معرفة جديدة عن طريق مساءلة الأجوبة، إنتاج أسئلة جديدة من طرف فاعلين جدد، في سياقات جديدة. وهؤلاء الفاعلين الجدد هم جماعات المتعلمين الذين يتمتعون بحقهم في التعلم، وحقهم في التفاعل مع هذه المعرفة في ضوء خصوصياتهم وخصوصيات واقعهم الجديد. إنها بيداغوجيا تستمد روحها من البناء القائم على تفاعل الذات مع موضوع التعلم بشكل فردي أو جماعي، في سياق بيداغوجي حاضن وآمن.

ويكون التعلم فعالا عندما يتم في إطار جماعة، وتحركه طاقة ودافع داخلي من أجل غاية ذاتية. وعليه فإن بيداغوجيا التعلم تقوم على الاعتراف والثقة والطموح في إنتاج واقع جديد تصير فيه المعرفة ذاتها موردا من الموارد إلى جانب المهارات المستهدفة ومنظومة القيم الموجهة، غايتها بناء نموذج إنسان ممكن يتمتع بالإرادة وحرية الاختيار والاستقلالية والقدرة على الفعل في الوضع القائم بغاية تطويره وتجاوز اختلالاته، توجهه رؤية واختيارات قيمية ومدنية أفقها المواطنة الحقة القائمة على الاعتراف بفاعلية الذات وفاعلية الحقوق، وعلى رأسها الحق في التعلم، والحق في تأمين مستلزمات تحققه في الذات، كشرطية من شرطيات التنمية المجتمعية الشاملة، والقائمة كذلك على قابلية الواقع للتغيير والتحول وفق الشرط التاريخي وممكناته وخصوصية منظومة العلق في بعديها الوطني والكوني.

في حين بيداغوجيا الفعل تشتغل من داخل مقاربة البيداغوجيا المهيكلة والموجهة التي لا تعترف بحق الذات في الفاعلية، ولا تعترف بالتعلم كحق بقدر ما ترى التعلم استجابة موجهة بشكل عمودي لصناعة نموذج إنسان ممكن، هو موضوع للفعل، لا باعتباره فاعلا في الموضوع، هو موضوع للتوجيه لا باعتباره ذاتا فاعلة في واقعها، هو مورد في نظام إنتاج لا باعتباره مشاركا في تعديله. إنها بيداغوجيا تستمد روحها من تعديل السلوك عن طريق مثير خارجي واستجابة في وضعية آمنة وحاضنة، يقود فيها المتعلم دافع خارجي يحدد غايته المستفيد الأول من الفعل، سواء أكانت منظومة التربية والتكوين بشكل مباشر، أو المجتمع أو السوق بشكل غير مباشر. وهكذا فإن تعلم الفعل وفعل الفعل وفق معايير للأداء والإنجاز هي مهمة بيداغوجيا الفعل وغايتها.

فإذا كانت بيداغوجية التعليم غايتها صياغة مواطن وفق نموذج قائم، مسيج بإرادة الدولة والمجتمع، وبيداغوجيا التعلم غايتها صناعة مواطن مشارك في بناء نموذج جديد مرتبط بسؤال التمكين من الحقوق والعدالة والإنصاف كرافعات للتنمية البشرية، ومن ثم يصير التعلم حقا إنسانيا مستداما، يجعل المواطنة حوارية ارتدادية بين الفرد والمجتمع، يتقاسمان الفاعلية ويتبادلان التأثير والتأثر، وينتجان الأثر المشترك المتمثل في الارتقاء في ظل نموذج جديد للتنمية الحقة، فإن بيداغوجيا الفعل غايتها صناعة مواطن محكوم بمعادلة الإنتاج والاستهلاك، معادلة العرض والطلب، معادلة الزبون والخدمة. ومن ثم محكوم بنموذج جديد للسلطة لا تقوده وتديره سلطة الدولة بقدر ما تديره سلطة المؤسسات الاقتصادية والرأسمالية الجديدة العابرة للسيادات والحدود. ومن ثم تصير المواطنة تقاس بالكفاءة الإنتاجية والفعالية الاستهلاكية لا بدرجة المشاركة في البناء وصناعة القرار والمساواة في تقاسم مردودية الإنتاج ومكاسب التنمية.

في ضوء هذه الرؤية ننتهي من هذا التمييز إلى أن بيداغوجيا التعليم تجعل المتعلم موضوعا للفعل البيداغوجي، وبيداغوجيا التعلم تجعل المتعلم غاية الفعل البيداغوجي، في حين تجعل بيداغوجيا الفعل المتعلم منظومة سلوك قابلة للتوجيه والتعديل والضبط وفق معايير الأداء والإنجاز.

لهذا فإن من بين مهامها الأساسية تسقيف أفعال التعلم وتوجيهها، وتسييج إرادة التعلم بسور يحد من قدرتها، ويختصر التعلم كشرط إنساني في تعلم المعرفة وتعلم المهارة عن طريق النمذجة والتطبيق القائم على التكرار والتدريب في وضعيات بيداغوجية متشابهة. والحقيقة الغائبة أو المغيبة هي أن التعلم كشرط إنساني في سياق تحديات الحاضر والمستقبل يستلزم تجاوز المعرفة كغاية، وتجاوز معرفة الفعل كمهارة، إلى تعلم التعلم ذاته، ومواكبة تنميته بتجاوز سقف المعرفة كأداة والمهارة كفعل، إلى تعلم مهارات التفكير المتوسطة والعليا والتفكير النقدي والإبداعي، وتلك مهمة مدرسة المستقبل، إلى جانب باقي وظائفها، وعلى رأسها التنشئة الاجتماعية القائمة على التربية على المواطنة والاختيار والتربية على القيم وتنمية مختلف أبعاد الكفايات بنوعيها: المستعرضة والتوعية. وتنمية المهارات بنوعيها: مهارات التفكير والمهارات الحياتية والمواطنة.

لماذا هذا التمييز ضروري؟

لأن تعلم المعرفة ومعرفة الفعل وفعل الفعل وفق معايير أداء وإنجاز قابلة للملاحظة وقياس النتائج والأثر يعني أن سقف التعلم ينحصر في الكفاءة، لا في ترسيخ مستلزمات العدالة، أي أن يصير الإنسان قادرا على الفعل وتنفيذ الفعل وفق تصميم معطى تتحدد جودته في مدى تطابقه مع معايير الأداء والإنجاز، ولا يحتاج إلى مهارات تفكير أو إلى قيم أو مواقف واتجاهات. في حين أن تعلم التعلم وتنمية الاختيار وتنمية تحقق القيم في ذات المتعلم هي مهام تتجاوز المعرفة ومعرفة فعل الفعل، أي يتجاوز سقف الكفاءة وينفتح على سؤال لماذا هذه المعرفة ولماذا هذا الفعل؟ ووفق أي مرجع قيمي؟ وفي ضوء أي موقف واتجاه؟

إلى ماذا ننتهي بعد هذه الخلاصة النظرية؟

ننتهي إلى أن التعلم حادثة نضج تراكمي متدرج في سلم النضج. فهو تنمية للمعرفة من أجل تنمية وتحسين الفهم وفهم الفهم، أي الوعي به. وتعلم للتأويل المرن المتعلم من أجل تنمية الوعي الممكن (إعادة بناء الذات وخطاطات الذهن والإدراك)، في مقابل الوعي الزائف (إعادة إنتاج الذات، إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية، إعادة إنتاج الوضع القائم)، ثم تنمية المعنى المتحقق في الذات من أجل غايات وجودية موجهة للإنسان الممكن، بدل غايات أخرى أفقها الكفاءة الإنتاجية. ومن ثم فالتعلم في جوهره حادثة ثقافية بامتياز، وإرادة باعتبارها طاقة لتنمية للاختيار وتوجيهه، وليس مجرد تعلم للفعل الموجه وتعديل للسلوك وفق خطاطة. فإذا كان تعلم المعرفة ومعرفة الفعل وفعل الفعل، وفق معايير محددة لجودة الأداء والإنجاز، ينتج عنها تغيير في السلوك المستهدف، فإن تعلم التعلم والتربية على الاختيار وعلى القيم وتنمية الكفايات والمهارات الحياتية ينتج عنها حسن التصرف.

ومن ثم تتحدد جودة السلوك في تطابقه مع المعايير والتصنيفات اجتماعية كانت أو إنتاجية، في حين تتحدد جودة التصرف فيما يحمل في ثناياه من قيم ومواقف واتجاهات ومدى التزامه بمنظومة الحقوق والواجبات، ومدى مساهمته في الصالح العام وتحقيق الفضيلة. وإذا كان السلوك يتميز بالقابلية للملاحظة والقياس الفوري، فإن التصرف له جانبان: جانب خارجي على شكل أداء وإنجاز قابل بدوره للملاحظة والقياس الفوري، وجانب ثان داخلي لا يمكن أن يلاحظ ويقاس فوريا، وإنما يتطلب مدى زمنيا ممتدا حتى يظهر كتغير شامل في تفكير ووعي الفرد، وفي نمط حياته، وفي مدى قدرته على الاندماج الاجتماعي والمساهمة في ارتقائه الذاتي والمجتمعي.

ننتهي أخيرا إلى خلاصة مبدئية مفادها أن النموذج البيداغوجي جوهر عمل المدرسة، والمقاربات البيداغوجية مكون أساس من مكونات هذا النموذج، بل هو أخطر هذه المكونات وأكثرها تأثيرا في إنتاج مردودية المدرسة، لأنه لا يتوقف عند مهمة تصريف الغايات والمناهج الدراسية والبرامج بقدر ما يستهدف بشكل مضمر خصوصية نموذج المواطن الممكن الذي يُراد للمدرسة أن تصنعه وتقدمه للمجتمع. وهذا ما تنبهت له الرؤية الاستراتيجية 2015.2030 في رافعتها الثانية عشرة المتعلقة بتطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار، وخاصة في الفقرة 71 عندما نصت على أنه ” يتم في المدى القريب، التحضير للشروع في تفعيل هذا التوجه، بوضع إطار مرجعي للمقاربات البيداغوجية وبنهج هذا الاختيار سواء في برامج التكوين الأساس والمستمر لأطر التدريس والتكوين، أم في فصول وفضاءات التعلم”.

في حين اختزلت المادة 28 من القانون الإطار51.17 مفهوم النموذج البيداغوجي في المناهج والبرامج والتكوينات ودعت إلى إحداث “لجنة دائمة تعنى بالتجديد والملاءمة المستمرين لمناهج وبرامج وتكوينات مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، مع مراعات خصوصيات كل مكون من هذه المكونات. ولهذا الغرض، تتولى اللجنة المذكورة إعداد إطار مرجعي للمناهج ودلائل مرجعية للبرامج والتكوينات، والسهر على تحيينها وملاءمتها مع التطورات البيداغوجية الحديثة بكيفية مستمرة”. وبهذا يكون القانون الإطار قد أسقط الإطار المرجعي للمقاربات البيداغوجية، ومن ثم اختزل هذا المكون الأساس من بين مكونات النموذج البيداغوجي إلى مجرد آلية لتصريف المناهج والبرامج الدراسية. وهو اختزال مقصود يفرغ بشكل من الأشكال الدعامة الثانية عشرة من عمقها البيداغوجي.

أما القانون 59.25 المتعلق بالتعليم المدرسي فقد أقر النموذج البيداغوجي في بابه الخامس وجعله في المادة 71 “يشتمل على المناهج والبرامج والتكوينات، والمقاربات البيداغوجية والوسائط التعليمية بما فيها الرقمية، والإيقاعات الزمنية للدراسة والتعلم، وكذا التوجيه المدرسي والمهني ونظام التقييم والامتحانات المدرسية”. لكنه في الوقت ذاته اعتمد ما جاءت به المادة 28 من القانون الإطار واكتفى في المادة 73 منه بالإطار المرجعي للمنهاج والدلائل المرجعية للبرامج والتكوينات، وأسقط الإطار المرجعي للمقاربات البيداغوجية.

خلاصة القول هي أن النظر، من طرف سلطة ما، تنفيذية أو إدارية أو تربوية، إلى البيداغوجيا ومقارباتها باعتبارها مجرد آلية لتصريف المناهج والبرامج الدراسية هو نظر قاصر، وأن قياس جودة النتائج التي تحققها مقاربة بيداغوجية ما، قد تكون من الناحية الكمية منظورة ومرضية من زاوية السياسة العمومية في قطاع التربية والتعليم، لكن من الناحية النوعية المرتبطة بفلسفة التربية والاختيارات الوطنية الاستراتيجية، ومن ثم نموذج الإنسان/ المواطن الذي تم اختيار هذه المقاربة أو تلك لإعداده وتأهيله أمر يحتاج إلى تحليل نسقي أعمق وشامل يتجاوز المدى الزمني القصير الذي تشتغل على أساسه هذه السياسة العمومية.

فليس كل ما قد يبدو مفيدا للسياسة اليوم هو مفيد للمتعلمين والمجتمع غدا على سلم التمكين في الإنصاف والعدالة، كما في الارتقاء والتنمية. لأن مستقبل الأمة لا يبنى في حاضر المدرسة إلا عندما تمتح الغاية والوسيلة معا، من معين واحد، هو الاختيارات الوطنية الاستراتيجية الموجهة لبناء الإنسان، مواطن الغد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق